أدلّة صحّة بيع الفضولي للمالك 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الاول : البيع-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5793


بيع الفضولي للمالك

أمّا المسألة الاُولى : فهي المتيقّن من مورد الحكم بصحة الفضولي كما ذكره المصنف (رحمه الله)(1) والمشهور بين القدماء فيها هو الصحة ، وقد خالف فيها بعض المتأخّرين كالأردبيلي(2) والسيد الداماد(3)، ويدل على صحته عموم قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(4) وإطلاق قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(5)، فانّا ذكرنا أنّ الخطاب فيهما إلى الملاّك لا إلى غيرهم ، فلابدّ وأن يكون البيع مستنداً إلى المالك ليعمّه العموم أو الاطلاق ، إلاّ أنّه لا يختص بما إذا كان العقد مستنداً إلى المالك حدوثاً ، بل يعم ما إذا كان مستنداً إليه ولو بقاء ، ومن الظاهر أنّ التصرفات الاعتبارية ليست كالأفعال الخارجية التي لا تستند إلى غير الفاعل بالاذن ولا بالاجازة كالأكل أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 349 .

(2) مجمع الفائدة 8 : 158 .

(3) ضوابط الرضاع (كلمات المحققين) : 56 .

(4) المائدة 5 : 1 .

(5) البقرة 2 : 275 .

ــ[379]ــ

      قوله (قدّس سرّه) : بقضية عروة البارقي(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرب فانّه لا يكون أكل الآذن لاذنه فيه ، بل هي قابلة للاستناد إلى المالك إمّا حدوثاً كما في عقد الوكيل وإمّا بقاءً كما في العقد الفضولي إذا لحقه إجازة المالك ، فانّه أمر له استمرار وبقاء قابل للحوق الاجازة به ، فيكون بقاءً عقد المالك ، فيعمّه العموم والاطلاق .

والظاهر أنّ هذا مراد المصنف من قوله : وهو مدفوع بالأصل ، أي الأصل اللفظي ، أعني أصالة العموم أو أصالة الاطلاق لا الأصل العملي ، إذ ليس في المقام أصل عملي يقتضي نفي اعتبار مقارنة الاذن للعقد ، بل الأصل العملي يقتضي الفساد  .

وبالجملة : فنفس العموم أو الاطلاق كاف في صحة العقد الفضولي إذا لحقه الاجازة من دون حاجة إلى التمسك بدليل خاص.

(1) استدل على صحة الفضولي بروايتين : إحداهما رواية عروة البارقي(1)فانّ بيعه كان فضولياً بلا إشكال كما أفاد المصنف(2)، ويحتمل كون شرائه أيضاً فضولياً ، فانّ ما أذن النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه إنّما كان شراء شاة واحدة لا شاتين  ، فشراؤهما يكون فضولياً لا محالة .

وقد اُجيب عنه : بأنّ المأذون فيه إنّما كان شراء طبيعي الشاة لا خصوص الواحدة كما ذكره السيد في حاشيته(3)، ولكن الظاهر أنّ المأذون فيه إنّما كان الشاة الواحدة للاُضحية لا جنس الشاة ، إلاّ أنّه مع ذلك لم يكن الشراء فضولياً ، لأنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 14 : 245 / كتاب التجارة ب18 ح1 .

(2) المكاسب 3 : 351 .

(3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 135 .

ــ[380]ــ

شراء الشاة الواحدة بدينار كان مأذوناً فيه بالمطابقة وشراء الشاتين بدينار بالالتزام أو بالأولوية فتأمّل ، فالشراء لم يكن فضولياً .

وقد ذكر المصنف أنّ الاستدلال بها مبني على أن يكون العقد المقرون برضا المالك داخلا في الفضولي ، لأنّ ظاهر تقرير النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ قبض عروة وإقباضه لم يكن حراماً ، فلابدّ إمّا من الالتزام باقتران البيع والقبض والاقباض برضا المالك ، أو القول بجواز التصرف في البيع الفضولي إذا علم عروة بلحوق الاجازة أو علم برضا النبي باقباض ماله للمشتري حتّى يستأذن ، وكون دفع الثمن من المشتري على نحو استئمان البائع ، ثمّ اختار أنّ الظاهر هو الأول ، فيكون الاستدلال بها مبنيّاً على ما ذكره .

