الثاني : وحدة المرضعة 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الرضاع   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3945


الشرط الثاني : وحدة المرضعة في المقدار المعتبر

ومن الاُمور المعتبرة في اللبن أن يكون المقدار المعتبر من الرضاع من امرأة واحدة ، فلو تلفّق من مرضعتين لم ينشر الحرمة ، ولم يصر الفحل أباً له .

والظاهر عدم الخلاف في ذلك بين من اعتبر التعدّد في الرضاع ، وعن التذكرة أنّ عليه علماءنا أجمع(2).

وأمّا مثل ابن الجنيد القائل بتحقّق النشر برضعة واحدة(3) فلا يتصوّر على قوله اعتبار هذا الأمر ، نعم يمكن تصويره بالنسبة إلى الرضعتين الناقصتين المعدودتين برضعة كاملة ، وبالنسبة إلى اللبن الموجور في حلق الصبي .

واستدلّ لذلك بموثّقة زياد بن سوقة ، قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به ؟ فقال : لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة ، أو خمس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الرضاع (ضمن مجموعة من كتب الآخوند (قدّس سرّه)) : 14 [لاحظ ما ذكرناه في صفحة 38] .
(2) التذكرة 2 : 620 السطر 41 .
(3) حكاه عنه العلاّمة في المختلف 7 : 30 / مسألة 1 .

 
 

ــ[81]ــ

عشرة رضعة متواليات ، من امرأة واحدة ، من لبن فحل واحد ، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها ، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد ، وأرضعتها امرأة اُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما »(1).

ولكن دلالتها على اعتبار هذا الشرط بنحو الموجبة الكلّية محلّ إشكال ، إذ قوله (عليه السلام) : « من امرأة واحدة ... » يتردّد بين الرجوع إلى جميع ما قبله وبين الرجوع إلى خصوص الخمس عشرة رضعة ، كما في الاستثناء المسبوق بجمل متعدّدة ، فالقدر المتيقّن رجوعه إلى الخمس عشرة رضعة .

واستدلّ لذلك أيضاً بخبر عبيد بن زرارة ، عن زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن الرضاع ، فقال : لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين »(2).

وفي بعض المؤلّفات(3) تذييله بقوله : « وإن حصل منه ما ينبت اللحم » . فاستشكل في مخالفة الذيل لما تسالم عليه الفقهاء من عدم التعدّي عن أحد الحدود الثلاثة .

ولكن الذيل المزبور لا وجود له في كتب الفقهاء ، ولا في كتب الحديث ، ولعلّه جزء من خبر آخر ضمّ إلى هذا الخبر اشتباهاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 .
(2) الوسائل 20 : 386 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب5 ح8 .
(3) وهي رسالة في الرضاع لمؤلّفها العلاّمة الشيخ محمّد تقي التبريزي الجعفري (دامت بركاته) تقريراً لبحث اُستاذه آية الله العظمى المرحوم السيّد الميرزا عبدالهادي الشيرازي (قدّس سرّه) طبع النجف الأشرف سنة 1373هـ . ق / ص23 .

ــ[82]ــ

نعم يقع الإشكال في مخالفة الخبر المزبور لما تسالم عليه الفقهاء ، وتطابقت عليه النصوص ، من أنّ مناط التحريم أحد الحدود الثلاثة ، حيث إنّ ظاهره اعتبار استمرار الرضاع حولين كاملين . ونعم ما وجّهه به الشيخ الأنصاري(1) (قدّس سرّه)(2) من أنّ المراد بالحولين الظرفية للرضاع ، أي في أثناء حولين كاملين .

