ــ[412]ــ
ثمرة النزاع في وجوب المقدّمة
ذكر القوم ثمرات للنزاع في المقدّمة .
الثمرة الاُولى : فساد العبادة إذا كان تركها مقدّمة لوجود واجب أهم منها بناءً على القول بوجوب مطلق المقدّمة ، وصحّتها بناءً على القول بالمقدّمة الموصلة .
بيان ذلك : أنّ ترك الصلاة ـ مثلا ـ إذا كان مقدّمة لوجود الإزالة التي هي الواجب الأهم ، لا محالة كان ذلك الترك واجباً ـ بناءً على الملازمة ـ وإذا صار الترك واجباً كان الفعل منهيّاً عنه ، بناءً على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ولابدّ من فساده إن كان عبادة ، بناءً على أنّ النهي عن العبادة يوجب الفساد . هذا بناءً على وجوب مطلق المقدّمة .
وأمّا على القول بوجوب المقدّمة الموصلة خاصّة ، فالعبادة ليست بفاسدة لأنّ الواجب من المقدّمة لواجب أهم إنّما هو الترك الموصل ، أي الترك الخاص . وإيجاب ذلك الترك وإن استلزم النهي عن نقيضه ، إلاّ أنّ نقيضه ليس هو الفعل ، بل عدم الترك الخاص ، وهذا ـ أي عدم الترك الخاص ـ ليس عين الصلاة ، بل مقارن له ، لتحقّقه في فعل الصلاة تارةً وفي غيرها اُخرى . وبديهي أنّ الحرمة لا تسري من أحد المتلازمين إلى الآخر ، فضلا عن المقارن له ، وعليه ففعل الصلاة لا يكون منهياً عنه ، فلا تقع الصلاة فاسدة .
ــ[413]ــ
وأشكل على ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على ما نسب إليه في التقريرات(1) من أنّ هذه الثمرة ليست بتامّة ، وذلك فإنّ نقيض كل شيء رفعه ، ومن المعلوم أنّ نقيض الترك الخاص أعمّ من نقيض الترك المطلق ، لأنّ نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم ، وهذا النقيض ـ وهو ترك الترك الخاص ـ كما ينطبق على فعل الصلاة ، كذلك ينطبق على الترك المجرّد ، فإذا بنينا على حرمة النقيض كانت الحرمة بنفسها سارية إلى جميع أفراد ما ينطبق عليها ذلك النقيض ، التي من جملتها فعل الصلاة . ففعل الصلاة وإن لم يكن بنفسه نقيضاً ، إلاّ أنّه من أفراد النقيض ، وحرمة النقيض تسري إلى الأفراد قطعاً . وعليه فالعبادة فاسدة .
وأشكل صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) على ذلك بما حاصله : أنّ المراد من أنّ نقيض كل شيء رفعه ، ليس هو أنّ نقيض الترك عدم الترك ، ونقيض عدم الترك عدم عدم الترك ، وهكذا إلى ما لا نهاية له . بل المراد منه أنّ نقيض العدم هو الوجود ، ونقيض الوجود هو العدم ، ولأجل هذا التقابل ثبت أنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان . فلو قلنا بأنّ مطلق المقدّمة واجب ، وقلنا إنّ ترك الصلاة مطلقاً واجب ، كان نقيض ترك الصلاة هو وجود الصلاة ، فيكون فعل الصلاة منهياً عنه ، فتبطل على فرض الإتيان بها .
وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ الواجب هو الترك الخاص ، فإنّ نقيض الترك الخاص هو عدمه ، وهذا قد يقارن الفعل ، وقد يفارقه . وحرمة الشيء لا تسري إلى ملازمه ، فضلا عن مقارنه ، فلا يكون فعل الصلاة محرّماً . فالعبادة صحيحة لو أراد العبد أن يتقرّب بها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مطارح الأنظار : 78 .
(2) كفاية الاُصول : 121 .
ــ[414]ــ
وهذا الإشكال على الشيخ (رحمه الله) متين جدّاً ، وبناءً عليه فالثمرة التي ذكرها صاحب الفصول (رحمه الله) تامّة ، بناءً على وجوب المقدّمة وكون ترك أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر ، وأنّ مثل هذا النهي موجب للفساد . وسيأتي إن شاء الله تعالى(1) بطلان ذلك .
