انقلاب الشك إلى شك آخر أو ظنّ وبالعكس - التردّد في أنّ الحالة الحاصلة بالفعل ظنّ أو شك 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثامن:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2730


ــ[228]ــ

   [ 2044 ] مسألة 8 : إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث بنى عليه ، ولو ظنّ الثلاث ثمّ انقلب شكّاً عمل بمقتضى الشكّ ، ولو انقلب شكّه إلى شكّ آخر عمل بالأخير ، فلو شكّ وهو قائم بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع فلمّا رفع رأسه من السجود شكّ بين الاثنتين والأربع عمل عمل الشكّ الثاني(1) وكذا العكس((1)) فانّه يعمل بالأخير (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ما أفاده (قدس سره) في هذه المسألة من العمل بالمتأخّر إذا انقلب شكّه إلى الظنّ أو العكس ، أو انقلب شكّه إلى شكّ آخر هو الصحيح الذي لا خلاف فيه ولا إشـكال ، لما عرفت من أنّ المدار على مرحلة البقاء والحالة التي يتمّ عليها الصلاة ، كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) في بعض نصوص البناء على الأكثر : «فاذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أ نّك نقصت» (2) الظاهر في أنّ العبرة بالحالة المتأخّرة التي يتمّ الصلاة عليها ، وأ نّه يلاحظ عندئذ ما ظنّ نقصـه فيتمّ ، فلا عبرة بمرحلة الحدوث والحالة السابقة غير الباقية .

   فلو بنى على الأربع لدى الشكّ بينه وبين الثلاث ثمّ انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث بنى عليه ، ولو انقلب الظنّ به إلى الشكّ عمل بمقتضاه ، كما أ نّه لو انقلب الشكّ المزبور إلى الشكّ بين الثنتين والأربع مثلاً أو بالعكس أو انقلب الشكّ الصحيح إلى الفاسد أو بالعكس عمل بموجب الأخير في الجميع .

   (2) لا تخلو العبارة عن نوع من التشويش ، فانّ ظاهر العكس حدوث الشكّ بين الثنتين والأربع حال القيام وانقلابه بعد رفع الرأس من السجود إلى الشكّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لعلّه يريد بذلك الانقلاب من دون أن يمضي على شكّه .

(2) الوسائل 8 : 212 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 .

ــ[229]ــ

   [ 2045 ] مسألة 9 : لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيراً لبعض الناس كان ذلك شكّاً (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الثلاث والأربع ، مع أنّ الصلاة حينئذ محكـومة بالبطلان ، لأنّ الشكّ بين الاثنتين والأربع قبل الإكمال من الشكوك الباطلة . ولا يبعد أن يريد به الانقلاب قبل الاسترسال في العمل والمضيّ على الشكّ ، فلاحظ .

   (1) إذا حصلت في النفس حالة مردّدة بين الشكّ والظنّ لوسوسة ونحوها فقد ذكر في المتن أ نّها محكومة بالشكّ .

   وأشكل عليه غير واحد بأنّ كلاً من الشكّ والظنّ حادث مسبوق بالعدم ولا طريق إلى إحراز واحد منهما بخصوصه بعد كونه على خلاف الأصل ، وعليه فامّا أن يعمل بموجبهما إن أمكن رعاية للعلم الإجمالي ، أو يبني على أ نّها ظنّ بناءً على تفسير الشكّ في روايات الباب باعتدال الوهم ، والظنّ بعدم الاعتدال فيكون هو المطابق لمقتضى الأصل .

   ولكن الصحيح ما أفاده في المتن ، وتوضيحه : أ نّه قد يفرض الكلام في الشكوك الباطلة ، واُخرى في الصحيحة .

   أمّا الباطلة كما لو حصل الترديد بين الاُولى والثنتين ، أو بين الرابعة والخامسة في حال الركـوع ولم يعلم أ نّه شكّ أو ظنّ ، فلا ينبغي الريب في لزوم معاملة الشكّ معه ، فانّ لفظ اعتدال الوهم لم يرد في شيء من نصوص الشكوك الباطلة وإنّما الوارد فيها : أنّ من شكّ أو لا يدري أعاد حتّى يحفظ ويكون على يقين . كما في صحيحة زرارة وغيرها (1) . فالمراد بالشكّ فيها خلاف اليقين ، المطابق للمعنى اللغوي ، الذي هو محرز بالوجدان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 187 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1 ، 6 وغيرهما .

ــ[230]ــ

   نعم ، في صحيحة صفوان تقييده بعدم وقوع الوهم على شيء ، قال : «إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة» (1) ، فكأنّ الموضوع مركّب من عدم العلم ومن عدم وقوع الوهم على شيء .

   أمّا الأوّل فمحرز بالوجدان كما عرفت . وأمّا الثاني فبمقتضى الاستصحاب إذ الأصل عدم وقوع وهمه على شيء ، وهو عدم نعتي لا محمولي ، فلا يتوقّف على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي ، وإن كان المختار جريانه فيه أيضاً .

