3 ـ تعيين المالكين \ تعيين الموجب والقابل 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3453


ــ[311]ــ

      قوله (رحمه الله) : هل يعتبر تعيين المالكين(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بلحوق الاجازة ، فانّ عقده لا يفقد عدا شرط من شروط صحته وهو رضا المالك وإجازته فاذا تحقق ترتّب عليه الأثر لا محالة ، فلا معنى للقول بأنّ الفضولي غير قاصد للمعنى .

وأمّا ما يتوهّم من عدم قصدهما للامضاء الشرعي لعلمهما بعدم ترتبه على العقد الصادر منهما ففيه أوّلا : أنّ المكره كثيراً ما يتخيّل ترتّب الأثر شرعاً على بيعه الصادر عن إكراه ولذا يكره إنشاءه ، نعم قد يكون عارفاً بالحكم الشرعي ولكن عدم قصد الامضاء الشرعي غير ملازم للاكراه ، بل قد يتحقق ذلك في غير مورد الاكراه كما إذا اعتقد الأب جريان الربا بين الوالد والولد فأوقع المعاملة الربوية مع ولده لا بقصد الامضاء الشرعي ، وهكذا في بيع الفضولي فانه قد يقصد الامضاء الشرعي بزعمه أنه مالك للمبيع لشبهة موضوعية أو حكمية مثل ما إذا تخيّل عدم اختصاص الحبوة بالولد الأكبر فباع غيره حصّته منها ، فانّ البيع فضولي مع قصد الامضاء الشرعي .

وثانياً : نفرض عدم كون المكره والفضولي قاصدين للبيع الممضى شرعاً إلاّ أنّه أيّ أثر يترتّب على ذلك ، مع أنّه لا دليل على اعتباره أصلا كما أنّه ليس مقوّماً لحقيقة البيع . فتلخّص أنّ بيع المكره والفضولي لا يفقد سوى طيب النفس في الأوّل ورضى المالك في الثاني ، والشاهد عليه نفوذه بلحوق الاجازة وطيب النفس .

(1) هذه الجهة الثانية وهي اعتبار قصد من يقع عنه البيع وتعيينه ، سواء كان عن نفسه أو غيره ، ثمّ على فرض اعتباره هل يلزم تعريفه للمشتري أم لا ؟ وهكذا من طرف المشتري فيقال هل يلزم تعيين من يقع الشراء له وقصده وتعريف البائع به  ؟ وتفصيل الكلام فيه تارةً في البيع الشخصي واُخرى في البيع الكلّي .

ــ[312]ــ

أمّا البيع الشخصي فتعيّن المالك فيه ثبوتاً يغني عن تعيينه إثباتاً بالقصد أو باللفظ . وبعبارة اُخرى : اعتبار شيء في البيع لابدّ وأن يكون لأحد أمرين إمّا لدخالته في ماهيته وتقوّمها به ، وإمّا لقيام الدليل على اعتباره ، والمفروض فقدان كلا الأمرين في المقام ، فلا يقاس هذا بالنكاح الذي يعتبر فيه تعيين الزوجين لكونهما ركناً فيه ، بخلاف البيع فانّه بمعنى المبادلة بين المالين وليس للمالكين دخل في حقيقته أصلا ليلزم تعيينه .

ثمّ لو فرضنا قصد البيع أو الشراء لغير المالك فهل يصح أو لا ؟ فيه تفصيل ويتصوّر بحسب مقام الثبوت على صور ثلاثة :

الاُولى : أن يقصدا حقيقة البيع أعني انتقال الثمن إلى مالك المثمن وبالعكس غاية الأمر يجعل فائدة البيع لشخص ثالث ، وهذا متعارف ، مثلا يعطي أحد البزازين دراهم ليقطع ثوباً إلى ولده أو خادمه ، أو يعطي الثمن للخبّاز ويقول له أعط زيداً خبزاً .

الثانية : أن يقصدا حقيقة البيع ويقصدا نقضه أيضاً . وفي هاتين الصورتين يتحقق البيع ويحصل النقل والانتقال ، وقصد رجوع الفائدة إلى الغير أو قصد النقض لا أثر له بعد ذلك أصلا فتأمّل .

