السادس : ما إذا كان الموضوع كلّياً ملحوظاً بنحو العموم المجموعي 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في اللباس المشكوك   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3001


وأمّا القسم السادس : وهو ما كان الحكم فيه متعلّقاً بما له تعلّق بالطبيعة السارية بنحو العموم المجموعي ، فيظهر الحال فيه ممّا قدّمناه(1) في تعلّق الحكم بمجموع الأفراد من المتعلّق ، إيجابياً كان أو تحريمياً ، وأنّه لابدّ من إحراز الانطباق في مرتبة سابقة على فعلية التكليف ولو كان ضمنيّاً ، ومع الشكّ لا مناص عن الرجوع إلى البراءة ، وقد عرفت(2) أنّ مقتضاها في التكليف الوجوبي جواز
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص73 ، 75 .
(2) في ص78 .

ــ[85]ــ

الاقتصار على الموارد المعلومة ، وفي التحريمي جواز الإتيان بغير المشكوك فيه إلاّ أن يرجع التحريم إلى طلب العدم ، بمعنى طلب مجموع الأعدام ، فإنّ حاله حينئذ يكون حال التكليف الوجوبي بعينه .

ثمّ إنّ ما ذكرناه في ملاك الرجوع إلى البراءة والاشتغال في الشبهات الموضوعية في التكاليف النفسية يجري بعينه في التكاليف الضمنية ، فإذا كان الشرط أو الجزء مثلا هو صرف الوجود فلابدّ من إحراز وجوده في الخارج ، وأمّا إذا كان مجموع الوجودات أو كلاًّ منها فلابدّ من إحراز انطباق المتعلّق في الحكم بفعلية التكليف ، ومع الشكّ فيه فالمرجع هو البراءة .

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ النهي عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه حيث إنّه تكليف بما له تعلّق بموضوع خارجي كلّي ، وهو ما لا يؤكل ، فالنهي إمّا تعلّق بالصلاة في كل فرد فرد حتّى يرجع الأمر إلى مانعية وقوعها في كل واحد أو تعلّق بإيقاعها في مجموع وجوداته ، لما عرفت(1) من استحالة تعلّق النهي بالطبيعة بما هي .

لكنّه لا سبيل إلى الثاني ، لاستلزامه صحّة الصلاة فيما وقعت في بعض أفراد غير المأكول ، فيتعيّن الأول ، وتكون المانعية انحلالية ، بمعنى أنّ كل فرد من غير المأكول اعتبر في الصلاة عدم وقوعها في أجزائه . وحينئذ فكل ما علم في الخارج كونه من غير المأكول فقد علم تقيّد الصلاة بعدمه ، وكل ما لم يعلم ذلك فلا يعلم المانعية ، فتجري فيه البراءة ، ويكون من دوران أمر المأمور به بين الأقل والأكثر ، وقد عرفت(2) أنّ العلم بجعل الكبرى الكلّية لا يكون منجّزاً للتكليف ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص75 .
(2) في ص72 وما بعدها .

ــ[86]ــ

لم يعلم الانطباق .

هذا كلّه إذا أبقينا النهي على ظاهره من كونه زجراً عن الفعل ، وأمّا إذا قلنا إنّه إرشادي إلى تقيّد المأمور به بعدم وقوعه في غير المأكول ـ كما هو الظاهر ـ إذ لا مقتضي للزجر عمّا ليس فيه مفسدة وليس بحرام من غير جهة التشريع قطعاً فالنهي يكون كاشفاً عن دخل الأعدام الخاصّة في غرض المولى ، بمعنى أنّه يكشف عن ترتّب الغرض على وجودات خاصّة مقيّدة بأعدام كذلك ، فتكون الأعدام متعلّقة للأمر الغيري كالوجودات بعينها ، ويرجع الأمر حينئذ إلى مطلوبية كل عدم لا محالة ولو كان مجموع الأعدام متعلّقاً للأمر الغيري في مقام الإثبات فإنّ الأمر المتعلّق بالمجموع يتعلّق بكل واحد في ضمن المجموع ، نظير تعلّق الأمر بقراءة الفاتحة بكل واحدة من آياتها ، فإذا علم كون شيء من غير المأكول فقد علم تقيّد الصلاة بعدمه ، وإلاّ فيرجع إلى البراءة .

نعم إذا كان النهي عن الصلاة في غير المأكول إرشاداً إلى أخذ عنوان وجودي في المأمور به ملازم لعدم وقوعه في غير المأكول ، فلابدّ من إحرازه في مقام الامتثال ، لما عرفت(1) من أنّ الأمر بإيجاد صرف وجود الطبيعة يستدعي إحراز وجودها في الخارج ، وعدم جواز الاكتفاء بما يشكّ في انطباقها عليه بما لها من الخصوصيات ، وحينئذ فلا يجوز الاكتفاء بالصلاة فيما يحتمل كونه من غير المأكول .

لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة ، مع أنّه يستلزم صحّة الصلاة فيما إذا اضطرّ إلى لبس غير المأكول فيما إذا وقعت في المقدار الزائد على مقدار اضطراره ، وهو خلاف المقطوع به والمتسالم عليه من الفقهاء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص73 ، 78 .