   وإنّما يبتني عليه لو كانت العبارة هكذا : ولم يكن ما في نفسك ظنّ . لعدم وجود الحالة السابقة حينئذ ، فانّ ما في النفس من أوّل وجوده إمّا شكّ أو ظنّ . نعم ، الاتصاف بأحـدهما أمر حادث ، فيستصحب عدم الاتصـاف من باب السالبة بانتفاء الموضوع وبنحو العدم الأزلي ، لكن لا حاجة إليه في المقام كما عرفت .

   وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في الحكم بالبطلان لدى التردّد بين الظنّ وبين الشكّ المبطل ، فهو ملحق بالشكّ كما ذكره في المتن .

   وأمّا في الشكوك الصحيحة فالمستفاد من بعض النصوص أنّ إطلاق دليل البناء على الأكثر مقيّد بالعنـوان الوجـودي وهو اعتدال الوهم ، كصـحيحة [ الحسين بن ] أبي العلاء الخفاف : «إن استوى وهمه في الثلاث والأربع سلّم وصلّى ركعتين ... » إلخ (2) المؤيّدة بمرسلة جميل : «إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار» (3) .

   ومقتضى ذلك أ نّه مع الشك في الاعتدال وأنّ الحالة الحاصلة شكّ أو ظنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 225 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 218 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 6 .

(3) الوسائل 8 : 216 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 2 .

ــ[231]ــ

يسـتصحب عدمه ، فلا يرتّب الأثر من البنـاء على الأكثر ، بل لا حاجـة إلى الاستصحاب ، فانّ مجرّد الشكّ في الاعتدال وعدمه ملازم لعدم الاعتدال ، فهو محرز بالوجدان من غير حاجة إلى إثباته بالأصل .

   والمستفاد من البعض الآخر تقييده بالعنوان العدمي وهو عدم وقوع الوهم على شيء كصحيحة الحلبي : «إن كنت لاتدري ثلاثاً صلّيت أم أربعاً ولم يذهب وهمك إلى شيء» (1) وصحيحته الاُخرى : «إذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعاً ولم يذهب وهمك إلى شيء ... » إلخ (2) .

   ومقتضى ذلك ترتيب الأثر لدى الشكّ ، استناداً إلى استصحاب عدم وقوع الوهم على شيء ، فانّ الموضوع للبناء على الأكثر مؤلّف حينئذ من جزأين : كونه لا يدري وعدم وقوع الوهم على شيء ، وبعد ضمّ الأوّل المحرز بالوجدان إلى الثاني الثابت ببركة الأصل يلتئم الموضوع فيرتّب الأثر ، فتكون النتيجة حينئذ على خلاف الأوّل ، لمطابقة القيد العدمي مع الأصل دون الوجودي .

   وهناك طائفة ثالثة جمع فيها بين الأمرين ، فيظهر من صدرها أنّ القيد أمر عدمي ومن ذيلها أ نّه عنوان وجودي ، كصحيحة أبي العباس البقباق : «إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث ـ إلى أن قال: ـ وإن اعتدل وهمك فانصرف وصلّ ركعتين وأنت جالس»(3).

   فانّ المستفاد من صدرها أنّ القيد أمر عدمي ، وهو عدم وقوع الرأي على الثلاث أو على الأربع، فانّه قد تضمّن العمل بما وقع عليه الرأي ، الذي هو بمثابة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 217 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 5 .

(2) الوسائل 8 : 219 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1 .

(3) الوسائل 8 : 211 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 7 ح 1 .

ــ[232]ــ

الاستثناء عن إطلاق دليل البناء على الأكثر . ومن المقرّر في محلّه (1) أنّ استثناء العنوان الوجودي عن العام يستدعي أن يكون الباقي تحته عدم ذاك العنوان فتكون النتيجة بعد ضمّ أحد الدليلين ـ المستثنى والمستثنى منه ـ إلى الآخر أنّ البناء على الأكثر مقيّد بعدم وقوع الرأي على شيء كما ذكرنا . والمستفاد من ذيلها أنّ القيد عنوان وجودي ، وهو اعتدال الوهم .

   ونحوها في الجمع بين الأمرين صحيحة محمّد بن مسلم (2) ، فانّ صدرها دال على أنّ القيد عنوان وجودي وهو اعتدال الشكّ ، وذيلها على أ نّه أمر عدمي وهو عدم كون أكثر وهمه الأربع أو الثنتين ، نعم الرواية غير مسندة إلى المعصوم (عليه السلام) وإنّما هي فتوى محمّد بن مسلم نفسه ، التي لا حجّية لها كما ذكرناه سابقاً (3) فهي لا تصلح إلاّ للتأييد .

   وكيف ما كان ، فالروايات مختلفة وعلى طوائف ثلاث كما عرفت . والمستفاد من مجموعها أنّ الإطلاق في أدلّة البناء على الأكثر لم يكن باقياً على حاله ، بل هو مقيّد إمّا بعنوان وجودي أو عدمي ـ أعني اعتدال الوهم ، أو عدم وقوع الوهم على شيء ـ وهما وإن كانا متلازمين خارجاً ومتّحدين بحسب النتيجة لكنّ الثمرة تظهر في إجراء الأصل لدى الشكّ في الاعتدال وأنّ الحالة الحاصلة شكّ أو ظنّ كما عرفت ، هذا .

