المناط في تعيين القيمة في القيمي 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3375


ــ[273]ــ

الملاك في تعيين القيمة في القيمي

قد عرفت أنّ القيمي مع تعذّر المثل يضمن بالقيمة ، ولكن ما هو الملاك في تعيين القيمة ؟ وهل يجب قيمة يوم الدفع أو يوم التلف أو قيمة يوم الغصب في باب الغصب أو يوم القبض في المقام أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف أو إلى يوم الدفع أو من زمان التلف إلى يوم الدفع ؟ أقوال :

أمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم الغصب أو القبض كما في المقام فينافيه ما يقتضيه الضمان في طبعه ، إذ مجرد الاستيلاء على العين لا يوجب الضمان بالقيمة ، بل الذمة مشغولة بنفس العين ما دامت باقية ولا ينتقل الضمان إلى بدلها قبل التلف ، فهذا القول على خلاف القاعدة ولا مدرك له إلاّ صحيحة أبي ولاّد الواردة في الغصب وعلى تقدير تماميتها يلحق به المقبوض بالعقد الفاسد للاجماع أو الأولوية كما سنبيّن إن شاء الله .

وأمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم الدفع فهو وإن كان مقتضى ما ذكرناه سابقاً من أنّ الذمّة مشغولة بالعين إلى زمان الفراغ وهو يوم الدفع فيجب قيمة هذا اليوم ، إلاّ أنّه ينافي ما سبق آنفاً من أنّ للضامن إجبار المالك على أخذ القيمة عند تعذّر المثل ، فإنّ لازمه عدم ثبوت شيء في عهدة الضامن سوى القيمة ، لأنّه لو كانت ذمّته مشغولة بالمثل لم يبق مجال للقول باجبار الضامن للمالك على أخذ القيمة بل يمكنه الامتناع من أخذها والصبر إلى أن يوجد المثل كما في المثلي ، وأمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم التلف فهو وإن كان على القاعدة ويقتضيه طبع الضمان ، لأنّ العهدة مشغولة بالعين ما دامت موجودة ، وإذا تلفت فلابدّ من إقامة شيء مقامها يجعلها كأنّها لم تتلف وهو القيمة في الفرض ، فزمان الانتقال إلى القيمة هو زمان التلف ، فلابدّ أن يكون هو الملاك في تعيين القيمة ، إلاّ أنّ صحيحة أبي ولاّد قد دلّت على وجوب قيمة يوم الغصب على خلاف القاعدة ، فلابدّ من التكلّم في دلالة

ــ[274]ــ

الصحيحة وهي وإن وردت في المغصوب لكن لا ريب أنّه ربما تكون القيمة في المغصوب يوم التلف أكثر من قيمته يوم الغصب ، ومع ذلك لو دلّت الرواية على ضمان قيمة يوم الغصب نلحق الضمان في سائر المقامات بالغصب ونقول فيها بضمان يوم القبض بالأولوية القطعية ، لأنّه لا نحتمل أن يكون الضمان في غير باب الغصب أسوأ حالا من الغصب ، فالضمان بالقيمة يوم الغصب والقبض بمقتضى الرواية يكون على خلاف القاعدة فيسقط ضمان يوم التلف عن الاعتبار كيوم الدفع .

وأمّا الرواية ففي كتاب الغصب من الوسائل (مع ما نقص من أصل رواية الشيخ (قدّس سرّه)) عن محمّد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن أبي ولاّد قال « اكتريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا وخرجت في طلب غريم لي ، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل فتوجّهت نحو النيل فلمّا أتيت خبّرت أنّه توجّه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت فيما بيني وبينه ورجعت إلى الكوفة وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً ، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلّل منه فيما صنعت واُرضيه فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصّة وأخبره الرجل ، فقال لي ما صنعت بالبغل فقلت قد رجعته إليه سليماً ، قال نعم بعد خمسة عشر يوماً ، قال : فما تريد من الرجل ؟ قال : اُريد كراء بغلي فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً ، فقال إنّي ما أرى لك حقّاً لأنّه اكتراه إلى قصر بني هبيرة فخالف فركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكراء فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء ، قال : فخرجنا من عنده وأخذ صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة وأعطيته شيئاً وتحلّلت منه وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبدالله (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة ، فقال : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها فقلت لأبي عبدالله فما ترى