ــ[87]ــ

إن قلت : لعلّ ذلك من جهة أنّ طبيعي غير المأكول إذا كان مانعاً عن صحّة الصلاة فمقتضى القاعدة الأوّلية هو سقوط الأمر عند الاضطرار وعدم التمكّن من إيقاع الصلاة في غير ما لا يؤكل ، لكن قاعدة الميسور أوجبت الإتيان بما تيسّر وبها يجب التحفّظ عن غير المقدار المضطرّ إليه ، وإن لم يكن كلّ فرد مانعاً بخصوصه .

قلت : قاعدة الميسور ، إنّما تجري فيما كان الأمر متعلّقاً بعدّة اُمور لا يتمكّن المكلّف من إيجاد جميعها ، فيتعلّق الأمر بالمقدار الميسور ، كما هو الحال فيما كانت المانعية ثابتة لكل فرد فرد . وأمّا إذا كان الدخيل في المأمور به هو العنوان البسيط الملازم أو المنتزع عن الأعدام الخارجية فالمكلّف مضطرّ إلى ترك ذلك القيد ، فلابدّ من الإتيان ببقيّة أجزاء الواجب وقيوده ، ولا موجب لترك المقدار الممكن من لبس غير المأكول ، لأنّ ما هو الدخيل في المأمور به غير ممكن التحصيل ، وما هو الممكن غير دخيل فيه على الفرض .

نعم لو قيل : إنّ العنوان المزبور ملازم أو منتزع عن ترك المقدار الممكن وهو يحصل بترك الجميع مع عدم الاضطرار ، وبترك الزائد على مقدار الاضطرار مع وجوده . أو قيل : إنّ العنوان المزبور وإن كان بسيطاً إلاّ أنّه ذا مراتب ، فالمرتبة العالية منها الملازمة لمجموع الأعدام تكون مطلوبة في فرض التمكّن ، ومع التعذّر يتعلّق الطلب بالمرتبة الناقصة الملازمة لعدم غير المقدار المضطرّ إليه .

لكان اللازم هو ترك المقدار الممكن مع الاضطرار إلى لبس غير المأكول في الجملة ، ولو بناءً على كون الدخيل في المأمور به عنواناً بسيطاً ملازماً ، لا نفس الأعدام الخارجية . إلاّ أنّه تكلّف في تكلّف ، لا يصار إليه إلاّ بدليل ، فكيف بما إذا كان الدليل ظاهراً في مانعية نفس غير المأكول المنحلّ إلى مانعية كل فرد كما عرفت .

ــ[88]ــ

وعليه يكون جريان البراءة في محلّ الشكّ من الوضوح بمكان ، من غير فرق بين الساتر وغيره ، وبين ما علم كون الملبوس حيواناً وغيره ، وبين ما يكون مع المصلّي من افتتاح صلاته وغيره ، وبين ما يكون من قبيل اللباس وغيره ، فإنّ الشكّ في جميع ذلك يرجع إلى الشكّ في المانعية الفعلية ، فيكون مورداً للبراءة .

هذا كلّه إذا لم نقل باعتبار وقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل في خصوص الساتر ، على ما صرّح به آية الله العلاّمة (قدّس سرّه)(1) وإلاّ فلابدّ من إحرازه وعدم كفاية جريان البراءة في إثبات ما علم تعلّق التكليف به ، وقد مرّ الكلام في ذلك وأنّه لا يمكن استفادة الشرطية من الأدلّة ولو في خصوص الساتر ، في الأمر السابع(2).

ثمّ إنّك قد عرفت(3) فيما مرّ صحّة التمسّك بالأصل الموضوعي في المقام ويترتّب عليه عدم وصول النوبة إلى إجراء الأصل الحكمي ، وقد عرفت أنّ مقتضى الوجه الرابع من الاُصول الموضوعية هو جواز الصلاة في المشكوك فيه ولو قلنا بشرطية الوقوع في غير ما حرّم الله أكله ، إلاّ أنّه يختصّ جريانه بما علم كون اللباس أو ما مع المصلّي حيوانياً ، وإلاّ فلا مجرى لجريانه ، فلابدّ من التمسّك باستصحاب العدم الأزلي ، وهو لا يثبت إلاّ عدم كون اللباس من غير المأكول وأمّا كونه من غيره فلا يثبت بالأصل المزبور كما هو ظاهر .

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : جواز الصلاة فيما يشكّ في كونه من غير المأكول مطلقاً ، بناء على ما هو المختار من كون المجعول هي المانعية ، وأمّا على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منتهى المطلب 4 : 236 / الفرع الثالث .
(2) في ص18 .
(3) في الوجوه : الرابع والخامس والسادس ، المتقدّمة في ص47 ، 49 ، 62 .

ــ[89]ــ

القول بالشرطية فلابدّ من الحكم بالاشتغال ولزوم إحراز وجود الشرط في مقام الامتثال ، وهو لا يتحقّق في فرض الشكّ إلاّ مع العلم بكون اللباس حيوانياً ، فإنّه يحرز بالأصل الموضوعي حينئذ كونه من غير ما حرّم الله أكله ، فيصحّ الصلاة فيه فيكون ذلك تفصيلا آخر في المسألة ، قد أشرنا إليه في أوّل الرسالة(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص4 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net