تعريف المصباح للبيع - منشأ إضافة المال إلى الأشخاص 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4307

  

ــ[1]ــ
 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد
وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين
 

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

الكلام في البيع

قال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) نقلا عن المصباح أنّ البيع في الأصل مبادلة مال بمال(1). نقول : المالية تنتزع عن رغبة العقلاء في شيء وجلبهم له لأجل احتياجاتهم وأغراضهم الشخصية ، إذ الإنسان ليس كالحيوانات التي لا تحتاج في تعيّشها إلى كثير ممّا يحتاج إليه الإنسان من المسكن والملبس وغيرهما ، ولأجل رفع حوائجه يجلب شيئاً أو يرغب فيه فيقال : إنّه مال ، وتنتزع ماليته من جلبه له ورغبته فيه ، وهذا ظاهر .

وإنّما الكلام في منشأ إضافته إلى أحد وأنّه كيف يكون هذا المال مضافاً إلى أحد وذاك المال مضافاً إلى أحد آخر ليقع بينهما المبادلة ، وأنّ منشأ إضافته إليه ماذا في مثل قولنا : هذا مال زيد وذاك مال عمرو بحيث لو أتلفه يكون ضامناً له لصاحبه  ، وأنّ المصحّح لها أي شيء .

فنقول : إنّ إضافة مال إلى شخص على قسمين :

الأوّل : أن تكون الاضافة إليه ذاتية من غير حاجة في إضافته إليه إلى شيء آخر ، ومن دون أن تكون من جهة أمر معدوم قد وُجد ، أو أمر موجود انعدم ، بل هو مضاف إليه بذاته ، وهذا كأعمال الشخص ، فإنّها مضافة إلى نفسه ذاتاً يعني أنّ له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير : 69 .

ــ[4]ــ

سلطنةً على أفعال نفسه ، له أن يوجدها وله أن لا يوجدها ، كما أنّ له أن يملّكها إلى الغير بأن يكون أجيراً له ، وله ألاّ يملّكها للغير ، وهذا المنع كاف في المقام ، ولسنا بصدد إثبات أنّ أعماله ملك له ليرد عليه ما أوردوه في المقام ، بل المراد أنّ له السلطنة على أفعاله ، وهو يكفينا في المقام .

الثاني : أن تكون الاضافة غير ذاتية ، وهذه أيضاً على قسمين :

الأوّل : أن تكون الاضافة ابتدائية .

الثاني : أن تكون الاضافة ثانوية .

والمراد بالابتدائية هو عدم سبق إضافة عليها ، كما أنّ المراد بالثانوية ما سبقتها إضافة اُخرى أو إضافات متعدّدة .

والاضافة الابتدائية إمّا أصلية وإمّا تبعية .

أمّا الاضافة الأصلية فتكون بأحد أمرين على سبيل منع الخلو :

أحدهما : الحيازة ، فإنّ من حاز شيئاً ممّا لا مالك له كما إذا اصطاد سمكةً من الشط أو طيراً من الهواء فإنّه يُضاف حينئذ إليه عند العرف والعقلاء ، وليس لآخر أن يأخذه منه قهراً بدعوى أنّه لي ، فإنّه يعدّ من الظلم والجور ، مضافاً إلى ما ورد من أنّ من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو له(1) وإن لم نكن نحتاج إلى الأخبار لثبوتها بسيرة العقلاء كما لا يخفى .

وثانيهما : الفعل والعمل ، وأمثلته كثيرة لاختلاف مالية المال بحسب الأماكن والأزمنة ، مثلا الماء في الشط ممّا لا مالية له عند العقلاء ، وكذا الأخشاب في الأماكن التي يكثر فيها الخشب ، بل وكذا العود الذي له مالية في أماكننا لا مالية له في محلّه بوجه ، ولكن ينقلها الإنسان إلى الأماكن التي لا ماء أو لا خشب فيها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد مضمونه في مستدرك الوسائل 17 : 111 / أبواب إحياء الموات ب1 ح4 .