   وحيث إنّ من الظاهر عدم إمكان الجمـع بين القـيدين المزبورين ، لإغناء أحدهما عن الآخر ، ضرورة أنّ الاعتدال ووقوع الوهم على شيء من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما ، ولا معنى للجمع بين التقييد بأحد الضدّين وعدم الضدّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 226  وما بعدها .

(2) الوسائل 8 : 217 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 4 .

(3) في ص 220 .

ــ[233]ــ

الآخر ، كالحركة وعدم السكون ، لكون الثاني منهما لغواً محضاً ، فلا مناص من إرجاع أحد القيدين إلى الآخر ، وأنّ مورد الاعتبار أحدهما بخصوصه ، والآخر طريق إليه ومعرّف له ، فلا بدّ من تعيين ذلك القيد وأ نّه العنوان الوجودي أو العدمي .

   ويمكن أن يقال بالثاني ، وأنّ المستفاد من النصوص أنّ العبرة بعدم حصول الظنّ لا باعتدال الوهم ، نظراً إلى أنّ حكم الشارع بالعمل على ما وقع عليه الوهم الراجع إلى اعتبار الظنّ في باب الركعات لا يحتمل أن يكون من باب التعبّد البحت ولخصـوصية في الظنّ بما هو ، بحيث يكتفى في مرحلة الامتثال بالإتيان بثلاث ركعات مقرونة بصفة الظنّ ، فانّ مرجعه إلى تجويز الاجتزاء بالامتثال الاحتمالي ، الذي هو بعيد غايته كما لا يخفى .

   بل إنّما هو من أجل مراعاة الطريقية وكون الظنّ كاشفاً عن الواقع وحجّة عليه ، فكأنّ الظان محرز للركعة ، نظير من قامت عنده البيّنة . فالاعتبار بقيام الحجّة وعدمه ، ولازم ذلك أن يكون الحكم بالبناء على الأكثر لدى اعتدال الوهم من أجل انتفاء الحجّة وفقد الطريق على أحد طرفي الترديد ، لا لخصوصية للاعتدال في حدّ نفسه .

   وبعبارة اُخرى :  الجاهل بعدد الركعات إمّا أن تقوم عنده حجّة عليها أو لا فالأوّل يعمل على طبق الحجّة ، والثاني إنّما يبني على الأكثر لكونه فاقداً للحجّة وغير محرز للواقع ، فأيّ أثر لاعتدال الوهم بعدئذ ؟ وعليه فمع الشكّ في قيام الحجّة وحصول الظنّ يبني على أصالة العدم .

   هذا كلّه بناءً على تسليم ارتكاب التقييد في إطلاق دليل البناء على الأكثر وتردّده بين الوجودي والعدمي ، ولكنّ الظاهر انتفاء التقييد رأساً ، وأنّ ما دلّ على حجّية الظنّ في باب الركعات حاكم على ذاك الدليل لا أ نّه مقيّد له ، وإن

ــ[234]ــ

وكذا لو حصل له حالة في أثناء الصلاة وبعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أ نّه كان شكّاً أو ظنّاً بنى على أ نّه كان شكّاً إن كان فعلاً شاكّاً ، وبنى على أ نّه كان ظناً إن كان فعلاً ظاناً ، مثلاً لو علم أ نّه تردّد بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ولم يدر أ نّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه أو بنى عليه من باب الشكّ يبني على الحالة الفعلية . وإن علم بعد الفراغ من الصلاة أ نّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين والثلاث وأ نّه بنى على الثلاث وشكّ في أ نّه حصل له الظنّ به أو كان من باب البناء في الشكّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت الحكومة تقييداً بحسب النتيجة وفي مقام اللّب ، لكنّه لا تقييد في ظاهر الكلام كي يمنع عن التمسّك بالإطلاق لدى الشكّ في تحقّق القيد . فليفرض أنّ الروايات مجملات أو متعارضات ولم يتّضح منها أنّ القيد وجودي أو عدمي وكأ نّها لم تكن .

   والوجه في الحكومة المزبورة : أنّ ما دلّ على حجّية الظنّ رافع لموضوع دليل البناء على الأكثر وهو الجهل بعدد الركعات وكونه لا يدري ، فانّه بعد اعتبار الظنّ يكون عالماً ولو تعبّداً ، فلا يبقى بعدئذ موضوع لذاك الدليل ، لا أ نّه يتقيّد بعدم الظنّ أو باعتدال الوهم .

   فاطلاق دليل المحكـوم باق على حاله ، غايته أ نّه يحتمل الاندراج تحت الدليل الحاكم بحصول الظنّ له ، وبعد نفيه بالأصل لم يكن أيّ مانع من التمسّك بالإطلاق السليم عن التقييد ، فانّه لا يدري فعلاً وجداناً ولم يحصل له الظنّ بمقتضى الأصل ، فيحكم عليه بلزوم البناء على الأكثر .

   فتحصّل :  أنّ ما ذكره في المتن من إجراء حكم الشكّ على الحالة المتردّدة بينه وبين الظنّ هو الصحيح .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net