ــ[275]ــ

أنت جعلت فداك ؟ قال (عليه السلام) أرى له عليك مثل كرى البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل ومثل كرى البغل من النيل إلى بغداد ومثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إيّاه ، قال قلت : جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه ؟ قال : لا
لأنّك غاصب ، فقلت أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني ؟ قال : نعم قيمة بغل يوم خالفته ، قلت : فإن أصاب البغل عقر أو كسر أو دبر ؟ فقال : عليك قيمته ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه ، قلت : فمن يعرف ذلك ؟ قال : أنت وهو  ، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك ، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك (لزمه) ذلك ، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك »(1) الحديث .

ومحلّ الاستشهاد منها على ضمان قيمة يوم الغصب قوله (عليه السلام) « نعم قيمة بغل يوم خالفته » حيث إنّه يمكن أن يكون الظرف متعلّقاً بالقيمة بنحو الإضافة على نحو تتابع الإضافات ، أو تكرار إضافة القيمة ، ولكنّهما خلاف الظاهر . أو إضافة مجموع القيمة والبغل إلى الظرف ، ونظيره كثير في الاستعمالات العرفية كقولنا ماء رمّان زيد وبيض دجاج زيد مع عدم رمان أو دجاج لزيد وإنّما اشترى ابتداءً ماء الرمان أو بيض الدجاج ، إلاّ أنّه خلاف الظاهر أيضاً ، والظاهر أنّه ظرف للقيمة بلا إضافة شيء إليه فينتج ضمان قيمة يوم المخالفة فيناسب الرواية مسلك المشهور .

ويحتمل أن يكون الظرف متعلّقاً بقوله (عليه السلام) « نعم » القائم مقام قوله (عليه السلام) « يلزمك » أي يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل ، وبناءً على هذا الاحتمال يكون أجنبياً عن تعيين القيمة ، فتكون الصحيحة مجملة ، إلاّ أنّه يردّ هذا الاحتمال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أوردها بتمامها في التهذيب 7 : 215 ح943 من باب الاجارات ، وكذا في الكافي 5 : 290 ح6 ، وأورد بعضها في الوسائل 25 : 390 / كتاب الغصب ب7 ح1 .

ــ[276]ــ

أمران :

الأول : ما ذكره شيخنا الأنصاري (عليه السلام)(1) من أنّ السؤال لم يكن عن زمان اللزوم والضمان بسبب المخالفة فإنّه كان أمراً واضحاً ، بل السائل إنّما سأل عمّا يلزمه بسبب المخالفة على تقدير التلف فلو كان الظرف راجعاً إلى قوله (عليه السلام) «  نعم » لزم اللغوية في جواب الإمام (عليه السلام) لفرض علم السائل بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان .

والثاني : أنّ مقتضى تعلّق الظرف بقوله « نعم » وجوب ردّ القيمة من يوم الغصب ، فيلزم انتقال العين إلى القيمة قبل تلفها ولم يقل به أحد .

فتحصّل : أنّه لا يصحّ رجوع الظرف إلى كلمة نعم ، بل هو راجع إلى القيمة وعليه تدلّ هذه الفقرة على ضمان قيمة يوم الغصب في المغصوب ويلحق به المقبوض بالعقد الفاسد فيكون الضمان فيه بقيمة يوم القبض ، هذا .

وقد اُورد على هذا الاستدلال باُمور منها : أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر في الرواية لزوم تعيين الشهود قيمة يوم الاكتراء حيث قال (عليه السلام) « أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا » فيعلم أنّ يوم الغصب لا موضوعية له ، بل ذكر كلا اليومين طريق إلى إثبات الضمان لا خصوص ضمان يوم الغصب .

وفيه : أنّ ضمان قيمة يوم الاكتراء من حيث كونه يوم الاكتراء واضح الفساد  ، لعدم كون البغل مغصوباً حينئذ ، فلابدّ أن يكون ذكره لنكتة عرفناها أو لم نعرفها ، فلا يجوز أن يجعل منافياً لتعيين قيمة يوم المخالفة في الجملة الاُولى ، ولا يبعد أن تكون النكتة اتّحاد يوم الاكتراء مع يوم المخالفة في مورد السؤال ، لأنّ الاكتراء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 248 .