ــ[5]ــ

فإنّهما في غير مكانهما مال يجلبه العقلاء ، وإذا صارت مالا في تلك الأماكن فهي مضافة إلى ناقلها ، والمنشأ في إضافة المالية إليه هو فعله وعمله الذي هو النقل ، هذا بحسب الأماكن .

وكذا يختلف بحسب الأزمنة ، وذلك كالثلوج فإنّها في أغلب البلاد كبلادنا أذربايجان ممّا لا مالية لها في الشتاء ، بل هي من الفضولات التي يخرجونها من أماكنهم  ، وإذا فرضنا شخصاً جمعها وأبقاها إلى الصيف فإنّها تصير مالا حينئذ ويرغب فيها العقلاء جدّاً ، وهي تضاف إليه ، والمنشأ في إضافة مالية الثلوج إليه هو إبقاؤه لها ، والابقاء فعل من أفعاله كما لا يخفى ، هذا.

وربما تكون الاضافة مستندةً إلى مجموع الحيازة والعمل كما هو مقتضى كونهما على نحو مانعة الخلو ، وذلك كما إذا حاز أخشاباً من الصحاري فعملها سريراً ، أو حاز حديداً فصنعه سكّيناً ، فإنّ مالية السرير حينئذ تضاف إليه لا محالة ، ومنشؤها مجموع حيازة الأخشاب وعمله ، نعم كانت الأخشاب قبل أن يعملها سريراً مالا أيضاً ، وكان يضاف إليه حينئذ إلاّ أنّها بعد جعلها سريراً تكون مالا على حدة لاختلاف الأموال باختلاف صورها النوعية كما ذكرناه في بعض المباحث المتقدّمة(1)، هذا كلّه في الاضافة الابتدائية الأصلية .

وأمّا الابتدائية التبعية فهي كما إذا ملك الدابة أو غيرها ، فإنّ حملها مال مضاف إليه بالاضافة الابتدائية ـ إذ ليس من قبيل الاضافات الثانوية كالارث والمعاملة ـ إلاّ أنّها غير أصلية كما في الأمثلة المتقدّمة ، بل تابعة لاضافة نفس الدابة إليه ، وكذا الدجاجة إذا باضت فإنّ بيضها له ، أو غرس أشجاراً فأثمرت ، وهكذا .

وأمّا الاضافة الثانوية فمنشؤها إمّا من الاُمور الخارجة عن الاختيار وإمّا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 234 ، 738 .

ــ[6]ــ

من الاُمور الاختيارية .

فالأوّل كالارث فإنّه موجب لاضافة مال مورّثه إليه وهو أمر قهري غير اختياري ، وكالوصية بناءً على أنّها من الايقاعات ولا تحتاج إلى القبول كما هو المختار وفاقاً للسيّد في العروة(1) وكالأوقاف فإنّ الوقف موجب لمالكية الموقوف عليه لمنافع الوقف بلا اختياره .

والثاني كالبيع وغيره من أبواب المعاملات والعقود التي لأجلها عقدنا الكلام وهذا أيضاً موجب لاضافة المال إليه ، إلاّ أنّها ليست من الاضافات الابتدائية  ، بل إنّما هي بعنوان ثانوي لسبق إضافة فيها لا محالة ، وإلاّ فلا يصحّ بيعه كما لا يخفى  .

والكلام في المقام إنّما هو في القسم الأخير ، أي فيما إذا كانت الاضافة ثانوية وبالاختيار كالبيع ونحوه من المعاملات ، وقد عرفت أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال لاختلاف الحاجات والأغراض ، مثلا إذا فرضنا أحداً عنده قرصان من الخبز وآخر عنده وقية من اللحم فيحتاج صاحب اللحم إلى خبز ليشبعه مع اللحم
وصاحب الخبزين إلى لحم ليتلذّذ بما يأكله ، فيتبادلان ويعطي أحد خبزيه إلى الآخر وهو يعطيه نصف ما بيده من اللحم ، فكلاهما يأكلان اللحم مع الخبز وترتفع حاجتهما وبه يحصل غرضهما ، أو يكون من عنده الاُرز محتاجاً إلى اللباس ومن عنده اللباس يحتاج إلى الاُرز فيتبادلان كما هو مرسوم في بعض القرى والبوادي فعلا ، فترى أنّه يدفع إلى الخبّاز أو القصّاب بيض دجاجة أو حنطة فيأخذ منه الخبز أو اللحم .