نعم من مطاوي حديثنا ظهر أنّ هناك ثمرة للنزاع ، وهي ما لو كانت المقدّمة محرّمة . فبناءً على ما ذكره صاحب الكفاية(2) من وجوب المقدّمة مطلقاً ترتفع الحرمة ، وتتّصف بالوجوب حتّى لو لم يقصد بها التوصّل إلى الواجب . فلو أمر المولى بانقاذ غريق ، وتوقّف إنقاذه على سلوك الأرض المغصوبة ، فإنّ حرمة التصرّف فيها تزول ، لمعارضتها بالأهم ، وتتّصف بالوجوب .
وأمّا بناءً على عدم وجوب المقدّمة مطلقاً ، أو وجوب خصوص الموصلة منها ، فإنّ الحرمة تبقى بحالها ، إلاّ إذا توصّل بها إلى الواجب .
أمّا في صورة عدم وجوب المقدّمة فلأنّ الحرمة لا يمكن بقاؤها ، من جهة الضرورة المبيحة للتصرّف فيها ، إلاّ أنّ الضرورة لا تبيح إلاّ بمقدار ما ترتفع به وهو خصوص السلوك الموصل إلى الواجب النفسي دون غيره .
وأمّا في صورة وجوب المقدّمة الموصلة فالأمر واضح ، لأنّ الذي وجب هو خصوص السلوك الموصل ، وما عداه يبقى على حرمته .
وأمّا بناءً على مسلك الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(3) من وجوب خصوص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص424 وما بعدها ، ومحاضرات في اُصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 290 وما بعدها ، و338 وما بعدها .
(2) كفاية الاُصول : 114 .
(3) مطارح الأنظار : 72 .
ــ[415]ــ
ما قصد به التوصّل ، فلو لم يقصد الداخل التوصّل به إلى الواجب كانت الحرمة باقية .
وهذه الثمرة لا بأس بها ، بل ثمرة الاُصولي في النزاع في وجوب المقدّمة وعدمه هي هذه ، لأنّها ثمرة فقهية مترتّبة على هذا النزاع .
الثمرة الثانية : إمكان الإتيان بالمقدّمة عبادة على تقدير ثبوت الوجوب لها ، فإنّه حينئذ يمكن التقرّب بها من المولى . وأمّا على تقدير عدم ثبوت الوجوب لها ، فلا يمكن التقرّب بها من المولى فيما عدا الطهارات الثلاث .
وغير خفي أنّ التقرّب لا يتوقّف على القول بالوجوب ، بل يكفي فيه قصد الأمر النفسي المترتّب عليها ، لأنّه يكون في مقام الانقياد والطاعة ، حيث ذكرنا فيما سبق أنّ العبادية تتحقّق بأحد أمرين : إمّا قصد الأمر المتوجّه إلى الشيء بنفسه ، أو قصد الأمر المتوجّه إلى الواجب النفسي المتوقّف على هذه المقدّمة . وأمّا في الطهارات الثلاث فإنّ العبادية فيها تتحقّق باتيانها بداعي أمرها النفسي الاستحبابي .
الثمرة الثالثة : برء النذر بالإتيان بالمقدّمة على القول بوجوبها إذا تعلّق النذر بفعل واجب . فعلى القول بوجوب المقدّمة مطلقاً يجزيه لو أتى بها ، ولو لم يأت بالواجب النفسي بعدها . وعلى القول بعدم الوجوب لا تجزي .
وغير خفي أوّلا : أنّ البحث عن برء النذر ليس بحثاً اُصولياً ، لأنّ المسألة الاُصولية ما وقعت نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، لأنّ المترتّب عليها إنّما هو انطباق المعلوم وجوبه بدليله على الإتيان بالمقدّمة .
وثانياً : أنّ الوفاء بالنذر تابع لقصد الناذر ، فإن قصد من لفظ الواجب حين نذره خصوص الواجب النفسي لم يجز الإتيان بالمقدّمة حتّى لو قلنا بوجوبها ، وإن
ــ[416]ــ
قصد من نذره ما يلزم الإتيان به شرعاً أو عقلا ، فيحصل الوفاء بالمقدّمة ولو لم نقل بالوجوب شرعاً .
