الرابعة : كيفية أخذ عدم العرض إذا كان الموضوع مركّباً منه وغيره 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3120

 

الرابعة : إذا كان عدم الوصف مأخوذاً فيما يترتّب عليه الحكم بنحو النعتية فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه وإحراز الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل إلاّ فيما كان العدم بوصف النعتية مسبوقاً باليقين ، فإذا فرضنا أنّ موضوع الحكم هي المرأة غير القرشية ، وشكّ في امرأة أنّها قرشية أو غيرها ، فلا يجدي استصحاب عدم تحقّق وصف القرشية أو أصالة عدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش في إثبات كونها غير قرشية .

وهذا بخلاف ما إذا اُخذ عدم الوصف في الموضوع بنحو العدم المحمولي ، فإنّه يصحّ حينئذ استصحاب عدمه وضمّه إلى الوجدان في ترتيب الأثر على المركّب منهما .

ولبعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1) تفصيل في المقام ، وحاصله : أنّ المركّب من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة في اللباس المشكوك (للمحقّق العراقي (رحمه الله) وهو مطبوع مع روائع الأمالي) : 158 ، 164 .

ــ[57]ــ

العرض ومحلّه ربما يؤخذ بنحو التركيب في الجمل التقيدية غير التامّة ، فيكون الموضوع حينئذ أمراً قابلا للوجود والعدم ، نظير الإنسان الكاتب ، غير الملحوظ وجوده وعدمه . واُخرى يؤخذ بنحو التركيب في الجمل التامّة التصديقية ، فيفرض العرض في الموضوع المفروض وجوده .

أمّا على الأول : فلا مناص عن جريان الاستصحاب في العدم وترتيب آثاره ، سواء كان العرض مأخوذاً على وجه النعتية أو المحمولية ، ضرورة مسبوقية الموضوع الخاصّ أو الذات ووصفها المقارن بالعدم ، فيجري فيه الاستصحاب .

وأمّا على الثاني : فلا مجال لاستصحاب عدم العرض مطلقاً ، ناعتياً كان أو محمولياً ، فإنّ العرض إذا فرض دخله في الموضوع في مرتبة وجود معروضه فلا محالة يكون نقيض وجوده عدمه البديل له ، وهو العدم في مرتبة وجود المعروض لا العدم المطلق ولو بعدم الموضوع . فالعدم المتيقّن السابق على وجود الموضوع أجنبي عمّا هو نقيض له ، والعدم في مرتبة وجود الموضوع مشكوك فيه من أوّل الأمر .

وأيضاً إنّ الوجود والعدم إنّما يعرضان للماهيات المعرّاة عنهما ، فإنّه كما يستحيل عروض الوجود والعدم لشيء منهما كذلك يستحيل عروضهما للماهية المقيّدة بأحدهما أيضاً . فكما لا يمكن أن يتّصف الوجود بالعدم لا يمكن اتّصاف الماهية المقيّدة به بالعدم أيضاً ، فإذا فرض أنّ العرض اُخذ في الموضوع ناعتياً أو محمولياً بشرط تقيّده بوجود موضوعه فكيف يعقل اتّصافه بالمعدومية إلاّ بعد وجود موضوعه ، ففي مثله لا مجال لاستصحاب العدم قبل وجود الموضوع ، فإنّه ليس عدماً لهذا العرض ونقيض وجوده .

فتحصّل أنّ أخذ العرض ناعتياً أو محمولياً لا يترتّب عليه أثر في محلّ

ــ[58]ــ

الكلام ، وإنّما الأثر مترتّب على كون التركّب من قبيل التركّب في الجمل التقييدية أو من قبيله في الجمل التامّة الخبرية .

وأنت خبير بفساد ما أفاده . أمّا في المركّب التقييدي فلأنّ جريان استصحاب عدم المركّب في فرض ناعتية العرض ومحموليته ونفي آثار الوجود وإن كان من الوضوح بمكان ، إلاّ أنّه خارج عن محلّ البحث ، فإنّ الممنوع في المقام هو إجراء الاستصحاب في العدم لترتيب آثار العدم النعتي ، وأين هو من استصحاب عدم المركّب لنفي آثار الوجود ، أو لترتيب آثار عدمه .