ــ[277]ــ

للمسافات القريبة غالباً يكون مقارناً للسفر وللحركة ، ولو كان مقدّماً لكان بنصف يوم أو من الليل إلى الصبح ولا يفصل بين زمان الاكتراء والسفر أزيد من هذا وهذا الشخص قد اكترى البغل من الكوفة إلى قصر بني هبيرة الذي كان أقلّ من الفرسخ من الكوفة ولمّا بلغ قرب قنطرة الكوفة خالف وذهب إلى النيل ، فالفصل يكون بساعة أو ساعتين ، فيوم الاكتراء بعينه هو يوم الغصب ، فدلالته على ضمان يوم الغصب بحاله .

ومنها : قوله (عليه السلام) « عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه  » بناءً على أن يكون لفظة « يوم » متعلّقاً بالقيمة ، فيكون المعنى وجوب قيمة يوم الدفع لا قيمة يوم المخالفة في تلف الأوصاف ، ولا فرق بين تلف العين وتلف الأوصاف في هذا الحكم .

وفيه : أنّ الظرف لا يمكن تعلّقه بالقيمة لما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ المناط في تعيين الأرش ليس بيوم الردّ إجماعاً ، كما لا يصحّ تعلّقه بـ  «  عليك  » لأنّ لزوم القيمة ليس في يوم الردّ بل وجوبها ثابت من أوّل يوم من المخالفة .

فالصحيح أن يكون متعلّقاً بالعيب ، لأنّه أقرب وله معنى حدثي ، وعليه فتدلّ هذه الفقرة من الصحيحة على أنّ العيب الحادث إنّما يوجب ضمان الأرش فيما إذا استمرّ إلى زمان ردّ العين ، فالغاصب ضامن لأرش العيب الموجود حال الردّ لا مطلق العيب الحادث وإن زال وارتفع ، فلا تعرض في هذه الفقرة لتعيين قيمة يوم الردّ حتّى تنافي ما استظهرناه من الفقرة الاُولى من الاعتبار بقيمته يوم الغصب .

ومنها : قوله (عليه السلام) : « إمّا أنّ يحلف هو على القيمة فيلزمك ... أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون » الخ حيث عيّن في الرواية أنّ الحلف والبيّنة وظيفة المالك مع أنّ البيّنة تكون على المدّعي واليمين على من أنكر ولا يصحّ توجّه كلا الأمرين إلى شخص واحد ، فهذه الرواية مخالفة للقاعدة من هذه الجهة ولذا التجأ

ــ[278]ــ

الشيخ (رحمه الله)(1) إلى توجيه هذه الفقرة من الصحيحة وجعلها مؤيّدة لكون الاعتبار بقيمة يوم التلف لا يوم المخالفة ، وحملها على بيان صورتين من صور النزاع بين المالك والضامن ، فحملها من حيث الحكم بتوجّه اليمين على المالك ، على صورة اختلافهما في تنزّل القيمة يوم التلف ، بأن يكون المالك والضامن متّفقين على قيمة واحدة للعين قبل يوم التلف وادّعى المالك بقاءها على القيمة السابقة في يوم التلف ولكن الضامن يدّعي تنزّلها ، فيكون القول قول المالك فيحلف ، وحملها من حيث الحكم بتوجّه البيّنة عليه على صورة اختلافهما في أصل قيمة البغل سابقاً مع اتّفاقهما على بقائه على تلك القيمة إلى يوم التلف بأن ادّعى المالك أنّها عشرة والضامن يدّعي أنّها خمسة ، فالبيّنة على المالك لأنّه يكون مدّعياً في المقام ، فاليمين والبيّنة كلاهما وظيفة المالك ، غاية الأمر في الصورتين . ثمّ قال : وأمّا على تقدير كون العبرة في القيمة بيوم المخالفة فلابدّ في توجيه توجّه اليمين إلى المالك من حمل الرواية على ما إذا اتّفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة أو اللاحق له وادّعى الغاصب نقصانه عن تلك القيمة يوم المخالفة ، ولا يخفى بعد هذا الحمل .

