الثمرة الثانية : ما ذكره جماعة منهم صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(3) من جواز التمسّك بالإطلاق على القول بالأعم عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته والرجوع إلى الاُصول العملية على القول بالصحيح . وبيان ذلك : أنّ التمسّك
ــــــــــــ (3) كفاية الاُصول : 28 .
ــ[123]ــ
بالإطلاق موقوف على مقدّمات :
أوّلا : أن يحرز المراد الاستعمالي للمتكلّم من تعلّق الحكم بما فيه القابلية للانقسام ، كتعلّقه بالقدر الجامع بين نوعين أو أنواع .
ثانياً : أن يحرز كونه في مقام البيان .
ثالثاً : أن لا ينصب قرينة على تعيين أحد النوعين أو الأنواع ، وبذلك يستكشف أنّ مراده الجدّي هو بعينه المراد الاستعمالي ، وليس لأيّة خصوصية من الخصوصيات دخل فيه .
فإذا شكّ في صدق المسمّى ـ كما هو الحال فيما إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للمأمور به بناءً على وضع الألفاظ على الصحيح ـ لا تصل النوبة إلى التمسّك بالإطلاق ، لعدم إحراز المراد الاستعمالي ، وأنّه قابل الانطباق على الفاقد لما يشكّ في اعتباره . وبقيّة المقدّمات لا تجدي في إثبات القابلية ، لأنّها إنّما تجري في رتبة لاحقة له ، إذ بعد إحراز قابلية المتعلّق للصدق على النوعين يستكشف ببقية المقدّمات إرادة الجامع بينهما ، ومع عدم إحراز القابلية يكون الخطاب مجملا ، فيتعيّن الرجوع إلى الأصل العملي .
نعم بناءً على الأعم ، وبعد إحراز المراد الاستعمالي بواسطة الوضع له ، لا مانع من جريان مقدّمات الحكمة والتمسّك بالإطلاق .
وربما يورد على هذه الثمرة بوجهين :
الأول : أنّ التمسّك بالإطلاق كما يصحّ للقائل بالأعم يصحّ للقائل بالصحيح بيان ذلك : أنّ المتكلّم إذا كان بصدد بيان تمام مراده الجدّي ، ولم يأت بقيد أو جزء في كلامه ، فلا محالة يستكشف من ذلك عدم إرادته له ، بلا فرق بين القول بالصحيح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب1 ح1 .
ــ[124]ــ
والقول بالأعمّ ، وذلك مثل ما أفاده الإمام (عليه السلام) في رواية حمّاد(1) من تعرّضه لجميع أجزاء الصلاة وهو في مقام البيان ، ولم يذكر الاستعاذة قبل القراءة فيستكشف من ذلك عدم إرادته لها ، وأنّها ليست بجزء للصلاة . وإذا لم يكن المتكلّم في مقام البيان لا يصحّ التمسّك بالإطلاق ، سواء في ذلك القول بالوضع للصحيح والقول بالوضع للأعمّ .
والجواب يظهر ممّا سبق ، إذ أنّ كونه في مقام البيان إنّما يجدي في إثبات الإطلاق إذا اُحرز مراده الاستعمالي . ومع عدم إحرازه لا تصل النوبة إلى التمسّك بالإطلاق . نعم لا مانع من التمسّك به لو كان شكّه من جهة الإطلاق الأحوالي ، وهو عبارة عن سكوت المتكلّم عن بيان شيء مع العلم بأنّه لو أراده لبيّنه ، فيستكشف من عدم بيانه عدم إرادته له ، وهذا كما إذا كان المولى في مقام بيان ما يحتاجه من الغذاء ، فأمر خادمه بشراء بعض اللوازم التي يرغب فيها ، ولكنّه لم يتعرّض إلى ذكر السكر مثلا ، فحيث كان في مقام البيان ولم يذكر ذلك يستكشف منه عدم إرادته له .
وهذا النحو من الإطلاق لا يحتاج إلى وجود لفظ مطلق في الكلام ، بخلاف الإطلاق اللفظي ، فإنّه يحتاج إلى لفظ في الكلام ، والذي هو محل البحث في المقام هو الإطلاق اللفظي لا الأحوالي . فما جاء به القائل من الإيراد غير صحيح .
وقد يقال : إنّ القائل بالصحيح كما لا يتمكّن من التمسّك بالإطلاق ، كذلك القائل بالأعم لا يتمكّن من التمسّك بذلك ، والوجه فيه : أنّه ليس لنا مورد في العبادات يكون المتكلّم فيه في مقام البيان ، ومع عدمه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق على كلا القولين . غاية الأمر على القول بالأعم المفقود جهة واحدة ، وهي عدم ورود مطلقات الكتاب والسنّة في مقام البيان ، بل في صدد التشريع فقط .
ــ[125]ــ
وعلى القول بالصحيح المفقود جهتان وهما : عدم كون المطلقات في مقام البيان ، وعدم ورود الحكم على مقسم وجامع بين القسمين .