مثلا إذا وجب إكرام الرجل العالم فلا ريب في استصحاب عدمه عند الشكّ في تحقّقه ، ولو من جهة الشكّ في تحقّق العلم المأخوذ في الموضوع ناعتياً أو محمولياً ، لكنّه إذا كان الأثر مترتّباً على اتّصاف الرجل بعدم العلم الذي هو معنى العدم النعتي فلا يمكن إثبات ذلك باستصحاب عدم تحقّق العالم ، أو عدم تحقّق العلم ، وهذا بخلاف ما إذا كان الدخيل في الموضوع العدم المحمولي ، فإنّه إذا وجد الرجل في الخارج وشكّ في انقلاب عدم علمه بالوجود فيستصحب العدم المتيقّن في السابق ، فيلتئم الموضوع المركّب بضمّ الوجدان إلى الأصل . فكم فرق بين جريان استصحاب العدم فيما كان وجود العرض دخيلا في الموضوع ولو بنحو النعتية ، وبين جريانه فيما كان العدم مأخوذاً فيه ناعتياً ، ومحلّ الكلام هو الثاني دون الأول .

وأمّا ما أفاده في المركّب التصديقي فلأنّ ما أفاده من كون نقيض وجود العرض في مرتبة وجود موضوعه هو العدم في تلك المرتبة أيضاً واضح الفساد كيف ولازمه ارتفاع النقيضين قبل وجود الموضوع ، وهو محال .

والحلّ أنّ نقيض الخاص هو عدم الخاصّ ، لا العدم الخاصّ . فقيام زيد يوم الجمعة نقيضه عدم ذلك القيام ولو بعدم يوم الجمعة ، لا العدم يوم الجمعة حتّى يلزم

ــ[59]ــ

ارتفاع النقيضين قبل تحقّق يوم الجمعة ، وهذا من الوضوح بمكان ، لا يحتاج معه إلى تطويل الكلام .

وممّا يدلّ على أنّ الوجود في مرتبة ليس نقيضه العدم في تلك المرتبة ، بل عدم ذلك الوجود الخاصّ ، أنّ وجود النسبة لا يتحقّق إلاّ متقوّماً بالطرفين فوجودها في ظرف وجودهما ، مع أنّ عدمها حاصل قبل وجود الموضوع أيضاً .

وأمّا ما أفاده من عدم اتّصاف الوجود وما يكون مقيّداً به بالمعدومية فيرد عليه : أنّه خلط بين نحوي الاتّصاف ، فإنّ اتّصاف الماهية بالوجود إنّما هو بعروض الوجود لها ، وكون الخارج ظرفاً لوجودها ، وأمّا اتّصاف الوجود بالموجودية فهو بتحقّق نفسه في الأعيان وكون الخارج ظرفاً لنفسه ، فعدمه بعدم نفس الذات ، لا بعروض العدم له مع حفظ ذاته حتّى يلزم اجتماع النقيضين ، كيف ولو لم يكن الوجود قابلا للاتّصاف بالمعدومية لكان كل وجود قديماً ، بل واجباً لذاته ، فلا يكون ممكناً ، وهو خلاف الوجدان والضرورة .

ومن ذلك يظهر حال المقيّد بالوجود أيضاً ، وأنّه يمكن اتّصافه بالمعدومية قبل تحقّق قيده أيضاً .

ثمّ إنّ هذا الذي ذكرناه وإن كان ظاهراً بناءً على أصالة الوجود وأنّ اتّصاف الماهية بالموجودية بتبع تحقّق الوجود خارجاً ، إذ عليها يكون اتّصافها بالمعدومية بعدم تحقّقه أيضاً ، فمناط الموجودية وعدمها هو تحقّق الوجود وعدمه ، إلاّ أنّه يجري على القول بأصالة الماهية أيضاً كما يظهر بالتدبّر في مناط اتّصاف الماهية بالموجودية .

ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما يفيد في جريان الاستصحاب إذا كان العدم مأخوذاً بنحو المحمولية ، فإنّه المتيقّن سابقاً ، وأمّا إذا كان أخذه بنحو الناعتية فلا يجري الاستصحاب إلاّ فيما كان العدم النعتي مسبوقاً باليقين ، وإلاّ فلا يكاد يترتّب الأثر

ــ[60]ــ

على استصحاب العدم المحمولي ، فإنّه أجنبي عمّا هو دخيل في الموضوع وإثبات العدم النعتي باستصحابه من أوضح أنحاء الاُصول المثبتة .

فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ صحّة جريان الاستصحاب في العدم الأزلي وإحراز الموضوع المركّب بضمّه إلى الوجدان متوقّفة على أخذه فيه محمولياً ، لا نعتياً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net