ونقول : يرد على الاستدلال بهذه الرواية :

أوّلا : انّها ضعيفة السند لأنّها عامية مروية من طرقهم ، ولم يعلم استناد الأصحاب إليها ، فانّهم وإن ذكروها في مقام الاستدلال على صحة عقد الفضولي من الشيخ(1) ومن تأخّر عنه ، إلاّ أنّ اعتمادهم عليها في مقام العمل والفتوى غير ثابت ، لأنّهم ذكروها في جملة الأدلّة ، وكثيراً ما تذكر رواية عامية في ضمن الأدلّة للتأييد ونحوه من غير اعتماد عليها .

وثانياً : أنّها قضية خارجية ، ومن المحتمل أنّ عروة كان وكيلا مفوّضاً من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله) ففعله خارج عن الفضولي.

ثانيتهما : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال : «  قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه غلاماً فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع النهاية : 385 .

 
 

ــ[381]ــ

فقال : وليدتي باعها ابني بغير اذني ، فقال (عليه السلام) : الحكم أن يأخذ وليدته وابنها ، فناشده الذي اشتراها ، فقال له : خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك ، فلمّا رآه أبوه قال له  : ارسل ابني . قال : لا والله لا ارسل ابنك حتّى ترسل ابني
فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز البيع »(1).

وقد استدل بها على صحة الفضولي بالاجازة ، وهي من حيث السند صحيحة لا بأس بها، وإنّما الكلام في دلالتها، فانّه ربما يقال : إنّها غير معمول بها في موردها ـ وهو الاجازة بعد الرد ـ فانّها فاسدة إجماعاً ، فلابدّ من ردّ علمها إلى أهلها  ، والشاهد على الرد فيها اُمور ثلاثة : الأول أخذ الوليدة وابنها ، بل وحكمه (عليه السلام) به على نحو الاطلاق ، فانّه ظاهر في رد البيع عرفاً . الثاني : مخاصمته إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا معنى له لولا الردّ . الثالث : مناشدة المشتري له (عليه السلام) ، فانّه أيضاً ظاهر في ردّ البائع وأنّ المشتري طلب من الامام (عليه السلام) علاجاً لردّه .

ولكن الظاهر عدم الدلالة في شيء منها على الردّ ، لأنّ الردّ إنّما هو بمعنى حل العقد ، وهو غير الكراهة ، ولابدّ له من مبرز ، وليس أخذ الوليدة وابنها مبرزاً لحل العقد ، بل هو أعمّ منه ، فانّها ما لم يتحقق الاجازة تكون باقية في ملك المالك الأوّل  ، فله أن يأخذ ماله حتى يتأمّل في الرد والاجازة ، فان ردّ فهو وإن أجاز يرد المال إلى المشتري ، واطلاق حكمه (عليه السلام) بالأخذ تكون من هذه الجهة . وهكذا المخاصمة فانّها إنّما كانت من جهة بقاء المال على ملك المالك الأول فأراد استنقاذها من المشتري حتى يتأمّل في أنّ صلاحه في الرد أو في الاجازة . وأمّا مناشدة المشتري للامام (عليه السلام) فيمكن أن يكون من جهة علاج عدم الاجازة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 203 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب88 ح1 (مع اختلاف) .

ــ[382]ــ

لا الردّ ، فسأل الامام أن يعلّمه طريقاً لأن ينتهي الأمر إلى إجازة المالك ، فاذن ليس مورد الرواية الاجازة بعد الردّ .

والحاصل : أنّ الصحيحة ليس فيها أدنى ظهور في أنّ الاجازة بعد الردّ وذلك لأنّ الردّ ليس مجرد عدم الرضا وإنّما هو بمعنى حلّ العقد نظير الفسخ ، فلابدّ فيه من مبرز إمّا لفظ صريح أو فعل يكون لازماً مساوياً للردّ ، كما أنّ الفسخ بالفعل أيضاً لا يكون إلاّ بفعل مساو له ، مثلا إذا باع المالك لنفسه في المجلس ماله لشخص آخر ثانياً فانّه لازم مساو لفسخ البيع الأوّل ، وهكذا إذا وطىء الأمة التي باعها في زمان الخيار فانّه مساو للفسخ فيكون فسخاً ، وهكذا في الرجوع فانّ النظر إلى المطلّقة بما لا يجوز النظر إليها لغير الزوج أو وطأها يكون لازماً مساوياً للرجوع فيدلّ عليه بالالتزام .