وفيه : أنّ الحمل على صورتين خلاف الظاهر ، لأنّ قوله (عليه السلام) « إمّا أنّ يحلف هو ... أو يأتي صاحب البغل » ظاهر في تخيير المالك لاثبات مقصوده بين الحلف والاشهاد في صورة واحدة لا صورتين . وأمّا ما ذكره أخيراً من الصورتين لتوجيه توجّه الحلف إلى المالك فالصورة الثانية منهما غير صحيحة ، إذ ليس فيها أصل يوافق قول المالك إلاّ الاستصحاب القهقري الذي لا نقول به إلاّ في باب الألفاظ ، بل الأصل فيها موافق لقول الغاصب ، لأنّ المالك يدّعي زيادة القيمة والغاصب ينكرها ، نعم ما أفاده في الصورة الاُولى صحيح . والحاصل أنّ الحمل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 251 .

ــ[279]ــ

على الصورتين خلاف الظاهر .

فالصحيح أن نقول : إنّ هذه الرواية تكون مخصّصة لعموم البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ، لأنّ هذا العام ليس من القواعد العقلية حتّى يكون آبياً عن التخصيص بل من القواعد الفقهية وقد خصّص في موارد كثيرة ، ففي المقام أيضاً نخصّصه بالرواية ونقول في خصوص الغاصب بسماع البيّنة واليمين كليهما من المالك وله أن يأخذ بكلّ منهما في المحاكمة جزاءً للغاصب ، لأنّه يؤخذ بأشقّ الأحوال وإن لم يكن رواية .

ثمّ إنّه استدلّ بهذه الرواية على وجوب أعلى القيم من زمان الغصب إلى يوم التلف ، فذكر الشيخ (قدّس سرّه) أنّها لا تدلّ على ذلك ، ويمكن أن يكون وجه الدلالة هو أنّ زمان ارتفاع القيمة يصدق عليه أيضاً يوم المخالفة ، لأنّ المراد بيوم المخالفة طبيعي يوم المخالفة الساري في جميع هذه الأيّام ، لأنّ كلّ يوم يصدق عليه أنّه يوم المخالفة ، فلا محالة يؤخذ بأعلى القيم ويندرج الأقل في الأكثر لوضوح عدم وجوب الجمع بين القيم في الأداء ، فتكون دلالة الرواية على لزوم أعلى القيم تامّة ، هذا .

ولكن يردّه أمران : الأوّل أنّ المراد من يوم المخالفة صرف الوجود وهو ينطبق على أوّل أيّام المخالفة لا أنّه كلّي يصدق على كلّ فرد .

والثاني : أنّ قوله (عليه السلام) « يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا  » أقوى شاهد على كون المناط بيوم خاصّ لا الطبيعي الساري في جميع الأيّام وإلاّ لما كان وجه لتعيين يوم الاكتراء الذي ذكرنا سابقاً اتّحاده في مورد الرواية مع يوم المخالفة ، فالميزان هو قيمة أوّل أيّام المخالفة فلا وجه لوجوب أعلى القيم .

واستدلّ أيضاً لوجوب أعلى القيم بقاعدة الاشتغال ، بدعوى أنّ ذمّة الضامن مشغولة بحقّ المالك الذي كان فيه أعلى القيم ، فإذا دفع الأقل من أعلى القيم يشكّ في فراغ الذمّة ، فأصالة الاشتغال حاكمة بوجوب دفع القيمة العليا من بين القيم في هذه

ــ[280]ــ

المدّة .

وفيه : أنّ المورد من موارد البراءة ، لأنّه لم يثبت الاشتغال اليقيني إلاّ بالقدر المتيقّن ويكون اشتغال الذمّة بالزائد مشكوكاً فيه فيدفع بالبراءة .

واستدلّ أيضاً لهذا القول بالاستصحاب حيث إنّ الضمان قد ثبت بحديث على اليد ونشكّ في ارتفاعه بدفع الأقل من أعلى القيم فنستصحبه إلى زمان دفع أعلى القيم .

وفيه : أنّ المراد من الاستصحاب إن كان استصحاب ضمان نفس العين بناءً على ما ذكرناه سابقاً من عدم سقوط العين بالتعذّر عن الذمّة واشتغالها بالعين إلى زمان الدفع فإن كان المثل موجوداً فهو ، وإلاّ فلابدّ من دفع القيمة فلا محالة يثبت بالاستصحاب ضمان قيمة يوم الدفع لا أعلى القيم ، وإن كان المراد منه استصحاب ضمان القيمة بناءً على القول بأنّ التعذّر موجب لسقوط العين عن الذمّة وتبدّلها بالقيمة ، فالمتيقّن من الضمان هو الضمان بالأقل وأمّا الضمان بالمقدار الزائد من القيمة فليست له حالة سابقة متيقّنة حتّى يستصحب بل يجري فيه البراءه كما ذكرنا آنفاً .