والجواب عنه : أنّ بعض الآيات الشريفة وردت في الكتاب العزيز وهي في مقام البيان ، منها : قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(1) فإنّ الصيام ثابت في سائر الأديان المختلفة ، وإن كان يتفاوت بتفاوت كيفياته . ويظهر من هذا أنّ المراد منه هو المعنى اللغوي ، بقرينة قوله تعالى : (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)(2) وهو عبارة عن نفس الكفّ عن الأكل والشرب ، وأمّا الكفّ عن بقية الاُمور كالكذب على الله تعالى ، أو الجماع ، أو الارتماس في الماء ، فتستفاد بالتعبّد الشرعي .
فلو حصل الشكّ في اشتراط شيء وعدم اشتراطه في هذه الماهية ، فلنا المجال للتمسّك باطلاق قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ولا نرى فرقاً بين هذا الإطلاق وإطلاق قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(3) (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(4) فإنّ هذين الدليلين كما يتمسّك باطلاقهما في المعاملات ، كذلك يتمسّك باطلاق الآية المباركة إذا شكّ في اعتبار أمر ما في صحّة الصوم شرعاً .
مضافاً إلى ما يوجد في السنّة من الروايات المطلقة ، كما في التشهّد من قوله (عليه السلام) : « يتشهّد »(5). فلو شكّ في اعتبار التوالي ـ مثلا ـ بين الشهادتين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2 : 183 .
(2) البقرة 2 : 187 .
(3) المائدة 5 : 1 .
(4) البقرة 2 : 275 .
(5) الوسائل 6 : 406 / أبواب التشهّد ب9 ح4 ، ب8 ح1 .
ــ[126]ــ
يرجع إلى الإطلاق ، ويحكم بعدم اعتباره .
ولكنّها مع ذلك ليست هذه بثمرة المسألة الاُصولية ، لأنّ ضابط المسألة الاُصولية ما أمكن بنفسها أن يستنبط منها حكم كلّي فرعي ، مع قطع النظر عن بقيّة المسائل الاُصولية . ومسألة الصحيح والأعم خارجة عن علم الاُصول ، لعدم وقوعها كذلك ، نعم هي محقّقة لموضوع التمسّك بالإطلاق . والبحث عن جواز التمسّك بالإطلاق وإن كان بحثاً اُصولياً ، إلاّ أنّ البحث عن تحقّق الإطلاق وعدمه بحث عن المبادي .
الثاني : من الإيراد على الثمرة : هو أنّ القائل بالوضع للصحيح كما لا يمكنه التمسّك بالإطلاق كذلك القائل بالأعم لا يمكنه ذلك .
أمّا عدم تمكّن الصحيحي من ذلك فلعدم إحراز صدق اللفظ على الصلاة ـ مثلا ـ الفاقدة لما هو المشكوك جزئيته أو شرطيته ، إذ من الممكن أن يكون المجموع هو الصلاة .
وأمّا القائل بالأعم فلأنّه يعلم بتقيّد المسمّى بالصحّة ، وأنّها اُخذت في المأمور به ، إذ الشارع لا يأمر بالفاسدة قطعاً . فاللفظ وإن وضع للأعمّ، إلاّ أنّ مراده من الصلاة الحصّة الخاصّة من الطبيعي ، وهي المقيّدة بوصف الصحّة . فمع كون المسمّى أعم مع العلم بأنّ المأمور به مقيّد لا يصحّ التمسّك بالإطلاق ، إذ لا فرق بين أن تكون الصحّة دخيلة في المأمور به وفي المسمّى . فهما من هذه الناحية سيّان في المنع من التمسّك بالإطلاق .
فإذا أمر الشارع بالصلاة وشككنا في اعتبار السورة فيها لا يمكننا الركون إلى الإطلاق في رفع ما شكّ فيه ، وذلك لأجل العلم بتقييد الصلاة بالصحّة ، ومع هذا يحتمل عدم صدق الصلاة الصحيحة على ما كانت فاقدة للسورة ، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2 : 472 ـ 475 .
ــ[127]ــ
وقد اعتنى بهذه الشبهة المحقّق الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في بحث البراءة وأطال الحديث فيها ، إلاّ أنّ الشبهة بنظر شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) ليست بذات أهمية ، وذلك لعدم أخذ عنوان الصحّة في المأمور به ، بل هي منتزعة من المطابقة في مورد الامتثال ، فلابدّ من سبق أمر متعلّق بشيء ثمّ يقوم العبد بامتثاله ، فتنتزع المطابقة حينئذ .
فلو قلنا بالوضع للأعمّ ، وشككنا في اعتبار شيء لا مانع من التمسّك بالإطلاق لرفع ذلك المشكوك فيه ، لصدق اللفظ على المأتي به . وهذا بخلاف ما لو قلنا بالوضع للصحيح ، فإنّ معنى اللفظ غير معلوم الصدق على المأتي به ، لاحتمال مدخلية المشكوك فيه في ذلك ، ويكون فقدانه مضرّاً به .
وعليه فبالإطلاق على الأعم يستكشف منه أنّ الطبيعي المأمور به غير مقيّد بالسورة ، وأنّه بالإضافة إلى ذلك مطلق ، وإذا انطبق الطبيعي اللاّ بشرط على المأتي به الفاقد للسورة لا محالة ينتزع منه الصحّة . ـــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 69 ـ 70 .
|