عدم اعتبار المالية في العوضين - هل البيع من مقولة اللفظ أو المعنى ؟ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3120


ثمّ إنّا ذكرنا سابقاً أنّه لا يعتبر في البيع أن يكون العوضان مالا أي ممّا يرغب فيه العقلاء ، بل لو اشترى شيئاً لغرض شخصه وإن لم يرغب فيه العقلاء كان بيعاً صحيحاً كما إذا اشتاق إلى خطّ جدّه وكان ذلك عند أحد معدوداً من الزبالات واشتراه منه بثمن كذا . ولو قام على اعتبار المالية في العوضين اجماع أو دليل شرعي آخر أيضاً لما كان ذلك موجباً لأخذ المالية في مفهوم البيع عرفاً ، إذ الكلام فعلا في بيان مفهوم البيع عند العرف وهم لا يعتبرون المالية كما عرفت . وكونها مأخوذة في المعاملة شرعاً أمر آخر لا يوجب ذكرها في تعريفه وإلاّ يلزم ذكر جميع ما يعتبر في البيع من الشرائط شرعاً ، لعدم اختصاصها بالمالية فقط .

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أنّ المبادلة لابدّ من أن تقع بين الاضافتين بأن يكون المال المضاف إلى أحدهما مضافاً إلى الآخر وبالعكس ، هو الذي ذكره العلاّمة في بعض كتبه(1) من أنّه لابدّ في البيع من أن يدخل المبيع في كيس من خرج عنه الثمن وبالعكس وإلاّ فلا معنى لخروج الثمن من كيس أحد ودخول المثمن في ملك آخر وهذا أيضاً هو مقتضى الفهم العرفي ، فإنّ العرف لا يرى مثله بيعاً أبداً ، ويشهد له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لم نعثر عليه [ .

ــ[19]ــ

جميع موارد استعمال لفظ البيع والشراء في الكتاب المجيد مثل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)(1) لا بأن يكون الجنّة لغيرهم وهذا ظاهر .

ثمّ إنّ ظاهر المبادلة وقوع الفعل من الطرفين وإن استعملت المفاعلة في بعض الموارد في فعل الواحد أيضاً كما في الآيات القرآنية كقوله تعالى : (يُخَادِعُونَ اللهَ)(2) و (يُحَارِبُونَ اللهَ)(3) وهكذا ، إلاّ أنّ ظاهرها وقوع الفعل من اثنين وهو مناف لما ذكرناه في تعريف البيع من أنّه عبارة عن فعل البائع فقط لا فعل مجموع البائع والمشتري ، فهو فعل الواحد لا الاثنين ، حتّى لو فرضنا أنّ فعل المشتري أيضاً من البيع لا يصحّ التعبير عنهما بالمبادلة ، لأنّ البيع يكون حينئذ متعدّداً لا أنّ بيعاً واحداً وقع بينهما كما هو ظاهر المفاعلة ، لأنّ المفاعلة هو فعل واحد للاثنين ، فعليه لو اُبدلت المبادلة في التعريف بالتبديل لكان أولى وأحسن .

فإذا عرفت ذلك فيقع الكلام بعد ذلك في أنّ البيع الذي هو عبارة عن فعل البائع هل هو من مقولة المعاني أو من مقولة الألفاظ ، وقد وقع في المقام خبط في كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(4) وإن جلّ مقامه عن الخبط إلاّ أنّ الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز ، وذلك لأنّه (قدّس سرّه) أورد على من عرّف البيع بأنّه عبارة عن الايجاب والقبول : بأنّ البيع ليس من مقولة الألفاظ وإنّما هو من سنخ المعاني وإلاّ لم يكن إنشاؤه باللفظ ، ثمّ عرّف البيع بأنّه عبارة عن إنشاء تمليك عين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 111 .

(2) البقرة 2 : 9 .

(3) المائدة 5 : 33 .

(4) المكاسب 3 : 10 .

ــ[20]ــ

بعوض ، مع أنّ نفس ذلك الإشكال وارد عليه أيضاً ، حيث إنّ الانشاء غير قابل للانشاء باللفظ كما لا يخفى ، فعلى تقدير أنّ البيع هو الانشاء فلا يعقل أن يتعلّق به الانشاء .

فالتحقيق أن يقال : إنّ البيع وغيره من العقود والايقاعات ليس من قبيل المعاني المجرّدة ولا من قبيل الألفاظ كذلك ، لما نشاهده من أنّ البيع لا يصدق على مجرّد الاعتبار النفساني بتبديل عين بعوض في جهة الاضافة ، وكذا النكاح لا يتحقّق بمجرّد اعتبار الزوجية ولا الطلاق بمجرّد اعتباره ولا الهبة ولا الصلح ولا غير ذلك من الاُمور الانشائية ، فإنّه بمجرّد اعتباره لا يطلق عليه أنّه باع ماله وهذا واضح ، كما أنّه لا يمكن أن يقال إنّ البيع وما يشبهه من قبيل الألفاظ إذ لا يمكن انشاؤه حينئذ.