نعم لو كان قصد الناذر من لفظ الواجب مطلق الواجب ، ولم يكن في البين انصراف إلى خصوص الواجب النفسي ، فهو وإن برئت ذمّته بالمقدّمة على تقدير وجوبها ، إلاّ أنّك عرفت أنّه من تطبيق الحكم الكلّي على مصداقه ، وهو ليس بمسألة اُصولية .
وثالثاً : أنّ هذا يتم على القول بوجوب مطلق المقدّمة ، فإنّ الإتيان بها ممّا يوجب براءة ذمّته . وأمّا على القول بأنّ الواجب منها حصّة خاصّة ـ وهي التي كانت توأماً مع الإيصال الخارجي ـ فلا محالة تكون غير منفكّة عن الواجب النفسي ، إذ قبل الإتيان بالواجب النفسي لا تكون الأفعال متّصفة بالوجوب وبعده يحصل الوفاء بالإتيان بالواجب النفسي ، فأي أثر يترتّب على هذا التقدير .
الثمرة الرابعة : عدم جواز أخذ الاُجرة على المقدّمة بناءً على وجوبها ، لأنّه من أخذ الاُجرة على الواجبات ، وجواز ذلك بناءً على عدم الوجوب .
وغير خفي أوّلا : أنّ هذا الأمر يختصّ بالمقدّمات غير العبادية ، وأمّا العبادية منها فلا يجوز أخذ الاُجرة عليها وإن لم نقل بوجوبها ، بناءً على عدم جواز أخذ الاُجرة على العبادات .
وثانياً : أنّه لا منافاة بين وجوب شيء وأخذ الاُجرة عليه ، كما في الصناعات الواجبة وغيرها ، التي يكون وجوبها كفائياً ، فإنّ الغرض من إيجابها لزوم إيجادها خارجاً ، نظراً لتوقّف النظام عليها ، وهذا لا يقتضي كونها على نحو المجانية . نعم إذا قامت القرينة على لزوم الإتيان بالعمل مجاناً لم يجز أخذ الاُجرة عليه ، كتغسيل الميّت ودفنه . وعلى ذلك فلا بأس بأخذ الاُجرة على مقدّمة الواجب ، قلنا بوجوبه أم لا .
ــ[417]ــ
الثمرة الخامسة : تحقّق الفسق بترك الواجب الذي له مقدّمات متعدّدة . فعلى القول بوجوب المقدّمة يصدق عليه أنّه تارك لواجبات كثيرة ، فيثبت فسقه .
وغير خفي أوّلا : أنّ الثمرة متوقّفة على القول بأنّ تارك المقدّمة مستحق العقاب ، وقد عرفت ممّا تقدّم(1) أنّ ترك الواجب الغيري لا يستوجب العقاب ، فلا يكون معصية .
وثانياً : أنّه لابدّ وأن يفرض الكلام فيما إذا كان ترك الواجب النفسي من الصغائر ، وإلاّ ـ فلو كان من الكبائر ـ لكان تركه بنفسه موجباً للفسق ، بلا حاجة إلى المقدّمة .
وثالثاً : أنّه لو كان من الصغائر فلابدّ من تحقّق مفهوم الإصرار بترك الواجبات المتعدّدة دفعة واحدة ، والظاهر عدم تحقّق الإصرار بذلك ، بل لابدّ من أن يكون الترك دفعات . فلو ارتكب الصغائر دفعة واحدة فالإصرار لا يصدق معها ، وذلك كمن نظر إلى نساء متعدّدات بنظر واحد ، فإنّه يصدق عليه ارتكاب ذنوب متعدّدة ، ولا يصدق معها الإصرار .
ورابعاً : مع تسليم جميع هذه الاُمور فهي لا تصلح أن تكون نتيجة للمسألة الاُصولية ، فإنّ المسألة الاُصولية عبارة عمّا وقعت نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي كما سبق ، وما نحن فيه ليس كذلك ، بل هو من تطبيق الحكم المستنبط على موارده .
