الخامس : ما إذا كان الموضوع كلّياً ملحوظاً بنحو السريان والاستغراق 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2983


وأمّا القسم الخامس : وهو ما كان متعلّق الحكم فيه متعلّقاً بالطبيعة السارية بنحو العموم الاستغراقي ، حتّى يرجع الأمر إلى ثبوت الحكم لكل فرد من أفرادها ، فالرجوع إلى البراءة فيه فيما كان الشكّ في انطباقه على موجود خارجي وإن كان لا يخفى ، من دون فرق بين الشبهة الوجوبية والتحريمية ، إلاّ أنّ منشأه ما عرفت(3) من أنّ انطباق عنوان متعلّق التكليف ولو كان له تعلّق بشيء
ــــــــــــــــــــــــــــ

(3) في ص74 ، 75 .

ــ[82]ــ

آخر لابدّ من أن يكون متحقّقاً في مرتبة سابقة على تعلّق الحكم به .

فإذا فرضنا أنّ كل فرد من العلماء يجب إكرامه فالشكّ في عالمية زيد مثلا شكّ في كون إكرامه مصداقاً لطبيعي إكرام العالم ، ومعه يشكّ في تعلّق الوجوب به ، فيرجع إلى البراءة .

وأمّا ما أفاده شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من كون الوجه فيه هو أنّ وجود الموضوع خارجاً شرط في فعلية التكليف مطلقاً ، على ما هو الميزان في القضايا الحقيقية ، فإنّها ترجع إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له ، فالشكّ في وجود الموضوع يرجع إلى الشكّ في وجود شرط فعلية التكليف ، الموجب لكون الشكّ شكّاً في التكليف ، وإن كان متيناً في الجملة ، إلاّ أنّه ليس على إطلاقه .

وتوضيح ذلك : أنّ ما تعلّق به الفعل الاختياري الذي هو متعلّق التكليف الوجوبي أو التحريمي إمّا أن يكون خارجاً عن تحت قدرة المكلّف واختياره كالوقت المأخوذ في موضوع وجوب الصلاة ، أو لا يكون كذلك ، كالعقد المأخوذ في موضوع وجوب الوفاء .

أمّا الأوّل : فلا ريب في لزوم أخذه مفروض الوجود في الخطاب لاستحالة التكليف بإيجاده أو إعدامه ، بل الممكن هو توجيه الخطاب نحو الفعل المتعلّق به على تقدير وجوده .

وأمّا الثاني : فهو على قسمين ، فإنّه إمّا أن يكون دخيلا في اتّصاف متعلّق التكليف بكونه ذا ملاك من مصلحة أو مفسدة ، بحيث لولاه لما كان الفعل ذا مصلحة أو مفسدة ، كالمرض بالقياس إلى شرب الدواء واستعمال الحامض ، فإنّه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في المشكوك : 197 ـ 198 .

ــ[83]ــ

لولا وجوده في الخارج لما كان الشخص محتاجاً إلى شرب الدواء ، ولم يكن يضرّه استعمال الحامض مثلا .

أو يكون دخيلا في تحقّق ما هو متّصف بكونه ذا ملاك في نفسه ، بحيث لولاه لما تحقّق ما هو متّصف بالمصلحة أو المفسدة في الخارج ، فيكون شرطاً للوجود ، لا للاتّصاف .

أمّا القسم الأوّل : فلابدّ من أخذه مفروض الوجود في الخطاب أيضاً ضرورة أنّه لا يلزم على المولى إلاّ الإلزام بفعل ما فيه المصلحة وترك ما فيه المفسدة ، لا الإلزام بجعل الفعل ذا مصلحة أو عدم جعله ذا مفسدة . ففي مثل الوفاء بالعقد لا يلزم على المولى إلاّ إيجابه على تقدير تحقّق العقد في الخارج ، ولا يلزم عليه أن يلزم العبد بإيجاد العقد ليفي به .

وأمّا القسم الثاني : فإن كان التكليف إيجابياً فلابدّ للمولى من الأمر بإيجاده أيضاً ، بتوجيه الخطاب إلى القيد والمقيّد ، فإنّ المفروض أنّ حاجة المكلّف إلى الفعل من جهة كونه ذا مصلحة فعلية ، وأنّه قادر على إيجاده بذاته وقيده .

وإن كان التكليف تحريمياً فلا محالة يكون فعلياً قبل وجود موضوعه أيضاً ، ويكون امتثاله بعدم إيجاد الموضوع خارجاً ، أو بعدم إيجاد الفعل المتعلّق به بعد وجوده ، وفي مثله لا يكون وجود الموضوع شرطاً لفعلية التكليف قطعاً .

مثلا شرب الخمر حيث إنّه فعل ذو مفسدة في نفسه فقد تعلّق به النهي الشرعي ، لكن وجود الخمر في الخارج من مبادي تحقّق المفسدة ، فإذا قدر المكلّف على إيجاده فالنهي الفعلي يكون زاجراً عنه أو عن شربه بعد وجوده ضرورة أنّ الانزجار عن شرب الخمر على تقدير القدرة على إيجاده يمكن أن يكون بعدم إيجاد الخمر ، أو بعدم شربه بعد وجوده ، وفي مثله لا يكون وجود الموضوع شرطاً في فعلية التكليف قطعاً .

ــ[84]ــ

ومن هنا يعلم أنّه إذا علم المكلّف من حاله أنّه لو أوجد الخمر في الخارج لشربه لا محالة يحرم عليه إيجاده ، وذلك من جهة أنّه لا مانع من فعلية التكليف قبل وجود موضوعه خارجاً في هذا القسم ، فإنّ المفروض اتّصاف الفعل المتعلّق به التحريم بكونه ذا مفسدة قبل وجود موضوعه وقدرة المكلّف على إيجاده وإعدامه .

وعليه يترتّب أنّ الشكّ في وجود الموضوع مطلقاً لا يكون من الشكّ في تحقّق شرط التكليف ، بل شرطية وجود الموضوع تنحصر بأن يكون خارجاً عن القدرة ، أو يكون وجوده دخيلا في اتّصاف الفعل بكونه ذا ملاك من مصلحة أو مفسدة ، وأمّا في غيرها فلا يكون وجود الموضوع إلاّ من مبادي تحقّق ما هو متّصف بالملاك في نفسه ، فلا محالة يكون التكليف قبله فعلياً أيضاً .

فتحصّل : أنّ المناط في الرجوع إلى البراءة هو ما ذكرناه من كون انطباق متعلّق التكليف على المأتي به في الخارج على تقدير وجوده شرطاً في التكليف الانحلالي لا محالة ، فعند الشكّ فيه يكون التكليف الفعلي مشكوكاً فيه ، فيرجع إلى البراءة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net