الخامسة : التفرقة بين أخذ وجود العرض وعدمه في الموضوع المركّب 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3156


الخامسة : قد عرفت أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه فإذا اُخذ في الموضوع المركّب منه ومن معروضه فلابدّ وأن يكون ناعتياً ، وأمّا عدم العرض فهو وإن كان بعدمه لموضوعه ، بمعنى أنّ العرض إذا لم يتحقّق لا تتحقّق النسبة الثبوتية والناعتية الإيجابية قهراً ، إلاّ أنّه لا يلزم أن يكون نعتاً ، بأن تلاحظ النسبة بينه وبين الذات كما في طرف الوجود . فعدم قيام زيد بعدم نسبته إلى زيد ، لا بانتساب العدم إليه ، ضرورة أنّ ما يكون متقوّماً بالمحل ومحتاجاً إليه هو وجود العرض لا عدمه ، فالربط مأخوذ في طرف الوجود لا العدم ، فإنّ العدم يكون بعدم النسبة ، بل بعدم الموضوع أيضاً .

ومن هنا يظهر أنّ أخذ عدم العرض في الموضوع ليس على حدّ أخذ وجوده فيه من لزوم كونه رابطياً ، بل لا معنى لارتباط العدم بشيء إلاّ بأخذ خصوصية فيه ملازمة لعدم العرض ، وإلاّ فلا معنى لانتساب العدم وارتباطه فإنّهما من شؤون الوجود .

وأمّا ما قرع سمعك من تقسيم النسبة إلى إيجابية وسلبية فهو ليس باعتبار أنّ طرف الربط ربما يكون وجودياً وربما يكون عدمياً ، كيف والربط نحو من الوجود ، إلاّ أنّه لا في نفسه ، وهو لا يكون متقوّماً إلاّ بين العرض ومحلّه ، فكيف يعقل تقوّمه بما هو أمر عدمي وبطلان محض ، كما أنّه لا يتحقّق بين الوجود والماهية ، أو بين الذات والذاتي بكلا معنييه ، كما في قولنا : الإنسان موجود ، أو

 
 

ــ[61]ــ

زيد إنسان ، أو ممكن . بل باعتبار أنّ النسبة في كل قضية مركّبة من موضوع ومحمول ـ حتّى فيما كان المحمول نفس الوجود أو ما هو من ذاتيات الموضوع ـ إمّا أن تكون إيجابية أو سلبية ، بمعنى أنّ الحكم ربما يكون بإثبات شيء لشيء وربما يكون بنفيه عنه . فكون النسبة في القضية سلبية أو إيجابية أجنبي عن كون عدم العرض منتسباً إلى الموضوع ، فإنّك قد عرفت أنّ الانتساب نحو من الوجود ، وهو لا يتحقّق إلاّ بين الموجودين .

فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ أخذ عدم العرض في الموضوع لا يقتضي بطبعه إلاّ أخذه على ما هو عليه ، من كونه عدماً محموليّاً ، على ما هو الحال في القضايا السالبة ، مثل قولنا : زيد ليس بقائم ، فإنّ النسبة السلبية فيها لا تحكي إلاّ عن عدم الربط بين القيام وزيد في الخارج . وأمّا أخذه فيه ناعتياً كما في موارد الموجبة معدولة المحمول ، كما في قولنا : زيد لا قائم ، فيحتاج إلى عناية زائدة ، بأخذ خصوصية في الذات ملازمة لعدم المحمول ، فإن كان هناك ما يدلّ عليها فهو ، وإلاّ فالأصل يقتضي عدمه .

ومن ذلك يتبيّن فساد ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) من أنّ المرجع عند الشكّ ليس أصالة عدم اعتباره ناعتياً ، فإنّ الاعتبارين متباينان ، وليس أحدهما متيقّناً والآخر مشكوكاً فيه ، فإنّك قد عرفت أنّ اعتبار الناعتية هو المحتاج إلى عناية زائدة واعتبار خصوصية في الذات ملازمة للعدم ، فتدبّر في أطراف ما ذكرناه فإنّه حقيق به .

إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول : لا إشكال في جريان استصحاب العدم ونفي آثار الوجود عند الشكّ في تحقّق أي موضوع مركّب من أمرين وجوديين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في المشكوك : 423 .

ــ[62]ــ

إلاّ فيما كان التركيب بين أمرين متباينين ، وكان أحدهما محرزاً بالوجدان والآخر بالأصل على ما عرفت ، لكن الأصل المزبور لا يحرز به حال الموجود الخارجي فيما كان المهم معرفة حاله ، كالمرأة الخارجية التي يشكّ في كونها قرشية ، أو الصوف المشكوك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فنحتاج إلى إجراء الأصل في نفي عدم الوصف وترتيب آثار العدم في ظرف الشكّ ، فإن كان هناك ما يدلّ على اعتبار العدم في الموضوع ناعتياً فلا مجال لاستصحابه إلاّ فيما كان له حالة سابقة بوصف النعتية ، وأمّا استصحاب العدم الأزلي المحمولي فلا يثبت به الناعتية وأنّ الموجود الخارجي متّصف به ، وهذا ظاهر .

وإن لم يكن ما يدلّ عليه ـ كما إذا كان مدرك اعتبار العدم هو الإجماع ، أو الدليل المخصّص المنفصل ، أو كالاستثناء من المتّصل ـ فغاية ما هناك هو اعتبار نفس العدم في الموضوع أو المتعلّق ، وتضييق إطلاق الدليل بالقياس إلى حال عدم الوصف المزبور ، وأمّا اعتبار النسبة بين الذات والعدم بالنحو المعقول فهو خارج عن مدلول دليل الاعتبار .

فإذا دلّ الدليل على إخراج الفاسق عن موضوع الوجوب في أكرم العلماء فهو لا يقتضي إلاّ تقييد العالم بأن لا يكون متّصفاً بالفسق ، وأمّا اعتبار اتّصافه بعدم الفسق فيحتاج إلى مؤونة زائدة ، لا يصار إليها إلاّ بدليل ، وقد عرفت حديث لزوم اعتبار الناعتية في طرف العدم وفساده .

وحينئذ فإذا فرض ذات المرأة أو الصوف موجودة في الخارج ، وشكّ في تحقّق اتّصافها بالقرشية أو بكونها من غير المأكول ، فمقتضى الأصل عدم تحقّقه يثبت الموضوع المركّب من وجود الذات وعدم اتّصافه بالوصف .

وممّا ذكرناه يظهر الخلل في كثير ممّا أفاده شيخنا العلاّمة الاُستاذ (قدّس

ــ[63]ــ

سرّه)(1) في المقام ، وإن كان ما ذكرناه وحقّقناه مقتبساً من أنوار علومه وإفاداته وتربيته ، فجزاه الله عنّا وعن العلم خير جزاء المحسنين .
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الوجه إنّما يفيد إذا لم نقل باعتبار كون الساتر من غير ما لا يؤكل ، كما ذهب إليه العلاّمة (قدّس سرّه)(2) بل كان المعتبر في الصلاة هو وجود الساتر وأن لا يكون من غير المأكول ، كما هو الظاهر .

وأمّا إذا قلنا به فاستصحاب عدم تحقّق اتّصاف الساتر بكونه من غير المأكول لا يثبت به أنّه من غير ما لا يؤكل ، بل يمكن التمسّك باستصحاب عدم تحقّق الاتّصاف بكونه من غير ما لا يؤكل في الحكم بعدم الجواز . فهذا الوجه إنّما ينفع القائل بالمانعية ، دون من يقول بالشرطية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net