الثالثة : أن لا يكونا قاصدين للمبادلة أعني دخول الثمن في كيس من خرج المثمن منه وبالعكس ، بل يقصد دخوله في ملك شخص آخر ، وفي هذه الصورة يكون البيع فاسداً ، هذا كلّه في مرحلة الثبوت .

وأمّا مرحلة الاثبات فاذا ذكر ذلك في اللفظ بأن قال : بعتك ثوبي بدراهم عمرو لا يترتّب عليه الأثر ، لأنّه من قبيل الكلام المحتف بما يصلح للقرينية فلا يكون مبرزاً لحقيقة البيع .

وأمّا إذا كان الثمن والمثمن كلّياً فلا مناص من تعيين من يقع البيع عنه أو

ــ[313]ــ

يكون الشراء له ، لا من جهة اعتباره في نفسه بل لأنّ الكلّي لا يكون مالا قابلا للمملوكية ما لم يضف إلى ذمّة معيّنة ، فوقوع البيع عليه متوقف على ذلك .

ومن هنا يظهر أنّ قياس المقام ببيع أحد عبديه أو طلاق إحدى زوجتيه مع الفارق ، فانّ البيع أو الطلاق في المثالين إنّما يتعلّق بالموجود الخارجي بالغاء الخصوصيات الشخصية كما في بيع صاع من صبرة فانّ المبيع فيه ليس الكلّي الطبيعي وقد اشترط أداؤه من الصبرة خارجاً ليوجب تخلّفه الخيار ، بل المبيع هو الموجود الخارجي لكن الخصوصيات الشخصية ليست مورداً للبيع بل هي باقية في ملك البائع ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله ، فبيع أحد العبدين يكون المبيع فيه خارجياً لا كلّياً .

وحاصل الكلام في اعتبار تعيين البائع والمشتري أنّه قد يكون المبيع والثمن شخصيين وقد يكونان كلّيين ، أمّا إذا كانا شخصيين فالتعيين بقصد البائع والمشتري غير معتبر قطعاً ، لأنّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين وهي متحققة بقصد المبادلة بين المالين الشخصيين ولو لم يقصد من يقع البيع له ومن يقع الشراء له  ، نعم قد يقصد خلاف ذلك وهو وقوع البيع لغير البائع والشراء لغير المشتري كأن يقول : بعتك هذا ليكون الثمن ملكاً لعمرو ، فهل يحكم في مثل هذا بفساد البيع أو بصحته ولغوية قصد الخلاف ، أو يفصّل بين ما إذا ذكر ذلك في اللفظ فيفسد البيع وبين القصد المجرد فلا يبطل كما ذهب إليه التستري(1)؟ وجوه بل أقوال .

والتحقيق أنّ قصد الخلاف قد يرجع إلى عدم قصد حقيقة البيع والمبادلة بين المالين بل يكون المقصود الهبة فلا بيع حينئذ ليكون صحيحاً أو فاسداً ، والتعبير بفساد البيع مسامحة ، وقد لا يرجع إلى ذلك بأن يكون واقع البيع مقصوداً وهذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقابس الأنوار : 115 ـ 116 .

ــ[314]ــ

يتصوّر على صور :

إحداها : أن يقصد رجوع نتيجة البيع وفائدته إلى شخص آخر .

ثانيتها : أن يكون تمليكاً للغير بعد تحقق البيع ، ومن هذا القبيل شراء الوالد لولده والمولى لعبده ، ولا إشكال في صحته .

ثالثتها : أن يقصد الخلاف من باب الادّعاء وعقد القلب على كون غير المالك مالكاً تشريعاً ، ومن هذا القبيل بيع اللصوص والغاصبين ومن يتوكّل عنهم فانّه مبني على كون غير المالك مالكاً تنزيلا .

رابعتها : أن يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق مثل الوكيل عن غيره في بيع أمواله ، فتخيّل أنّ العين الفلانية مملوكة للموكّل فباعها له ثمّ ظهر كونها ملكاً لشخص آخر ، وفي هاتين الصورتين يتحقّق البيع للمالك غاية الأمر يتوقف نفوذه على إجازته .

