إكراه أحد الشخصين - صور الاكراه من حيث تعلّقه بالمالك أو العاقد 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4376


ــ[338]ــ

      قوله (رحمه الله) : ثمّ إنّ إكراه أحد الشخصين ... الخ(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختارها ، إلاّ أنّك عرفت فساد المبنى .

(1) إكراه أحد الشخصين أو الأشخاص يكون نظير الواجب الكفائي الذي ذكرنا تعلّق الوجوب فيه بالجامع بين الشخصين أو الأشخاص ، ففي إكراه أحد الشخصين أيضاً يكون متعلّق الاكراه هو الجامع بينهما ، وهو تارةً يكون في مورد الأحكام التكليفية ، واُخرى في الأحكام الوضعية . وعلى الثاني تارة يكون المكره عليه متعدّداً مع قطع النظر عن المصدر ، واُخرى يكون تعدّده بلحاظ المصدر فالأقسام ثلاثة :

أمّا القسم الأوّل : أعني إكراه أحد الشخصين على فعل محرّم ، فالظاهر أنّه لا يرفع الأثر التكليفي ـ أي الحرمة ـ عن فعل كل منهما ، إلاّ إذا اطمأنّ بأنّ الآخر لا يأتي به ، أو احتمل ذلك احتمالا عقلائياً لخوف الضرر على تركه ، وذلك لأنّ التكليف ينحلّ إلى تكاليف عديدة بحسب أفراد المكلّفين ، ويكون لكل منهم تكليف مغاير لتكليف الآخر أجنبي عنه ، ولا يسقط التكليف عن كلّ منهما إلاّ إذا اطمأنّ بالضرر فانّه حجّة ، أو احتمله احتمالا عقلائياً ، وإلاّ فإذا احتمل أنّ الآخر يرتكبه لكونه غير مبال بالدين مثلا بحيث ارتفع عنه خوف الضرر على الترك ، فالتكليف المتعلّق به باق لابدّ له من امتثاله ولا يجوز مخالفته .

وأمّا القسم الثاني : وهو ما إذا تعلّق الاكراه بالجامع بين الشخصين في الوضعيات مع فرض تعدّد المكره عليه في نفسه ، كما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على بيع داره ، فانّ بيع كل من الدارين في نفسه يغاير بيع الدار الآخر ، وهذا القسم يكون ملحقاً بالقسم الأول ، فانّ كلا منهما إن احتمل احتمالا عقلائياً رافعاً للخوف صدور البيع من الآخر ومع ذلك أقدم على بيع داره فلا محالة يكون بيعه بطيب

ــ[339]ــ

      قوله (رحمه الله) : واعلم أنّ الاكراه قد يتعلّق ... الخ(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نفسه  ، ولا يكون صادراً عن خوف الضرر فيكون صحيحاً ، وأمّا إذا لم يحتمل ذلك  ، أو احتمله ولم يكن احتمالا رافعاً للخوف ، فيكون العقد الصادر منه مستنداً إلى الخوف فيكون فاسداً .

وأمّا القسم الثالث : وهو الفرض مع اتّحاد المكره عليه في نفسه وكون تغايره بلحاظ تغاير المصدر ، كما إذا اُكره أحد الوكيلين على بيع دار موكّله الشخصية ، فانّ المكره عليه حينئذ يكون أمراً شخصياً خارجياً والاختلاف يكون من ناحية مُصدر بيع الدار الشخصية ، أو نفرض تعلّق الاكراه بما يعم الوكيلين والموكّل .

والظاهر ارتفاع الأثر عن العقد في هذا القسم على جميع التقادير ، وذلك لأنّ موضوع الأثر فيه ليس هو العقد الصادر عن الوكيل بمعناه المصدري ، وإنّما هو العقد المستند إلى الموكّل بالمعنى الاسم المصدري ، والعقد بهذا المعنى ـ أي العقد المستند إلى الموكّل ـ لا يكون صادراً عن طيب النفس ، بل يكون صادراً عن إكراه ولو لم يكن بمعناه المصدري كذلك .

وبعبارة اُخرى : مورد الامضاء الشرعي هو العقد الصادر عن الجامع بين الوكيلين لا عن خصوص كل منهما ، والمفروض كون العقد الصادر عن الجامع مكرهاً عليه ، فيكون فاسداً سواء علم المُصدر بعدم إقدام الآخر عليه أو احتمله أو علم بخلافه .

(1) صور المسألة ثلاثة : لأنّه قد يتعلّق الاكراه بالمالك العاقد كما هو الغالب وقد يتعلّق بالمالك دون العاقد ، وقد ينعكس الأمر فيتعلّق الاكراه بالعاقد دون المالك  .