بل إنّما البيع وغيره من العقود والايقاعات من قبيل المعاني المبرزة بمبرز ما من القول والفعل والاشارة ونحوها كما هو شأن المعاني الانشائية على ما ذكرناه في محلّه كالطلب والأمر ، فما دام لم يبرزها بشيء من المبرزات فلا يصدق عليها شيء من عناوين البيع والصلح وغيرهما كما هو ظاهر ، ولعلّه مراد من فسّره بنقل العين بالصيغة المخصوصة فلا يرد عليه ما ذكره شيخنا الأنصاري من أنّ ذلك لا يقبل الانشاء بالصيغة وإنّما القابل له النقل لا النقل بالصيغة ، وذلك لأمرين : النقض والحلّ  .

أمّا النقض : فبأنّا نرى في الخارج اُموراً قائمة بالانشاء والابراز بحيث لا تحقّق لها بدون الانشاء بوجه ، وهذا كالاذن فإنّه ليس عبارة عن مجرّد طيب النفس بل الطيب المبرز بشيء من المبرزات وبدونه لا يمكن أن يقال إنّه أذن في أمر كذا حتّى يبرزه ويأتي به في مقام الاظهار والابراز . ومنها الأمر فإنّه لا إشكال في كونه من الاُمور الانشائية ولا يصدق بمجرّد الطلب النفساني أنّه أمر بكذا ، وبالجملة أنّها من

  
 

ــ[21]ــ

الاُمور التي لا قوام لها إلاّ بالانشاء ، وانشاؤها وإبرازها كما يكون بالاشارة أو الفعل أو سائر الألفاظ كذلك يمكن بنفس الألفاظ الموضوعة لها كأذنت وأمرت ، إذ لا ينبغي الإشكال في أنّه يعقل انشاء الاذن بلفظ أذنت لك والأمر بلفظ أمرتك .

والبيع أيضاً من هذا القبيل فإنّه وإن كان تحقّقه وقوامه بنفس الانشاء لأنّه من الاُمور الانشائية ، إلاّ أنّه يمكن إنشاؤه بنفس لفظه بأن يقال : بعتك ، فقد أبرز البيع وأنشأه بلفظه ، ومن هذا القبيل الإسلام فإنّه لا يتحقّق بمجرّد عقد القلب ما دام لم ينشئ الإسلام ولم يبرزه باللفظ كالشهادتين ، مع أنّه يعقل ابرازه بنفس لفظ الإسلام بأن يقول : أسلمت لربّ العالمين ، وكذلك التعظيم فإنّه من الاُمور الانشائية مع أنّه يمكن انشاؤه بلفظ التعظيم بأن يقول : إنّي اُعظّمك أو عظّمتك على نحو الانشاء دون الاخبار .

فتحصّل : أنّه لا مانع من إنشاء الاُمور الانشائية بالألفاظ الموضوعة لها .

وأمّا الحلّ : فبأنّ الألفاظ الموضوعة للاُمور الانشائية إنّما وضعت لمفاهيم تلك الاُمور دون وجوداتها الخارجية ، فمعنى الأمر مفهوم الطلب ومعنى البيع هو مفهوم إنشاء تبديل عين بمال ، سواء كان موجوداً في الخارج أم لم يكن ، فمعنى بعت أنشأت مفهوم البيع . وبالجملة لا نظر لتلك الألفاظ إلى وجود معانيها خارجاً وعدمه وعليه فإذا تكلّم بلفظ بعت أوجد المفهوم في ضمن ذلك الفرد ، فإنّ للبيع المفهومي أفراداً قد أوجده بذلك الفرد منه ولا محذور في إيجاد المفهوم بفرده كما هو واضح .

فتحصّل : أنّ ما أورده شيخنا الأنصاري على ذلك التعريف بأنّه إن اُريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور وإلاّ فلابدّ من الاكتفاء بخصوص التمليك والنقل ممّا لا وجه له ، وعليه فالصحيح أن يقال : البيع عبارة عن التبديل الانشائي لعين في مقابل شيء .

وبعد ذلك نرجع إلى ما كنّا نحن بصدده فنقول : ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس

ــ[22]ــ

سرّه)(1) أنّ المعوّض في البيع يشترط أن يكون عيناً ولا يعمّ المنافع لأنّه الفارق بين البيع والاجارة على تفصيل تقدّم ، وإن اُطلق في بعض الأخبار على نقل المنافع إلاّ أنّه من باب المسامحة ، كما أنّ لفظ الاجارة ربما يطلق على نقل الأعيان وذلك كالثمرة على الشجرة ، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 7 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net