وبما ذكرناه ظهر فساد التفصيل ، فان قصد الخلاف إن كان مخلا بقصد واقع المبادلة بين المالين كان البيع فاسداً ، سواء ذكر في اللفظ أم لم يذكر ، وإلاّ فلا يفسد على التقديرين .

ويلحق بالمبيع الشخصي ما إذا كان المبيع أو الثمن كلّياً في ذمّة شخص خاص وقصد البيع أو الشراء لشخص آخر ، فانّه يجري فيه الصور المذكورة ، هذا كلّه في الشخصي .

وأمّا الكلّي فلابدّ من تعيين البائع إذا كان المبيع كلّياً والمشتري إذا كان الثمن كلّياً ، ولا يصح البيع إذا اُضيف إلى واحد غير معيّن كأن يقول : بعتك منّاً من الحنطة في ذمّة أحد هؤلاء ، وعدم الصحة لا من جهة اعتبار التعيين في البيع بل من جهة أنّ الطبيعي لا مالية له إذا لم يضف إلى ذمّة معيّنة فلا يكون قابلا لوقوع البيع عليه .

ولا يقاس ببيع الكلّي في المعيّن فانّ مالك الشخص يكون مالكاً للكلي في

ــ[315]ــ

      قوله (رحمه الله) : وأمّا تعيين الموجب لخصوص المشتري(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمنه ، فكما له بيع الشخص له بيع الكلي في ضمنه لأنّه مال حقيقة ، وهذا بخلاف الطبيعي .

كما أنه لا يقاس ذلك بطلاق إحدى زوجتيه أو عتق أحد عبديه ، فانه مضافاً إلى كونهما منصوصين ، أنّ الواجد لزوجية الزوجتين واجد لزوجية الجامع بينهما ومالك العبدين مالك للجامع بينهما ، فله طلاق الجامع بين الزوجتين وعتق أحد العبدين واختيار إحدى الخصوصيتين بعد ذلك .

وهذا بخلاف الطبيعي فانه في مقام الثبوت إذا قصد إضافة الكلي إلى ذمّة معيّنة يكون قابلا لوقوع البيع عليه وإلاّ فلا ، وأمّا في مقام الاثبات إذا باع الكلي من دون إضافة إلى ذمة معيّنة أصلا يكون هو المطالب به ، لانصراف الاطلاق إلى ذمته  ، فيلزم هو به في مقام النزاع والترافع ، وليس هذا تفصيلا في مقام الثبوت كما تخيّله المحقق النائيني (قدّس سرّه)(1) بل هو انصراف في مقام الاثبات والنزاع ولذا يجري في طرف الثمن أيضاً ، وأمّا من حيث الثبوت فصحة البيع واقعاً وعدمها مبتنية على قصد الذمة المعيّنة وعدمه . هذا كلّه في تعيين البائع والمشتري في نفسه .

(1) لابدّ من التكلّم هنا في جهات لم يتكلّم المصنّف (قدّس سرّه) إلاّ في بعضها :

الجهة الاُولى : هل يلزم معرفة المشتري من يقع عنه البيع أنّه الموجب أو وكيله ومن هو الموكّل ، وهل يلزم أن يعرف البائع المشتري بمعنى أنّ القابل نفس المشتري أو وكيله أو لا يعتبر سوى تعيين البائع بحسب قصد الموجب والمشتري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 1 : 371 ـ 372 .

ــ[316]ــ

بحسب قصد القابل ؟ مقتضى إطلاق قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) وقوله (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2) هو الثاني ، لعدم قيام دليل على التقييد ، ولا فرق بين العقود التي يكون المتعاقدان فيها ركناً للعقد كالنكاح أو ] لا [ يكونان ركناً فيه كالبيع ، فيصح أن تزوّج المرأة نفسها لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو غيره المعيّن عنده ، وكذا لا مانع من أن يطلب القابل أن يهب المالك ماله لمن قصده سواء كان نفسه أو غيره المعيّن عنده وإن لم يكن معيّناً عند الواهب ، وهكذا في الوصية يوصي بماله لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو شخصاً آخر معيّناً عنده ، فانّ من الواضح كون المراد من ركنيّة الطرفين هو تقوّم العقد بهما لا لزوم تعيّن كل منهما عند الآخر .