واستدلّ أيضاً بقاعدة لا ضرر بدعوى أنّه لو كان المال في هذه المدّة التي منها زمان ارتفاع قيمته عند مالكه لتمكّن من بيعه بأعلى القيم فلو أدّى غير أعلى القيم يتضرّر المالك وهو مرفوع .

وفيه : أنّ الضرر بمعنى النقص في النفس أو العرض أو المال ، وأمّا النقص في المالية الناشئ من اختلاف القيمة السوقية فلا يعدّ ضرراً عرفاً ليكون مورداً لقاعدة لا ضرر ومضموناً على الغاصب ، ولذا لا يحكم بضمان زيادة القيمة السوقية في صورة بقاء العين إذا ردّها إلى مالكها بعد نقصان قيمتها السوقية .

واستدلّ أيضاً لهذا القول بأنّ العين مضمونة في جميع الأزمنة التي منها زمان ارتفاع القيمة فيجب على الضامن الخروج عن عهدتها بدفع أعلى القيم .

 
 

ــ[281]ــ

وفيه : إن كان المراد بضمان أعلى القيم أنّه لو تلفت العين في هذا الزمان لابدّ من الانتقال إلى قيمة هذا اليوم فمسلّم على تقدير كون العبرة بقيمة يوم التلف ، إلاّ أنّ المفروض عدم التلف ، ولو كان المراد وجوب أعلى القيم وإن لم تتلف في ذلك الزمان وردّت إلى مالكها بعدما تنزّلت قيمتها ، فهو خلاف الإجماع والضرورة حيث إنّه لو كانت العين باقية وأراد ردّها لم يجب على الضامن ردّ العين مع القيمة المرتفعة إذا فرضنا تنزّلها بعد ذلك ، وإن كان المراد ضمان أعلى القيم على تقدير التلف بعد ذلك ، ففيه : أنّ التلف بعد ذلك يوجب أداء القيمة مع طلب المالك أمّا كونها أعلى القيم فهو أوّل الكلام .

واستدلّ أيضاً بما أفاده الشيخ وحاصله : أنّ الضمان كما يتحقّق بالاتلاف كذلك يتحقّق بالحيلولة بين المال ومالكه حتّى يتلف المال ، والمفروض في المقام أنّ الغاصب حال بين المالك وبين العين زمان ارتفاع قيمتها فيكون ضامناً للقيمة العليا كما لو كان أتلفها في هذا الزمان . والحيلولة وإن كانت ثابتة في سائر أوقات الغصب أيضاً إلاّ أنّ القيم النازلة تندرج في القيمة العليا ويحصل أداؤها بأدائها . نعم لو ردّ العين حصل تدارك تلك المالية بنفس العين ، وارتفاع القيمة السوقية أمر اعتباري لا يضمن بنفسه ، لعدم كونه مالا ، وإنّما هو مقوّم لمالية المال .

ويردّه أوّلا : أنّه لا دليل على انتقال العين إلى القيمة بالحيلولة .

وثانياً : أنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما يكون مع مطالبة المالك بالقيمة لا مطلقاً .

وثالثاً : أنّ بدل الحيلولة على تقدير تسليمه يختصّ بما إذا تعذّر ردّ العين ، ولم يفرض في المقام تعذّر ردّ العين حين ارتفاع القيمة .

فتحصّل : أنّه لم يتمّ شيء من هذه الوجوه ، ولو فرض تمامية بعضها يكون معارضاً بالصحيحة الدالّة على الضمان بقيمة يوم الغصب على ما استظهرناه ، اللهمّ إلاّ

ــ[282]ــ

أن يفرض إجمالها من تلك الجهة .

ثّم إنّ في المقام مسائل : الأُولى : حكي عن المفيد(1) والقاضي(2)والحلبي(3) (قدّس سرّهم) أنّ الاعتبار بيوم البيع فيما كان فساده من جهة تفويض الثمن إلى حكم المشتري ، لأنّ الثمن غير معلوم فيكون البيع غررياً .