أمّا الصورة الاُولى : فقد تقدّم الكلام فيها وأنّ الاكراه فيها رافع للأثر

ــ[340]ــ

سواء كان وضعياً أو تكليفياً على تفصيل تقدّم .

وأمّا الصورة الثانية : كما إذا اُكره المالك على توكيل غيره في بيع داره ، وبعد تحقق الوكالة باعها الوكيل باختياره وطيب نفسه ، فالاكراه فيها لا محالة يكون في التوكيل فيكون فاسداً . فان حصل للمالك طيب النفس بالوكالة في أثناء الاكراه ووقوع العقد ، فتصح الوكالة بناء على صحّة العقد الصادر عن إكراه إذا لحقه طيب نفس مالكه ، فتنفذ معاملة الوكيل مطلقاً ، وإلاّ فتكون المعاملة الصادرة عن الوكيل فضولية ، فان كانت قابلة للحوق الاجازة بها ولحقته الاجازة صحّت كما في العقود
وأمّا إذا لم تكن قابلة بأن كانت إيقاعاً ، كما إذا اُكره الزوج على توكيل غيره في طلاق زوجته فوكّله فطلّقها اختياراً ، فانّهم ادّعوا الاجماع على بطلان الايقاع الفضولي وعدم قابليته للحوق الاجازة به ، وإن كان مشمولا لدليل صحّة الفضولي على ما سيأتي الكلام فيه ، فلا محالة تكون فاسدة لا يترتّب عليها الأثر ، وهكذا إذا كانت قابلة للاجازة ولكن لم يجزها المالك .

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا تعلّق الاكراه بالعاقد دون المالك ، وفي هذه الصورة تارةً يكون المكره ـ بالكسر ـ هو المالك ، واُخرى يكون غيره ، وعلى الثاني تارةً يكون المكره ـ بالفتح ـ وكيلا عن المالك للعقد واُخرى يكون شخصاً أجنبياً عنه .

أمّا إن كان المكره هو المالك كما إذا أكرهت المرأة عالم البلد على تزويج نفسها لشخص خاصّ ، أو أكرهه المالك على بيع داره ، فالظاهر هو الصحة ولا يترتّب الأثر على الاكراه ، وذلك لعدم شمول شيء من أدلّة رفع الأثر عن الاكراه للمقام .

أمّا قوله سبحانه (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(1) فلأنّه إنّما يعتبر التراضي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 29 .

 
 

ــ[341]ــ

في التجارة ، ولا تصدق التجارة على فعل مُجري الصيغة ليعتبر صدوره عن طيب نفسه ، والمعتبر فيها على ما استظهرناه من الآية رضا المالك ومن بمنزلته من الولي والوكيل دون غيره ، والمفروض تحققه في المقام .

وأمّا النبوي وهو قوله (صلّى الله عليه وآله) : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه »(1) فهو وإن كان شاملا للتصرفات الاعتبارية مثل النقل والانتقال لأنّ حذف المتعلّق يفيد العموم ، إلاّ أنّ المعتبر في الحلّ طيب نفس من له المال دون غيره  .

وأمّا حديث الرفع فلأنّه لا يعم إلاّ ما يكون مورداً للوضع لولا الاكراه أو الاضطرار ، وفعل مجري الصيغة بنفسه ليس موضوعاً للأثر فتأمّل .

وبعبارة اُخرى : ليس في رفع الأثر في الفرض منّة على المالك ـ فتأمّل ـ ليعمّه حديث الرفع الذي عرفت وروده في مقام الامتنان .

وأمّا إن كان المكره غير المالك وكان المكره ـ بالفتح ـ أجنبياً ، فلا أثر لإكراهه لعين البيان المتقدم ، فيكون العقد الصادر منه فضولياً يصح إذا كان قابلا للحوق الاجازة به ولحقته ، وإلاّ فيفسد .

وأمّا إن كان المكره ـ بالفتح ـ وكيلا مفوّضاً من قبل المالك ، فقد استشكل فيه صاحب المسالك(2) وذهب فيه إلى فساد العقد .

والتحقيق : أنّ الوكيل المفوّض يكون لطيب نفسه ورضاه موضوعية في صحّة العقد ولذا يصح منه العقد ولو كان معزولا ما لم يصل إليه عزله ، لكن بما أنّه بدل تنزيلي عن الموكّل .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 (مع اختلاف يسير) .

(2) المسالك 9 : 23 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net