الخامس : جريان الأصل في جزء الموضوع مع إحراز الباقي وجداناً 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2791


الخامس : لا ريب في صحّة إجراء الأصل في تمام الموضوع ، وترتّب الحكم عليه ، وهل يجري في بعض أجزاء الموضوع مع إحراز الباقي بالوجدان ، أم لا ؟ فيه خلاف ، ذهب بعض المحقّقين من المعاصرين(1) إلى عدم الجواز ، نظراً إلى أنّ أخذ شيء قيداً في الموضوع أو المتعلّق للحكم ليس إلاّ عبارة عن أخذ التقيّد به فيهما ، ومن المعلوم أنّ استصحاب القيد مع إحراز ذات الموضوع بالوجدان لا يحرز به التقيّد ، لا بالوجدان ولا بالتعبّد ، لأنّه من الاُصول المثبتة . ودعوى خفاء الواسطة بطلانها غير خفي على الناقد البصير ، وعليه رتّب عدم الجواز في الأجزاء أيضاً ، لما هو الظاهر من أنّ كل جزء فيه شائبة الشرطية فإنّ الأثر إنّما يترتّب عليه مقيّداً بالجزء الآخر ، وقد عرفت أنّه لا يحرز التقيّد بجريان الأصل في ذات القيد .

أقول : الاُمور المتباينة إذا اُخذت في متعلّق الحكم أو موضوعاً له فلا معنى لتركّبها ووحدتها إلاّ اعتبار كل منها في زمان وجود الآخر ، من دون اعتبار وصف زائد على نفس الأجزاء ، فالأجزاء بالأسر هي التي تترتّب عليها المصلحة أو تكون مأخوذة في الموضوع ، والأمر المتعلّق بالمركّب بنفسه يكون متعلّقاً بالأجزاء ، ويكون كل جزء مأموراً به بنفس الأمر بالمركّب ، إذ هو هو بعينه .

فكما أنّه إذا كان شيء موضوعاً لحكم في يوم معيّن فتحقّق ذلك اليوم ، لكن كان بقاء الموضوع إلى زمانه مشكوكاً فيه ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه وترتّب الأثر عليه ، فكذلك فيما ترتّب الأثر على الوجود في زمان وجود شيء آخر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس والمشكوك : 11 .

ــ[11]ــ

من الزمانيات ، فإذا اُحرز أحد الجزأين بالوجدان ، وصار هذا الزمان زمان وجوده ، فجريان الاستصحاب في الجزء الآخر يكون محقّقاً للموضوع لا محالة .

وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى معرفة حال المقتضيات التكوينية ، فإنّه إذا كان المقتضي الواحد مركّباً من جزأين فهل هناك يكون الاقتضاء إلاّ لنفس الجزأين المجتمعين في الزمان الواحد ، أو أنّ لوصف الاجتماع أيضاً دخلا في الاقتضاء ، بحيث يكون له الدخالة في رشح الأثر ، أو تقول إنّ وصف الاجتماع له دخل في فعلية الاقتضاء فيكون شرطاً للاقتضاء . وهذا مع أنّه فاسد في نفسه لازمه أن يكون المقتضي للاقتضاء ذات الجزأين ، وهو المطلوب من كون المقتضي هو ذات المركّب من دون أن يكون لوصف الاجتماع دخل فيه .

ومن هنا تعرف الحال فيما كان الموضوع أو المتعلّق مركّباً من وجوديين في زمانين ، بأن اعتبر الموجودان في زمانين إمّا مطلقاً أو مع تقيّد أحدهما أو كليهما بزمان خاصّ شيئاً واحداً ، وجعل متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له ، فإنّه لا مانع في جميع ذلك من إحراز أحدهما بالأصل وضمّه إلى الوجدان ، نعم فيما إذا أخذ مطلق الوجودين بلا تقييد بزمان موضوعاً أو متعلّقاً له لا يجري فيه ذلك ، والوجه فيه ظاهر .

وأمّا توهّم معارضة جريان الأصل وضمّه إلى الوجدان باستصحاب عدم تحقّق المركّب فسيجيء الكلام فيه في الوجه الخامس من تقريب الاُصول الموضوعية(1).

وممّا ذكرنا يظهر الحال في الشرائط أيضاً ، فإنّه لا معنى للشرطية إلاّ أخذ شيء مقيّداً بزمان وجود شيء موضوعاً أو متعلّقاً للحكم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص50 .

ــ[12]ــ

والفرق بين الأجزاء والشروط أنّ الأثر مترتّب على الأجزاء ولكل منها دخل فيه ، وهذا بخلاف الشرائط ، فإنّ الأثر لا يترتّب عليها ، وإنّما يترتّب على ذات المشروط في زمان وجودها ، وحينئذ فيجري فيه جميع ما ذكرنا في الجزء بعينه .

هذا كلّه إذا لم يعلم من نفس الدليل أو من الخارج دخل عنوان آخر في الموضوع أو المتعلّق ، وإلاّ فلابدّ من إحرازه ، ولا أثر لإحراز ذات الجزأين أو ذات المشروط في زمان الشرط بضمّ الوجدان إلى الأصل .

ومن هنا وقع الكلام فيما إذا ركع المؤتم وشكّ في إدراكه ركوع الإمام ، في أنّ استصحاب بقاء الإمام راكعاً هل يكفي في الحكم بصحّة الاقتداء ، من جهة أنّ الموضوع هو ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام وهو محرز بضمّ الوجدان إلى الأصل ، أو أنّ الموضوع هو إدراك المأموم لركوع الإمام المنتزع عن اجتماع الركوعين في زمان واحد ، واستصحاب بقاء الإمام راكعاً لا يثبت هذا العنوان .

وقد مال إلى كلّ من الوجهين شيخ مشايخنا العلاّمة الأنصاري (قدّس سرّه) في موضعين من كلامه(1) والمسألة محرّرة في محلّها(2).

وملخّص الكلام : أنّ نفس التركّب لا يمنع من ضمّ الوجدان إلى الأصل ما لم يكن هناك قرينة على دخل عنوان آخر ، ومن ذلك ما إذا اُخذ عدم وصف قيداً في الموضوع أو المتعلّق بنحو النعتية ـ أعني به الاتّصاف بالعدم ـ كما إذا ترتّب الأثر على الماء المتّصف بعدم الكرّية ، فإنّه لا يكفي حينئذ استصحاب عدم نفس الوصف وضمّه إلى الوجدان في ترتّب الحكم ، لعدم إثبات الاتّصاف بذلك ، بل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الصلاة 2 (تراث الشيخ الأعظم) : 334 ، 427 .
(2) راجع شرح العروة الوثقى 17 : 112 وما بعدها .

ــ[13]ــ

لابدّ في ترتيب الأثر من إحراز الاتّصاف وجداناً ، أو بالأصل فيما كان له حالة سابقة ، كما إذا كان الماء مسبوقاً بالقلّة . وسيجيء لذلك تتمّة فيما يأتي إن شاء الله تعالى(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص55 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net