ب ـ توالي الرضعات 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الرضاع   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4232


2 ـ توالي الرضعات

الشرط الثاني من شرطي الرضاع المحرّم بالعدد : توالي الرضاع«1». ولا إشكال في اعتباره، سواء أقلنا إنّ الحدّ العددي المحرّم خمس عشرة رضعة، أم قلنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«1» لا يخفى أنّ اعتبار توالي الرضعات إنّما يصحّ على القول باعتبار العدد في الرضعات ، وأمّا على القول بكفاية مطلق الرضاع ولو قطرة من اللبن ـ كما عليه المالكية والحنفية ، على ما عرفت في نقل الأقوال ص98 ، ـ فلا مجال لاعتبار هذا الشرط كما هو واضح .

وأمّا على القول باعتبار العدد فيعتبر التوالي على النحو المقرّر في المتن ، ولكن حكى الشيخ (قدّس سرّه) في الخلاف 5 : 100 مسألة 7 عن الشافعي أنّه قال : المرجع في الرضعة إلى العادة ، فما يسمّى في العرف رضعة اعتبر ، وما لم يسمّ لم يعتبر ، ولم يعتبر المصّات ـ كما قلناه ـ ولم يعتبر أن لا يدخل بينهما رضاع أجنبيّة ، بل لا فرق أن يدخل بينهما ذلك أو لا يدخل . وكلامه هذا دالّ على عدم اعتبار التوالي .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب4 ح2 [لاحظ ما تقدّم في ص99] .
(2) في ص99 .
(3) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب4 ح1 .
(4) [لكنّها حسنة كما تقدّم في ص99] .

ــ[125]ــ

إنّه عشر رضعات ، إذ على الأوّل قد صرّح به في الموثّقة الناطقة بهذا العدد حيث قال (عليه السلام) : « أو خمس عشرة رضعة متواليات...»(1) وعلى الثاني يدلّ عليه مفهوم الروايات النافية لتأثير العشر المتفرّقة(2) فإنّ مفهومها ثبوت الحرمة إذا كانت العشر غير متفرّقة .

وظاهر التوالي وعدم التفرّق هو الاتّصال ، وعدم الفصل بغذاء آخر .

إلاّ أنّ ظاهر الموثّقة هو أنّ التوالي يتحقّق بعدم إرضاع امرأة اُخرى ولو رضعة واحدة ، حيث قال (عليه السلام) بعد قوله : «متواليات»: «من امرأة واحدة من لبن فحل واحد ، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها »(3) فإنّ ظاهر قوله : « من امرأة واحدة » أنّه تفسير لقوله: «متواليات» فارضاع امرأة اُخرى بين الرضعات
يمنع من نشر الحرمة ، لفقد الشرط وهو التوالي . هذا مضافاً إلى اعتبار وحدة المرضعة في نشر التحريم .
ولا يخفى أنّ الرضعة المتخلّلة المضرّة بصدق التوالي هي الرضعة الكاملة ، كما استظهرناه من لفظها في الشرط الأوّل ، فلا يضرّ الارتضاع بقليل من اللبن من امرأة اُخرى في الأثناء في نشر الحرمة ، كما لا يضرّ شرب الماء أو الدواء .
ومقتضى إطلاق المؤثّقة ـ بناءً على ما استظهرناه منها من تفسير التوالي ـ هو عدم مانعية التغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء من صدق التوالي أيضاً .
هذا كلّه على تقدير ترجيح الموثّقة على روايات العشر ، واختيار أنّ العدد المحرّم هو خمس عشرة رضعة متوالية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 .
(2) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرّم بالرضاع ب2 ح5 ، 9 ، 19 .
(3) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 .

ــ[126]ــ

إلاّ أنّا قد رجّحنا روايات العشر على الموثّقة كما عرفت(1)، وحينئذ فيكون المعتبر في العشر رضعات بمقتضى مفهوم تلك الروايات هو عدم التفرّق ، لأنّه (عليه السلام) قال فيها : إذا كان العشر متفرّقات فلا بأس(2)، ومفهوم الشرط هو أنّه إذا كانت العشر غير متفرّقات نشرت الحرمة ، وحينئذ فلابدّ من الرجوع إلى العرف في تشخيص مفهوم (عدم التفرّق) لعدم تفسيره في الروايات ، والعرف يرى أنّ التغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء ـ كإرضاع امرأة اُخرى ـ مانع من صدق عدم التفرّق ، فيتحقّق التفرّق في نظره بأحد أمرين : إرضاع امرأة اُخرى ، والتغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء . فنشر الحرمة يتوقّف على عدم كلا الأمرين .