وأمّا إذا لم يكن الفعل لازماً مساوياً لذلك فلا يكون مصداقاً له ، وفي الصحيحة ليس شيء من الأفعال الثلاثة لازماً مساوياً للردّ بل كلّها لازم أعمّ له فانّها لازم لعدم الرضا ، فليس فيها دلالة التزامية على الردّ . أمّا الأخذ فلأنّه يمكن أن يكون من جهة عدم رضاه بالبيع ، وكون الوليدة باقية في ملكه ولا يرضى ببقائها تحت يد الأجنبي ، وهكذا المخاصمة . وأمّا مناشدة المشتري فيحتمل أن يكون طلباً لعلاج عدم رضا السيد بالبيع ، فليس في هذه الاُمور دلالة على الرد لتكون الاجازة بعد الردّ.

والمصنّف حيث سلّم ظهورها في الردّ قرّب الاستدلال بالصحيحة بوجه آخر وحاصل ما أفاده : هو أنّ الاستدلال ليس بالحكم الشخصي وهو الاجازة بعد الردّ ليكون التعدّي منحصراً بما يساويه في الخصوصيات وهو الاجازة المسبوقة بالردّ والمفروض قيام الاجماع على عدم نفوذها فلا يمكن ذلك ، بل الاستدلال يكون بذيل الصحيحة ، أعني قوله (عليه السلام) « فلمّا رأى ذلك سيد الوليدة أجاز البيع »

ــ[383]ــ

الصريح في صحة بيع الفضولي بلحوق الاجازة ، وإن لم يمكن تطبيق ذلك على مورد الصحيحة .

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ الرواية إن كانت مشتملة على عموم أو إطلاق يستفاد منها كبرى كلية ولم يمكننا تطبيقها على المورد أمكن القول بأنّ الاستدلال ليس بالحكم الشخصي الثابت للمورد ، وإنّما يستدلّ بالكبرى الكلّية فيما ليس من قبيل المورد وإن لم يعرف تطبيقها عليه نظير ما ورد في رواية ابن بكير التي سأل فيها الامام عن السنجاب والسنّور والفنك ، فأخرج كتاباً باملاء رسول الله وفيه ما حاصله : « إنّ الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه وشعره وجلده وكلّ شيء منه غير جائز ولا يقبل الله تلك الصلاة حتّى يصلّيها في غيره ممّا أحلّ الله أكله »(1) فانّ الصلاة في السنجاب جائز قطعاً ، فالكبرى لا تعم موردها ، إلاّ أنّه يمكن التمسك بها لغير ذاك المورد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أصل الرواية على ما في الوسائل هكذا :

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير قال : «  سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أنّ الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد ، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله . ثمّ قال : يازرارة هذا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاحفظ ذلك يازرارة فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي وقد ذكّاه الذبح ، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد ، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه » [ الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح1 ] . والكبرى المذكورة في هذه الرواية إنّما لا تنطبق على موردها ـ أعني السنجاب ـ لو فرض كون السنجاب ممّا يحرم أكله ومع ذلك يجوز الصلاة فيه ، وإلاّ فهي منطبقة على موردها كما هو واضح .

ــ[384]ــ

وأمّا إذا لم تكن الرواية مشتملة على عموم ولا على إطلاق وإنّما كانت مشتملة على حكم شخصي ولم يكن معمولا بها في ذاك المورد وأمثاله فليس هناك حكم آخر يتمسك به ، والمقام من هذا القبيل فانّ ما ذكر في الصحيحة ليس إلاّ حكم القضية الشخصية ـ أعني بيع الوليدة بتلك الخصوصيات ـ فإذا لم تكن معمولة بها في ذلك المورد وما يساويه ليس فيها عموم أو إطلاق يتمسك به ، هذا .

ولكن عرفت أنّه ليس فيها أدنى ظهور في الرد ، فلا تصل النوبة إلى هذه التطويلات أصلا ، كما لا مجال حينئذ لما ذكره السيد في حاشيته(1) من التمسك بالصحيحة في موردها والحكم بجواز الاجازة بعد الرد إذا كان فعلياً ، وذلك لأنّ دليل عدم نفوذ الاجازة بعد الرد إنّما هو الاجماع ، وهو دليل لبّي لابدّ من الاقتصار فيه على المتيقّن ، وهو ما إذا كان الردّ قولياً دون ما إذا كان فعليّاً لدلالة هذه الصحيحة على جوازها .