الثمرة السادسة : أنّه على القول بوجوب المقدّمة يلزم اجتماع الأمر والنهي فيما لو كانت محرّمة ، وعلى القول بعدم الوجوب فلا تتّصف إلاّ بالحرمة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص378 .
(2) كفاية الاُصول : 124 .
ــ[418]ــ
وأشكل عليها صاحب الكفاية (رحمه الله)(2) باُمور ثلاثة :
الأمر الأول : أنّ بحث اجتماع الأمر والنهي إنّما هو فيما إذا كان هناك عنوانان تعلّق بأحدهما الوجوب وبالآخر الحرمة ، وقد اجتمعا في مورد واحد اتّفاقاً . وأمّا إذا كان هناك عنوان واحد تعلّق به كلا الحكمين ، فلا ريب أنّه داخل في مسألة النهي عن العبادة . وما نحن فيه من قبيل الثاني ، فإنّ ذات المقدّمة هي مركب للأمر ، لا عنوان ما يتوقّف عليه الواجب ، وإنّما العنوان جهة تعليلية للحكم بوجوب الذات لا جهة تقييدية .
وغير خفي أنّ عنوان المقدّمة وإن لم يكن مورداً للأمر ، إلاّ أنّ المأمور به هو الكلّي الذي يتوقّف عليه الواجب ، وهذه المقدّمة الخاصّة مصداق من مصاديقه فتتصف بالوجوب بناءً على وجوب المقدّمة ، وهي محرّمة كما هو المفروض ، فتكون من موارد اجتماع الأمر والنهي .
الأمر الثاني(1): أنّ المقدّمة إن كانت منحصرة ، فامّا أن يكون ملاك الأمر أقوى فلا حرمة حينئذ ، وإمّا أن يكون أضعف فيسقط الواجب عن الوجوب ، فلا اجتماع على التقديرين .
وإن كانت غير منحصرة فالعقل يحكم بالتلازم بين وجوب خصوص المقدّمة المباحة ووجوب الواجب النفسي ، ولا يحكم بالتلازم بين وجوب مطلق المقدّمة لتكون المحرّمة أحد أفراد الواجب ، فتجتمع الحرمة والوجوب ، ويكون المجمع من موارد اجتماع الأمر والنهي .
وغير خفي أنّه في صورة عدم انحصار المقدّمة بالمحرّمة لا ينحصر الوجوب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الإشكال ورد في بعض نسخ الكفاية ، راجع هامش الكفاية : 125 .
ــ[419]ــ
بخصوص المباحة على ما ذكره ، إذ بعد واجدية كل من المقدّمتين المحرّمة وغيرها للملاك المقتضي للوجوب ـ وهو توقّف الواجب عليها ـ لا وجه لاختصاص الوجوب بالمباحة . أمّا كون إحدى المقدّمتين محرّمة ، فذلك لا يخرجها عن واجدية الملاك .
وكما أنّ الواجب النفسي إذا انضمّ إليه عنوان محرّم لا يخرجه عن واجديته لملاك الوجوب ـ بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي ـ كذلك الواجب الغيري لا يخرج عن واجديته للملاك . وعليه فالثمرة تحصل من هذه الجهة ، بناءً على جواز الاجتماع ، ما لم يمنع منها أمر آخر .
الأمر الثالث : أن القول بوجوب المقدّمة وعدمه لا أثر له في المقام ، فإنّ الغرض من المقدّمة هو التوصّل بها إلى الواجب النفسي ، فإن كانت توصّلية أمكن التوصّل بالمقدّمة المحرّمة إلى الواجب النفسي ، قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل به .
وإذا كانت المقدّمة عبادية ـ كالطهارات الثلاث ـ فإن قلنا بامتناع الاجتماع حكم ببطلانها إذا كانت محرّمة ، سواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل .
وإن قلنا بجوازه صحّت على القول بعدم الوجوب أيضاً ، وذلك من جهة أنّ عباديتها لم تنشأ من الأمر الغيري المتعلّق بها ، وإنّما نشأت من أوامرها النفسية . فلا ثمرة للقول بوجوب المقدّمة من هذه الناحية .
والإشكال المذكور من صاحب الكفاية (رحمه الله) على الثمرة السادسة متين جدّاً .
|