وبما ذكرنا يتّضح : أنّ المعتبر في نشر الحرمة على القول بأنّ الحدّ المحرّم خمس عشرة رضعة هو عدم إرضاع امرأة اُخرى فقط ، وعلى القول بأنّه عشر رضعات هو عدم إرضاع امرأة اُخرى ، وعدم التغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء معاً .

وعلى تقدير التنزّل عمّا استظهرناه من تفسير التوالي بعدم إرضاع امرأة اُخرى في الموثّقة(3) واستظهار المعنى العرفي لعدم التفرّق في روايات العشر وحصول الشكّ في بعض الموارد في تحقّق التوالي أو عدم التفرّق شرعاً أو عرفاً فالمرجع إطلاقات التحريم(4) لأنّ الشكّ حينئذ في مفهوم المخصّص من ناحية السعة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص115 .
(2) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح5 ، 9 ، [تقدّمت في ص105 ، 106] .
(3) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 ، وقد تقدّمت في ص108 .
(4) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح1 ، 4 ، [تقدّمت في ص76 ، 72] .

ــ[127]ــ

والضيق ، فيؤخذ بالقدر المتيقّن من المخصّص ، ويرجع في الباقي إلى عموم العام والخارج من عمومات نشر التحريم بالرضاع(1) هو غير المتوالي ، أو ما كان متفرّقاً فما علم أنّه متوال أو غير متفرّق بحكم الشرع أو بنظر العرف حكم فيه بنشر الحرمة وما علم أنّه من غيره حكم فيه بعدم النشر ، وما شكّ فيه أنّه من أي القسمين فهو من الشبهة الحكميّة المفهوميّة ، فيحكم فيه بالنشر ، لأنّه شكّ في التخصيص الزائد
نظير الشكّ في سعة مفهوم الفاسق وضيقه بالنسبة إلى عموم (أكرم النحوي) و (لا تكرم النحوي الفاسق) حيث يرجع في النحوي المشكوك الفسق بالشبهة المفهومية إلى عموم (أكرم النحوي) .

نعم إذا كانت الشبهة مصداقية ، كالشكّ في أنّ عدد الرضعات مفصول برضعة امرأة اُخرى ، فالمرجع هو الاُصول العملية ، كما في الشكّ في أنّ المتحقّق في الخارج عشر رضعات أو تسع رضعات .

ثمّ إنّ الموثّقة(2) كما تدلّ على نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة متواليات كذلك تدلّ على عدم النشر بأقلّ من هذا العدد ولو مع التوالي، لأنّها في مقام التحديد ، فإنّ الإمام (عليه السلام) هو الذي حدّد الرضاع المحرّم بذلك أو برضاع يوم وليلة ، فلو أنّ طفلا ارتضع أربع عشرة رضعة متوالية لما نشرت الحرمة ، فهذه الموثّقة كما تتضمّن القضية الإيجابية كذلك تتضمّن القضية السلبية بالمفهوم . مضافاً إلى التصريح في ذيلها بأنّ العشر لا تنشر الحرمة .

وأمّا روايات العشر(3) فليست كذلك ، لأنّ التحديد لم يقع في كلام الإمام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح1 ، 4 [تقدّمت في ص76 ، 72] .
(2) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 .
(3) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح5 ، 9 .

ــ[128]ــ

(عليه السلام) ابتداءً ، وإنّما سأل عن حكم عشر رضعات ، فقال (عليه السلام) : « إذا كنّ متفرّقات فلا بأس »(1) بعد أن سأل عن حكم الرضعتين والثلاث إلى أن بلغ العشر . فالروايات المذكورة لا تتضمّن حكم إرضاع إحدى عشرة رضعة مع التفرّق أو لا معه إلى أكثر من ذلك ، نعم تدلّ على عدم النشر بأقلّ من العشر .

