أقسام الملكية - المراد بالمبادلة في كلام المصباح 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4093


ونزيد ذلك توضيحاً فنقول : الملكيّة على ثلاثة أقسام :

إحداها : الملكية الواقعية والسلطة الحقيقية والاحاطة التامّة المعبّر عنها بالاضافة الاشراقية ، وهي مختصّة به (تعالى) ولا تتحقّق في غيره ، لأنّه محيط بجميع ما في العالم إحاطة تامّة لا يشذّ عنها شيء ، وجميعها في قبضته ولا يمكن الفرار من حكومته وهو موجدها وخالقها ، وهذه الملكية هي الاضافة القيّومية في الحقيقة لقيام غيره به (تعالى) حدوثاً وبقاءً بحيث لو انقطعت تلك الاضافة آناً ما لانعدمت الموجودات الخارجية بأسرها وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً ، حيث إنّ تلك الموجودات بأنفسها وبذاتها متدلّيات به (جلّت عظمته) ، وبانقطاع الفيض الايجادي منعدمة محضة كما هي مقتضى ذاتها .

ومَثَل تلك الملكية والاضافة مثل النفس بالنسبة إلى صورها ، فإنّها تقوم


ــ[16]ــ

بالنفس واختيارها بيدها حدوثاً وبقاءً بحيث لو غفلت عنها في زمان ولو بآن لم يبق من الصور أثر ، وهذه شبيهة من جهة للإضافة الاشراقية وتقريب لها توضيحاً وإلاّ فبينهما بون بعيد ولا يمكن قياسها بها .

ثمّ إنّ هذه الملكية الاشراقية شاملة لجميع الملاّك والأملاك والأشياء والسموات والأرضين وغيرها كما هو ظاهر ، وهي خارجة عن مقولة الجواهر والأعراض أي المقولات الحقيقية ، لأنّها كما عرفت إيجاده تعالى ، والوجود والايجاد خارجان عن الجواهر والمقولات كما لا يخفى ، مضافاً إلى أنّه (تعالى) لا يمكن أن يقع معروضاً لشيء من الأعراض وهذا واضح .

وثانيتها : الملكية المقوليّة المعبّر عنها بالجدة وهي إحدى المقولات العرضية وعبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم بجسم كالتلبّس والتعمّم والتنعّل وغيرها ، فإنّ للعاري هيئة وللمتلبّس هيئة اُخرى وللمتعمّم هيئة ثالثة وهكذا وهذه من الأعراض كما أشرنا إليه آنفاً .

وثالثتها : الملكية الاعتبارية التي هي محلّ الكلام في المقام ، وهي ليست من الأعراض والمقولات ليحتاج تحقّقها إلى تحقّق معروضاتها خارجاً ، لأنّ الأعراض تابعة لوجود معروضاتها ، بل إنّما هي أمر فرضي للعقلاء وأمضاه الشارع أيضاً مثلا يفرضون المشتري بعد الايجاب والقبول محيطاً بالمبيع وذا هيئة حاصلة من إحاطته به ، وهذا كما تراه فرض واعتبار وإلاّ فلا شيء خارجاً متحقّقاً بذلك الفرض ، وكيف لا مع أنّ المبيع ربما يكون بعيداً عن المشتري وكيف يكون محيطاً به خارجاً كما إذا كان المشتري في المغرب والمبيع ملكاً في المشرق مثلا ، وبالجملة إنّها أمر اعتباري شرعي ، ويمكن أن يكون طرف إضافتها كليّاً غير موجود في الخارج فعلا كما يمكن اعتبارها مع كون طرفها موجوداً خارجاً ، وطرف إضافتها هو المالك والمملوك ، وقد عرفت أنّ كلّ واحد من المالك والمملوك ربما يكون كلّياً لا وجود له

ــ[17]ــ

خارجاً ، هذا .

ثمّ إنّه يقع الكلام في المراد بالمبادلة في تعريف المصباح ولا يخفى أنّه ليس غرضنا الإشكال على المصباح لأنّ تعريفه تعريف لفظي لا تنبغي المناقشة فيه ، إلاّ أنّا نريد أن نبيّن حقّ الكلام في المقام فنقول : إنّ المراد منها ليس هو مطلق المبادلة وإلاّ لكان مثل تبديل ما في أحد الرفّين من الكتب بما في الآخر بيعاً ، وكذا في مثل تبديل العباء بعباء آخر في اللبس فإنّها أيضاً مبادلة ، بل المراد بالمبادلة هو المبادلة بين المالين في الاضافة ، بأن يصير المال المضاف إلى البائع بأحد أنحاء الاضافة المتقدّمة مضافاً إلى المشتري ، والمال المضاف إلى المشتري مضافاً إلى البائع .

والحاصل أنّ المبادلة ليست من المفاهيم المتأصّلة كالقيام والقعود وغيرهما من الأفعال ، بل إنّما هي من المفاهيم التعلّقية لابدّ من تعلّقها بشيء ، وذلك الشيء ليس هو المكان أو الملكية وإنّما هي عبارة عن طرف الاضافة . وبعبارة اُخرى إنّ ظرف المبادلة وصقعها هو الاضافة لا المكان الخارجي بل ولا الملكية ، فإنّ البيع قد يكون تبديلا في غير الملكية ، وذلك كما إذا اشترينا بسهم سبيل الله جصّاً أو آجراً لتعمير قنطرة أو طريق أو غيرهما ممّا يصدق عليه سبيل الله ، فإنّه لم يكن سبيل الله مالكاً للمال ليقع التبديل في الملكية ويصير السبيل مالكاً للجصّ عوضاً عن المال فلا يعتبر في البيع التمليك ليكون ظرف المبادلة وصقعها هو الملكية وإلاّ فلازمه بطلان المعاملة المشار إليها ، إذ لا ملكية فيها ، والجهة وإن كان تملّكها أمراً معقولا كما في بعض الموارد إلاّ أنّ السهم في المثال ليس راجعاً إلى الجهة بل هو مال مصرفه سبيل الله لا أنّه ملك له ليقال إنّه مالك ومضاف إليه بهذا الاعتبار ، ومثله ما إذا أوصى أحد بصريح كلامه بمال يصرف في سبيل الله من دون أن يصير ملكاً لسبيل الله فإنّ الكلام فيه هو الكلام في المثال المتقدّم .

فالمتحصّل : أنّ التمليك في البيع غير معتبر وإنّما اللازم هو المبادلة بين

ــ[18]ــ

الاضافتين ، ففي المثال يتبادل إضافة المال إلى سبيل الله باضافة الجصّ إلى مالكه فتقع إضافة الجصّ مكان إضافة المال فيصير الجصّ مضافاً إلى سبيل الله كاضافة المال إليه قبل المبادلة ، كما أنّ ظرف المبادلة ليس هو المكان الخارجي ، وقد أجاد صاحب المصباح في تفسيره بقوله هو مبادلة مال بمال ولم يقل مبادلة شيء بشيء وإلاّ لكان شاملا لمبادلة الكتب من رفّ إلى رفّ ، وإنّما عبّر بالمال مشعراً بأنّ المراد بالمبادلة هي المبادلة في الاضافة لأنّها الظاهر من المبادلة بين المالين بعنوان المالية هذا .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net