نعم يرد عليه إشكالان :

أحدهما : أنّ ظاهر الصحيحة أنّ المشتري لم يكن عالماً بأنّ البائع ـ وهو ابن السيد ـ فضولي ، لقول السيد : وليدتي باعها إبني بغير اذني ، فانّه مشعر بعدم كون المشتري عالماً بذلك ، كما أنّ عدم تعرض الامام (عليه السلام) لجهة كون المشتري زانياً من إقامة الحد عليه أو طلب الشهود على ذلك أيضاً شاهد على جهله بالحال وأنّه اعتمد على يد ابن المولى ، فانّها أمارة الملكية أو الوكالة إذا علم عدم كونها مالكية ، وعليه فيكون الولد حرّاً لأنّه من الوطء بالشبهة ، وإذا كان حرّاً لا وجه لحكمه (عليه السلام) بأخذه .

وتوهّم أنّ حبس الولد إنّما كان لامتناع المشتري من دفع قيمته إلى السيد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 135 .

ــ[385]ــ

فانّه الذي أتلفه عليه فيستحق قيمة مثله يوم الولادة ، كما يظهر من بعض كلمات المصنّف(1) وصرّح به الميرزا(2) مدفوع أوّلا : بأنّه لو قلنا بأنّ المديون يحبس إذا تسامح في أداء الدَين فهو الذي يحبس ، ولا وجه لحبس حرّ غيره كالولد مع أنّه ليس بمجرم أصلا . وثانياً : نفرض إمكان حبس الولد الحر لتسامح والده في أداء دَينه إلاّ أنّه عليه لا يكون الامام (عليه السلام) مبيّناً حكم المسألة في الصحيحة ، فانّ حكم السؤال كان أخذ الوليدة وأخذ قيمة الولد ، وأمّا حبسه عند امتناع المشتري من الدفع فهو حكم آخر لم يكن مسؤولا عنه في الرواية .

ثانيهما : ما بيّنه الامام (عليه السلام) للمشتري من أنه يأخذ ابن السيد ، فانّه أيضاً لا وجه له . وتوهم أنّ حبسه كان من جهة قبضه الثمن ـ كما هو المتعارف في أغلب البيوع الفضولية ـ وإتلافه إيّاه ، مدفوع أوّلا : بأنّه عليه كان اللازم أن يحكم (عليه السلام) ابتداءً بأنه يطالبه بالثمن وبما يغرمه للسيد من قيمة الولد ، وإذا تسامح عن الدفع يحبسه . وثانياً : أنّه مخالف لقول المشتري عندما طالبه السيد بارسال ابنه « لا والله لا أرسل ابنك حتى ترسل إبني » فانّه صريح في أنّ حبسه لم يكن من جهة دفع الثمن وإنّما كان من جهة أن يجيز السيد البيع ، ولم نعرف لذلك وجهاً ، ولعل القضية لم تنقل بتمامها إلينا وكان فيها خصوصيات تقتضي أخذ الولد ، وكيف ما كان لا يضر عدم فهمنا لذلك بالاستدلال ببقية جملات الصحيحة على صحة الفضولي بالاجازة  ، وذلك واضح .

وممّا استدل به على صحة بيع الفضولي قوله (عليه السلام) في نكاح العبد بدون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 354 .

(2) منية الطالب 2 : 14 .

ــ[386]ــ

إذن سيده « إنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيده فإذا أجاز جاز »(1) وقد ركن إليه المحقق النائيني(2) بدعوى أنّ المستفاد منه الكبرى الكلّية وهي أنّ سبب عدم نفوذ العقد إن لم يكن عصيان الله تعالى كالنكاح في العدّة بل كان عدم رضا السيد أو من هو بمنزلة السيد كالمالك ينفذ بلحوق الاجازة منه ، والعصيان في بيع الفضولي ليس إلاّ عصيان المالك ، فينفذ إذا أجاز .