وكان احتياجهم إلى تبديل أموالهم من لدن زمان آدم إلى يومنا هذا ، فإنّ الحاجات مختلفة والأغراض متشتّةً ، واستمرّت عادتهم على ذلك برهةً من الزمان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 2 : 659 المسألة 1 ] 3899 [ .

ــ[7]ــ

إلى أن بنى العقلاء في معاملاتهم على أخذ الأشياء بالأثمان فاخترعوا الدرهم والدينار من أجل انضباط مالية الأموال وتسهيل الأمر على الناس حتّى يقاس مالية كلّ مال إلى الدراهم والدنانير ليعلم مقدار ماليته ، إذ قبل اختراعهما كانت مالية الأموال غير منضبطة بل كان مقدارها معلوماً بالمقايسة إلى الاُرز تارةً وإلى شيء آخر تارةً اُخرى ، مثلا كان منّ من الاُرز يسوى بكذا مقدار من الحنطة وبكذا مقدار من الرطب وبكذا مقدار من الألبسة والظروف ، وهذا كما ترى أمر صعب ولا انضباط فيه ، ولأجله اخترعوا الدراهم والدنانير فيقاس مالية كل مال بالاضافة إليهما ، هذا .

ثمّ إنّ العوض والمعوّض ربما يكون كلاهما من قبيل العروض ، واُخرى يكون كلاهما من قبيل الأثمان وثالثةً يكون أحدهما من العروض وثانيهما من الأثمان .

ومثال الأوّل قد ظهر من مطاوي كلماتنا ، بأن يدفع مقداراً من الحنطة ويأخذ مقداراً من اللحم .

والثاني كمعاملات الصرّافين فإنّهم يأخذون الثمن كالريال الايراني ويدفعون في مقابله الثمن أيضاً كالدينار العراقي .

والثالث كما إذا دفع ديناراً أو درهماً وأخذ شيئاً من العروض كالألبسة والأغذية .

وحينئذ يقع الكلام في أنّ البيع يشمل جميع تلك الأقسام أو يختصّ ببعضها دون بعض .

فنقول : قد عرفت أنّ الكلام في المقام إنّما هو في الاضافة الثانوية التي تنشأ عن اُمور اختيارية وهي أبواب المعاملات ، وأمّا ما تنشأ عن اُمور غير اختيارية فبيان أحكامها موكول إلى محلّه .

ــ[8]ــ

ومن جملة تلك الاضافات الثانوية التي تنشأ عن الاُمور الاختيارية هو البيع  ، وكان الأولى أن نتعرّض إلى أحكامه من دون إطالة الكلام في بيان ما قيل في تعريفه من الإشكال والجواب كما هو سيرتنا دائماً حيث لا نتعرّض في المباحث إلى ما لا فائدة فيه ، ومنه التعاريف المذكورة في الكتب فإنّها ممّا لا يترتّب على تحقيقها شيء .

ولكن لمّا كان لخصوص البيع أحكامٌ مختصّة كخيار المجلس ولزوم العلم بالكيل والوزن فيما إذا كان المبيع ممّا يكال أو يوزن ، احتجنا إلى بيان مفهومه وتحقيقه على نحو يمتاز عمّا عداه من المعاملات ، ولأجل ذلك ذكرنا مقدّمةً أنّ العوض والمعوّض في البيع إمّا أن يكون كلاهما من قبيل العروض والأجناس وإمّا أن يكون كلاهما من قبيل الأثمان والدرهم والدينار وإمّا أن يكون أحدهما من الأجناس والعروض وثانيهما من قبيل الأثمان والفلوس كما هو المتعارف بين الناس ، ويقع الكلام حينئذ في أنّ مفهوم البيع شامل لجميع هذه الأقسام أو أنّه يختصّ ببعض دون بعضها الآخر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net