الجهة الثانية : إذا قصد الموجب الايجاب لشخص المخاطب وقصد القابل القبول لغيره كموكّله فالظاهر فساده ، لأنّه يعتبر في العقد التطابق بين الايجاب والقبول بأن يرد القبول على ما ورد عليه الايجاب ، مثلا إذا زوّجت المرأة نفسها من الشخص المخاطب وقبل المخاطب التزويج لموكّله فلا يصحّ ، لأنّ ما ورد عليه القبول ] غير ما ورد عليه الايجاب [ وبالعكس ، وهكذا إذا باع أحد شيئاً بثمن في ذمة شخص المخاطب فقبل بثمن في ذمة موكّله لم يتحقق التطابق بين الايجاب والقبول .

نعم فيما إذا كان الثمن أو المبيع شخصياً وكان عدم التطابق من جهة الخطأ في التطبيق صح العقد ، كما إذا قصد البائع البيع لشخص المشتري بثمن شخصي باعتقاد أنه المالك له وكان المالك في الواقع موكّله صح البيع ، لأنّهما قصدا حقيقته وقصد خصوص المشتري إنّما كان من الخطأ فلا اعتبار به .

الجهة الثالثة : هي التي تكلّم فيها المصنّف (قدّس سرّه) وحاصلها : أنّه إذا لم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 1 .

(2) البقرة 2 : 275 .

ــ[317]ــ

يعلم أنّ الموجب قصد المخاطب بشخصه في مقام الايجاب أو قصد الأعم من شخصه أو كونه وكيلا عن الغير ، مثلا إذا قال الموجب : زوّجتك وقال القابل : قبلت لموكّلي فهل يجوز مثل هذا أو لا ؟ فصّل المصنّف (قدّس سرّه) بين العقود وحاصل ما ذكره : أنّ لفظ الخطاب وإن كان ظاهراً في المخاطب بشخصه إلاّ أنّه تبدّل ظهوره الأوّلي بظهور ثانوي في بعض العقود كالبيع لقرينة عامّة وهي عدم كون خصوصية البائع والمشتري ملحوظة فيه غالباً ، فقول الموجب بعتك يكون ظاهراً في إيجاب البيع للمخاطب أعم من كونه قابلا لنفسه أو لموكّله ، نعم في غير البيع من العقود كالاجارة أو الهبة أو النكاح يكون ظهور الخطاب باقياً على حاله ولم يتبدّل بظهور ثانوي .

والتحقيق أنّه تارةً يعلم أنّ الموجب قصد في الايجاب المخاطب بشخصه وحينئذ لا يجوز القبول لموكّله ، واُخرى يعلم أنّه قصد الأعم من كونه هو القابل لنفسه أو لموكّله وفي هذا يجوز القبول لنفسه أو عن موكّله . وثالثة لم يحرز قصده فلا يجوز القبول إلاّ لنفسه لا لموكّله .

وبعبارة اُخرى : لابدّ في صحة القبول عن الموكّل من إحراز كون الايجاب للمخاطب أعم من نفسه أو من موكّله ، وإلاّ فلا يصح القبول عن الموكّل ، لأنّ الشبهة مصداقية لا مفهومية ، لأنّ مفهوم البيع واضح مبيّن وهو المبادلة بين المالين والشبهة في كون الايجاب الخاص مع القبول عن الموكّل هل هو مصداق له أم لا فيكون التمسّك بالعام حينئذ من التمسك به في الشبهة المصداقية .

الجهة الرابعة : أنّ الموجب إذا قصد الايجاب لموكّل المخاطب فهل يجوز له الايجاب بلفظ الخطاب ، كأن يقول : بعتك ويقصد البيع لموكّله ، أو يقول : زوّجتك ويقصد التزويج لموكّله ؟ الظاهر عدم صحة ذلك إلاّ فيما إذا كان للفظ ظهور عرفي في المنشأ لأنّه يعتبر في العقد أمران : الاعتبار النفساني وإبرازه خارجاً بما هو مبرز له وأمّا ما لا يكون في العرف مبرزاً له كابراز المبادلة بين المالين بلفظ ضربت فلا يصح




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net