الثاني : أصالة البراءة 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2942


الثاني : ما استند إليه جملة من الأعاظم تبعاً لسيّد أساتيدنا العلاّمة الشيرازي (قدّس سرّه)(1) وقد اختلف تقريبه في كلماتهم ، وتوضيحه على وجه نعتمد عليه يتوقّف على تقديم اُمور :

الأمر الأول : أنّ جريان البراءة فيما إذا دار المأمور به بين الأقل والأكثر الارتباطيين وإن كان محلّ الخلاف بين الأعلام ، إلاّ أنّ التحقيق عندنا جريانها فيه عقلا ونقلا(2) فإنّ العلم الإجمالي بالوجوب المردّد بينهما ينحل إلى العلم بوجوب الأقل والشكّ في وجوب الزائد عليه ، فيكون العقاب على تركه عقاباً بلا بيان وهو قبيح .

وتوهّم(3) أنّ الانحلال يلزم من وجوده عدمه ، فإنّه يستلزم عدم العلم بوجوب الأقل على كل تقدير ، إذ من جملة تقاديره وجوبه في ضمن وجوب الأكثر ، فإذا حكم بعدم وجوب الأكثر فكيف يكون وجوب الأقل معلوماً على كل تقدير ، مدفوع بأنّ الانحلال لازمه عدم تنجّز وجوب الأكثر ، لا عدم وجوبه حتّى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه في مظان وجوده .
(2) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 495 وما بعدها .
(3) كفاية الاُصول : 364 .

ــ[72]ــ

يلزم منه عدم العلم بوجوب الأقل على كل تقدير .

وأمّا ما عن شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من أنّ الأقل حيث إنّه مردّد بين كونه مطلقاً بالإضافة إلى ما شكّ في جزئيته أو شرطيته ، أو مقيّداً به لعدم تعقّل الإهمال في الواقع ونفس الأمر ، فليس العلم بوجوبه المردّد بين الإطلاق والتقييد إلاّ علماً بوجوب الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد وهو عبارة اُخرى عن نفس العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر ، فلازم القول بالانحلال عقلا هو أن يكون العلم الإجمالي موجباً لانحلال نفسه ، وهو مستحيل بالضرورة .

فيرد عليه : أنّ العلم بوجوب المهمل المتيقّن مع الشكّ في كل من خصوصيتي الإطلاق والتقييد إذا لم يكن له أثر لكان ما أفاده (قدّس سرّه) في غاية المتانة ، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك ، ضرورة أنّه يترتّب على العلم المزبور العلم بترتّب العقاب على ترك الأقل ، فإنّ الواجب الواقعي على كلا تقديريه لابدّ في تحقّقه من الإتيان بالأقل ، فتركه يوجب العقاب قطعاً . وأمّا الزائد عليه فلا يعلم تعلّق الوجوب به ، الملازم لتقيّد الأقل وعدم إطلاقه بالقياس إليه ، فلا يصحّ العقاب على تركه ، لأنّه بلا بيان .

ومن هنا يعلم أنّه ليس المقام من انحلال الشيء بنفسه ، بل العلم بوجوب المهمل هو الموجب لانحلال العلم بوجوب المطلق أو المقيّد ، ولولا ذلك لما أمكن الرجوع إلى البراءة الشرعية أيضاً ، فإنّ رفع وجوب الزائد شرعاً في مرحلة الظاهر لا يترتّب عليه الإطلاق ، ضرورة أنّهما متضادّان في لبّ الإرادة ، فإنّه لابدّ في مقام الأمر من لحاظ أحدهما لا محالة ، لما عرفت من استحالة الإهمال في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 3 : 493 ، فوائد الاُصول 4 : 160 .

ــ[73]ــ

الواقع ونفس الأمر ، فكيف يمكن إثبات أحدهما بنفي الآخر ، أو بنفي منشأ انتزاعه ، وهل هو إلاّ من أوضح أنحاء [الأصل] المثبت .

ولعلّ ما أفاده (قدّس سرّه) من إثبات الإطلاق الظاهري بالأصل مبني على ما أسّسه من كون التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة(1)، لكنّه متين في الإطلاقات الكلامية المقابلة لتقييداتها ، وبمراحل عن الواقع في الإطلاقات المقابلة للتقيّدات في نفس الأمر ومقام الثبوت .

وبالجملة : حيث إنّ المفروض في محلّ البحث هي الارتباطية ، وعدم تحقّق الامتثال باتيان الأقل على تقدير وجوب الأكثر في الواقع ، فإن كان جريان البراءة الشرعية كافياً في إثبات تحقّق الامتثال ظاهراً فالبراءة العقلية كذلك ، وإن لم تكن البراءة العقلية كافية في ذلك فالشرعية مثلها . فالتفصيل بينهما كما عليه شيخنا الاُستاذ العلاّمة(2) والمحقّق صاحب الكفاية(3) (قدّس سرّهما) في غير محلّه .

الأمر الثاني : أنّ العلم بجعل الكبرى الكلّية في الشريعة في التكاليف الانحلالية ـ كالعلم بجعل الحرمة للخمر ـ لا يوجب تنجّز التكليف على المكلّف فيما يشكّ في كونه من أفراد الموضوع ، بتوهّم أنّ البيان الذي هو وظيفة الشارع قد ثبت وتحقّق ، وإنّما الشكّ في الانطباق على الوجود الخارجي ، وبيانه ليس من الوظائف الشرعية ، فلا يمكن التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان .

وذلك فإنّ المراد من البيان المأخوذ عدمه في موضوع القاعدة هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2 : 416 .
(2) أجود التقريرات 3 : 489 ـ 494 ، فوائد الاُصول 4 : 151 .
(3) كفاية الاُصول : 363 ، 366 .

ــ[74]ــ

الوصول ، ضرورة أنّ التكليف غير الواصل ولو بعدم إحراز موضوعه لا يصلح للمحرّكية والباعثية ، فالعقاب على مخالفته عقاب بلا مقتضي ، وبما أنّ التكليف المجعول في الكبرى الكلّية ينحلّ إلى تكاليف عديدة بتعدّد وجود موضوعه في الخارج ، فالشكّ في الانطباق شكّ في تعلّق التكليف به ، فيكون مورداً للبراءة عقلا وشرعاً .

الأمر الثالث : أنّ جريان البراءة في محلّ الشكّ لا يكون إلاّ مع رجوع الشكّ إلى ناحية التكليف ، وأمّا إذا رجع إلى مرحلة الامتثال بعد العلم بفعلية التكليف ووجوده فلا إشكال في كونه مورداً لحكم العقل بوجوب الاحتياط ولزوم إحراز البراءة اليقينية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net