وفيه : ـ بعد عدم الخصوصية لفساد البيع من جهة تفويض الثمن إلى حكم المشتري ـ أنّه لا وجه لما ذكروه من الاعتبار بقيمة يوم البيع ، ولعلّهم أرادوا من يوم البيع يوم القبض كما ذكره الشيخ (رحمه الله) لغلبة اتّحادهما كما عبّر في الصحيحة عن يوم المخالفة بيوم الاكتراء ، فكأنّهم تبعوا الرواية في هذا التعبير .

الثانية : أنّه لا اعتبار بزيادة القيمة بعد التلف على جميع الأقوال إلاّ أنّه تردّد فيه في الشرائع(4) ولعلّه كما قيل من جهة احتمال كون القيمي مضموناً بمثله ، ولكن التحقيق كما ذكرنا سابقاً أنّه لا فرق في اشتغال الذمّة بالعين بين المثلي والقيمي ، إلاّ أنّ القيمي إذا تلف ينتقل الضمان إلى القيمة ، قيمة يوم التلف على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) وقيمة يوم الغصب بمقتضى الرواية ، وأمّا زيادة القيمة بعد ذلك فلا تكون مضمونة ، إذ هي زيادة سوقية اعتبارية كما قلنا سابقاً . نعم لو قلنا بأعلى القيم كان للضمان وجه بناءً على ما ذكر سابقاً من بقاء العين بخصوصياتها النوعية في الذمّة إلى يوم الأداء إلاّ أنّه مخالف للصحيحة .

الثالثة : لو كان اختلاف القيمة بحسب اختلاف الأمكنة ذكر الشيخ (قدّس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقنعة : 593 .

(2) ، (3) حكى عنهما العلاّمة في المختلف 5 : 265 المسألة 233 .

(4) شرائع الإسلام 3 : 240 .

ــ[283]ــ

سرّه)(1) أنّ المناط بقيمة مكان التلف ، لأنّ العين إذا سقطت عن الذمّة فلابدّ من إبقاء شيء مقامه كأنّه لم يتلف وهو قيمة هذا المكان سواء كان القيمة في مكان الغصب أقلّ من هذا أو أكثر ، ولكنّه مخالف للرواية ، لأنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) « قيمة بغل يوم خالفته » من دون تعيين المكان أنّه لابدّ من قيمة يوم الغصب ومكان الغصب .

مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام) في ذيلها « أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا وكذا » يدلّ على ضمان قيمة مكان الاكتراء حيث إنّ المتعارف هو الاتيان بالشهود من بلد الاكتراء وشهادتهم بقيمة بلدهم والمفروض أنّ بلد الاكتراء متّحد مع مكان القبض في المقام والغصب في باب الغصب  .

الرابعة : إذا كان ارتفاع القيمة من جهة الزيادة المتّصلة في العين كما إذا كان المبيع يوم البيع مهزولا ثمّ صار سميناً فهل يضمن القيمة المرتفعة أو القيمة الاُولى ؟

لا إشكال في ضمان ارتفاع القيمة ، وذلك لأنّ هذه الزيادة لم تكن زيادة سوقية كي لا تكون مضمونة بل هي من الكمّ المتّصل والزيادة العينية ، فمقتضى ضمان العين ضمان هذه الزيادة أيضاً لأنّها مضمونة في كلّ يوم ، ومن الأيّام يوم ارتفاع القيمة بحدوث الزيادة ، وإنّما الكلام في تعيين قيمة تلك الزيادة هل هو بيوم ضمانها أو يوم فواتها أو أعلى القيم أو غير ذلك ؟ والظاهر كون العبرة بقيمتها يوم قبض العين فتقوّم العين واجدة لتلك الصفة يوم الاستيلاء عليها ، وذلك لأنّ الصفات لا تقابل بالمال عرفاً ، فلا معنى لتقويم الصفة مستقلا وقت حدوثها ، فإنّها تابعة للعين موجبة لزيادة ماليتها فتتبعها في التقويم أيضاً ، فتقوّم العين كما ذكرنا واجدة لتلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 256 .

ــ[284]ــ

الصفة يوم قبض العين وإن كان حدوث الضمان بالاضافة إلى الزيادة متأخّراً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net