ولكن الخبر المزبور أجنبي عن إفادة الشرط المزبور ، لأنّ مورده الرضيعان ، كما يدلّ عليه ضمير التثنية في قوله (عليه السلام) : «ارتضعا» ، بل هو في مقام اعتبار وحدة الفحل بين الرضيعين ، بأن يكون الثدي كناية عن اللبن ، من دون فرق بين أن يكون قوله : «ثدي واحد» بنحو الإضافة أو بنحو التوصيف . أو في مقام اعتبار وحدة المرضعة بينهما ، بأن يكون الثدي كناية عن المرضعة ، وذلك للقطع بعدم كون المراد من الثدي معناه الحقيقي ، إذ لا يعتبر قطعاً أن يكون الرضاع من أحد الثديين بالخصوص .

وعلى المعنى الثاني يكون مخالفاً لما نطقت به النصوص من عدم اعتبار وحدة المرضعة في نشر الحرمة بين المرتضعين ، وأنّ المناط وحدة الفحل(3).

وكيف كان ، فالخبر المزبور أجنبي عن مورد الكلام ، فإنّ اعتبار الشرط المزبور ـ كما تقدّم ـ إنّما هو في رضاع الرضيع الواحد ، وأنّه يلزم أن يكون كلّه من امرأة واحدة ، ومورد الخبر اتّحاد الفحل أو المرضعة في الرضيعين .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم 20) : 313 .
(2) وقبله الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في التهذيب 7 : 317 / ذيل ح1310 ، والاستبصار 3 : 197 / ذيل ح713 .
(3) وهي المرويّة في الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ، 8 الدالّة على عدم اعتبار وحدة المرضعة بمفهوم الحصر في وحدة الفحل .

ــ[83]ــ

واستدلّ أيضاً بصحيحة الحلبي ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام ، أيحلّ له أن يتزوّج اُختها لاُمّها من الرضاعة ؟ فقال : إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ ، فإن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك »(1).

وموثّقة عمّار الساباطي ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن غلام رضع من امرأة ، أيحلّ له أن يتزوّج اُختها لأبيها من الرضاع؟ فقال : لا ، فقد رضعتا جميعاً من لبن فحل واحد من امرأة واحدة . قال : فيتزوّج اُختها لاُمّها من الرضاعة ؟ فقال : لا بأس بذلك ، إنّ اُختها التي لم ترضعه كان فحلها غير الفحل التي أرضعت الغلام ، فاختلف الفحلان ، فلا بأس »(2).

فإنّ ظاهرهما اعتبار اتّحاد المرضعة .

ولكن يرد على الاستدلال بهما ما تقدّم في خبر عبيد من عدم الارتباط بمورد الكلام ، فإنّ موردهما تعدّد الرضيع ، ومقتضاهما اعتبار وحدة المرضعة ـ كالفحل ـ في نشر الحرمة بين الرضيعين .

والصحيح في الاستدلال على اعتبار هذا الشرط هو الاستدلال بالأخبار المتقدّمة الواردة في تفسير الرضاع المحرّم وشرحه ، فإنّ الظاهر من لفظ « امرأتك » في صحيحة ابن سنان وحسنته(3) هو شخص الامرأة لا نوعها ، وكذا « كلّ امرأة » في صحيحة بريد(4) فإنّ ظاهره إرادة كلّ شخص من أشخاص هذا الجنس .

وحيث إنّ هذه الروايات ـ كما تقدّم ـ في مقام البيان ، فالظاهر دخل كلّ ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح3 .
(2) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح2 .
(3) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح4 ، وقد تقدّمت في ص72 .
(4) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح1 ، وقد تقدّمت في ص76 .

ــ[84]ــ

يذكر فيها من القيود في نشر الحرمة ، وعليه يكون ظاهرها اعتبار قيام امرأة الفحل بشخصها بالرضاع في نشر الحرمة ، وبعد تقييد إطلاقها بالأخبار المحدّدة للرضاع المحرّم بأحد الحدود الثلاثة يكون مفادها اعتبار قيام امرأة الفحل بشخصها بالرضاع بالحدّ الخاص في نشر الحرمة ، وهذا هو معنى اعتبار وحدة المرضعة في المقام .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net