وحينئذ فيشكل الأمر في إرضاع إحدى عشرة رضعة أو اثنتي عشرة رضعة مثلا وإن كانت متفرّقة ، لأنّ مقتضى إطلاق الكتاب(2) والسنّة(3) نشر الحرمة بها ولا يمكن الخروج عنها إلاّ بأحد أمرين : إمّا القطع بعدم نشر الحرمة بها إذا كانت متفرّقة ، وهذا لا يتمّ في جميع الصور ، لأنّ جملة من علمائنا ذهبوا إلى نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة ولو مع التفرّق بالغذاء ، حيث اعتبروا عدم الفصل بارضاع امرأة اُخرى فقط . وإمّا بمفهوم موثّقة زياد بن سوقة(4) لأنّ مفهومها عدم نشر الحرمة بأقلّ من خمس عشرة رضعة ، وتعارضها روايات العشر(5) في خصوص الإرضاع بالعشر مع عدم التفرّق ، ولابدّ من تقييد ذلك المفهوم بمفهوم هذه الروايات ، لأنّ النسبة بينهما نسبة الإطلاق والتقييد ، وبذلك ترتفع المعارضة من البين .

بيان ذلك : أنّ منطوق موثّقة زياد بن سوقة نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة مع التوالي بالمعنى الذي فسّر به في نفس الرواية ، وهو عدم الفصل بارضاع امرأة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 377 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح9 ، وبمضمونه ح5 .
(2) النساء 4 : 23 .
(3) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح1 ، 4 [تقدّمت في ص76 ، 72] .
(4) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح1 .
(5) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب2 ح5 ، 9 .

ــ[129]ــ

اُخرى ، ولا يضرّ التغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء كما ذكرنا . ومفهوم روايات العشر نشر الحرمة بالعشر مع عدم التفرّق ، وقد عرفت أنّ عدم التفرّق مفهوم عرفي ، لا يتحقّق ظاهراً ، إلاّ بعدم كلا الأمرين ، ولا منافاة بين الحدّين أصلا لأنّه لا مانع من أن تكون خمس عشرة رضعة مع التوالي بالمعنى المفسّر به في الموثّقة حدّاً محرّماً ، وأن تكون عشر رضعات مع عدم التفرّق بالمفهوم العرفي حدّاً آخر لنشر الحرمة.

هذا من جهة ملاحظة موضوع الحرمة وما يوجب نشرها في الموثّقة وروايات العشر . وأمّا بالنظر إلى القضية السلبية وما لا يوجب نشر الحرمة فالموثّقة تنفي نشر الحرمة بالأقل من خمس عشرة رضعة ولو مع التوالي أو عدم التفرّق ، لأنّها في مقام التحديد ، فتنفي نشر الحرمة عن جميع الأعداد التي تكون أقلّ من خمس عشرة رضعة ولو مع عدم التفرّق ، وروايات العشر ليس فيها جهة سلب بالنسبة إلى الزائد عن العشر رضعات إذا كان مع التفرّق ، فتتحقّق المعارضة بين الجهة السلبية لموثّقة زياد بن سوقة والجهة الإيجابية لروايات العشر ، فإنّ الموثّقة تدلّ على عدم نشر الحرمة بالأقل من خمس عشرة رضعة مطلقاً ، وروايات العشر تدلّ على نشر الحرمة بها مع عدم التفرّق ، وحيث إنّ النسبة بينهما نسبة الإطلاق والتقييد يقيّد مفهوم الموثّقة بروايات العشر ، لأنّها أخصّ ، وبذلك ترتفع المعارضة .

نشر الحرمة بأحد اُمور أربعة

وبما ذكرنا يصحّ لنا أن نقول : إنّ الحدود الموجبة لنشر الحرمة بالرضاع أربعة ـ خلافاً لما عليه المشهور من أنّها ثلاثة ـ : التحديد بخمس عشرة رضعة مع التوالي وهو عدم الفصل بارضاع امرأة اُخرى . والتحديد بعشر رضعات فصاعداً إلى خمس عشرة رضعة مع عدم التفرّق ، وهو عدم الفصل بارضاع امرأة اُخرى وعدم الفصل بالغذاء غير اللبن . والتحديد باليوم والليلة . والتحديد بالأثر ، وهو نبات

ــ[130]ــ

اللحم واشتداد العظم .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net