الثاني : ما إذا لم يكن للمتعلّق متعلّق وكان الحكم تحريمياً 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2853


وأمّا القسم الثاني : وهو ما كان الحكم فيه تحريمياً ، ولم يكن لما تعلّق به الحرمة تعلّق بشيء آخر ، كحرمة التكلّم ونحوه .

فإن كان الشكّ فيه في الانطباق ، وكون الموجود الخارجي مصداقاً لمتعلّق التحريم ، فالمرجع فيه البراءة ، فإنّ الحكم في التحريميات لا يتعلّق إلاّ بالوجود الساري أو بمجموع الوجودات . فالشكّ في انطباق المتعلّق على الوجود الخارجي يكون شكّاً في التكليف الضمني أو الاستقلالي ، على ما عرفت من أنّ الانطباق وكون الوجود الخارجي في نفسه وجوداً للمتعلّق من شرائط فعلية التكليف في العام المجموعي أو الاستغراقي ، فإذا شكّ فيه فالمرجع هو البراءة .

والوجه فيما ذكرناه ـ من عدم تعلّق الحكم التحريمي إلاّ بالوجود الساري أو مجموع الوجودات ـ هو أنّ الحكم التحريمي لا ينشأ إلاّ عن مفسدة في متعلّقه فتلك المفسدة إن كانت في الطبيعة السارية فلابدّ من تعلّق الحكم بكل وجود بنحو الاستغراق ، وإن كانت في مجموع الوجودات فلا مناص عن تعلّق حكم شخصي بالمجموع .

وعلى كلّ حال ، فلا يقاس الحكم التحريمي بالإيجابي في إمكان كون متعلّقه صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات قهراً ، فإنّ الإيجاب إنّما ينشأ من مصلحة في متعلّقه ، ويمكن أن تكون المصلحة في صرف وجود الطبيعة غير

ــ[77]ــ

الملحوظ معه خصوصية اُخرى ، فينطبق على أوّل الوجودات لا محالة .

وهذا بخلاف التحريم ، فإنّه كما عرفت إنّما ينشأ عن المفسدة ، فإذا كانت في نفس الطبيعة فلابدّ من تعلّق الحكم بجميع أفرادها ، فإنّ الانزجار عنها أو إعدامها في الخارج لا يكون إلاّ بالانزجار عن كل فرد ، وترك جميع أفرادها فإنّ نقيض السالبة الكلّية الموجبة الجزئية ، وبالعكس .

فالامتثال في طرف الأمر إنّما يكون بفرد ، لكن العصيان لا يكون إلاّ بعدم جميع الأفراد . وأمّا في طرف النهي فالعصيان يكون بفرد ، والامتثال بترك الجميع .

والسرّ فيه : أنّ الطبيعة إذا لوحظت مطلقة بالإضافة إلى خصوصية أفرادها فوجودها في نفس الأمر ووعاء الخارج يتحقّق بوجود فرد واحد ، بناءً على ما هو التحقيق من وجود الكلّي الطبيعي في الخارج ، فإنّ الفرد لا ينقص عن الطبيعة بشيء ، بل يزيد عليها بخصوصياتها الشخصية فالفرد هو نفس الطبيعي بعينه ، ولذا يصحّ حمله عليه بلا عناية .

وأمّا عدمها في نفس الأمر فلا يكون إلاّ بعدم جميع الأفراد ، لا بعدم فرد واحد ، فإنّ انتفاء الخاص لا يستلزم انتفاء العام الذي هو نفس الطبيعي ، ومن هنا قيل : إنّ نقيض الأخصّ يكون أعمّ من نقيض الأعم مطلقاً .

وبذلك يندفع ما أفاده بعض أساتيدنا المحقّقين (قدّس سرّه)(1) من أنّ كل وجود لا يكون إلاّ ناقضاً لعدم نفسه ، فوجود زيد ناقض لعدم الطبيعة المتحصّصة في ضمن زيد ، لا له وللأعدام الاُخر . فكما أنّ الطبيعة يكون لها وجودات كثيرة يكون لها أعدام كذلك ، فكل عدم بديل لوجود ونقضيه ، فإنّك عرفت أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية البداية 4 : 196 ، راجع أيضاً 2 : 289 .

ــ[78]ــ

الخصوصيات الفردية الملازمة للوجودات الخارجية إذا اُلغيت عن الطبيعة فعدمها واحد ، وهو البديل لصرف الوجود . وأمّا وجودها فيتحقّق في ضمن أي فرد ، فإنّه نفس الطبيعي ، ولا ينقص منه شيء .

إن قلت : إذا كانت المفسدة قائمة بأوّل وجودات الطبيعة بحيث لا يكون للوجود الثاني مفسدة أصلا ، فلا محالة يكون النهي متعلّقاً بصرف الوجود ، كما في طرف الأمر بعينه .

قلت : قيام المفسدة بأوّل الوجود إنّما ينفع في سقوط النهي بعد العصيان وإيجاد الطبيعة في الخارج ، وهو أجنبي عمّا نحن بصدد إثباته من إثبات تعلّق النهي بكل فرد فيما كانت المفسدة قائمة بالطبيعة ، غاية الأمر أنّه في محلّ الفرض يكون النهي متعلّقاً بكل فرد ما دام كونه فعلياً وغير ساقط بالعصيان ، ولا يكفي في امتثاله ترك بعض الأفراد والانزجار عنه . وأين هذا من تعلّق النهي بصرف الوجود كما في طرف الأمر.

فتلخّص : أنّ أمر النواهي مطلقاً دائر بين أن يكون متعلّقاً بجميع أفراد الطبيعة ، وأن يكون متعلّقاً بمجموعها . وعلى كلّ حال ، يكون الشكّ في الانطباق شكّاً في التكليف ومجرى البراءة ما لم يكن هناك علم إجمالي بالتكليف ، كما إذا شكّ في انطباق عنوان الكذب على الكلام الخارجي ، فإنّ العلم الإجمالي بكون إحدى القضيتين الإيجابية أو السلبية كاذبة مانع عن إجراء البراءة في خصوص إحداهما ، وإن لم يعلم كونها بالخصوص كاذبة .

هذا كلّه إذا كان الشكّ في الانطباق .

وأمّا إذا كان في التحقّق الخارجي ، بعد العلم بالانطباق على تقدير الوجود ، كما إذا شكّ في تحقّق خروج المني باللمس أو النظر ، فهو مورد لقاعدة الاشتغال في نفسه ، كما في الشبهات الوجوبية ، إلاّ أنّ الشبهات التحريمية لا تخلو

ــ[79]ــ

من أصل حاكم يحرز به الامتثال أبداً ، مثلا استصحاب عدم خروج المني بالنظر واللمس في المقام يرتفع به الشكّ ، ويكون معذّراً في مقام الامتثال بحكم الشارع ، إذ المطلوب ليس إلاّ عدم تحقّق المني في الخارج ، وهو يحرز بالاستصحاب المذكور .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net