وفيه : أنّه إن استند عقد الفضولي إلى المالك بالاجازة اللاحقة ، وشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(3) الذي هو خطاب إلى الملاّك ، فلا حاجة إلى التمسك بهذه الرواية وأمثالها ، وإلاّ فلا يمكن الاستدلال بها أيضاً ، لأنّ غاية مفادها إنّما هي كفاية الرضا المتأخّر فيما إذا كان العقد بنفسه مستنداً إلى من يلزم الاستناد إليه ، ولكنّه كان فاقداً لرضا من يعتبر رضاه فيه كما في مورد الرواية فنتعدّى إلى أمثاله كالتزويج ببنت أخي الزوجة أو بنت اُختها حيث اعتبر رضاها المتأخّر أو الاجازة المتأخّرة .

وبعبارة اُخرى : غاية مفاد الرواية أنّ الاجازة المتأخّرة من السيد تكفي في حصول الرضا ، لا أنّها تكفي في استناد العقد إلى من يلزم استناده إليه .

وممّا استدلّ به على الصحة أيضاً : الأخبار الواردة في إباحة الخمس للشيعة وهي كثيرة : منها ما ورد(4) في غنائم الحرب وشراء الجواري منها ، فانّها إمّا ملك للامام (عليه السلام) بتمامها إذا لم يكن الحرب باذنه ، وإمّا للامام فيها الخمس إذا كان الحرب باذنه ، وعلى أي تقدير أباح الامام ذلك لشيعته لطيب ولادتهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب24 ح1 (مع اختلاف يسير) .

(2) منية الطالب 2 : 15 .

(3) المائدة 5 : 1 .

(4) الوسائل 9 : 552 / أبواب الأنفال ب4 ح20 .

ــ[387]ــ

ومنها : ما ورد(1) في المساكن والمتاجر ، أي ما يشتريه الشيعي ممّن لا يعتقد بالخمس وقد ورد في بعضها ما مضمونه « إنّا ما أنصفناكم إن كلّفناكم اليوم » أي الوقت الذي لم يتمكّنوا من استنقاذ أموالهم من الناس لعدم وصول الخلافة الظاهرية إليهم ، فانّ تكليف الشيعة حينئذ بأداء الخمس ممّا يشترونه من العامّة خلاف الانصاف .

وكيف كان ، هذه الأخبار بعضها صادرة عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي بعضها تصريح بعدم اختصاص الاباحة بامام دون إمام ، فيستفاد منها صحة المعاملات الواقعة على أموالهم (عليهم السلام) فضولة وبغير إذنهم .

ونقول : الاستدلال بهذه الأخبار يصح على تقدير ولا يصح على تقدير آخر  ، فانّه إن قلنا بخروج العقد عن عنوان الفضولي إذا كان مسبوقاً بالرضا المبرز مع عدم وصوله إلى العاقد فلا محالة تكون مورد هذه الأخبار خارجاً عن الفضولي  ، وأمّا إن قلنا بأنّ الخروج عن الفضولية متقوّم باستناد العقد إلى المالك وهو متقوّم بالاذن ـ أعني وصول الرضا المبرز إلى العاقد ولا يكفي في ذلك مجرد الابراز كما لا يكفي فيه الرضا النفساني المجرد عن المبرز ـ فالاباحة في الأخبار تدل على المقصود ، والظاهر هو الثاني ، لأنّ الاستناد إلى غير العاقد إنّما يكون فيما إذا وقع العقد عن إذن المالك ومستنداً إليه ، وأمّا إذا فرض أنّ المالك رضي بالعقد بل وكّل غيره في بيع داره مثلا وأبرز ذلك لأهله ولكن قبل وصول ذلك إلى الوكيل باع الدار فضولة لعدم مبالاته ، لا يقال عرفاً إنّ المالك باع داره بمجرد رضاه المبرز مع عدم وصوله إلى العاقد ، وعليه يكون شراء ما تعلّق به حق الامام (عليه السلام) أيضاً من الفضولي وتكون الاباحة بمنزلة الاجازة المتأخّرة ، فيمكن التمسك بهذه الأخبار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 545 / أبواب الأنفال ب4 ح6 .

ــ[388]ــ

على الفضولي .

وممّا يستدلّ به أيضاً ما ذكره المصنف بقوله : وربما يستدل أيضاً بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي الخ(1) وقد ورد في بعض الأخبار صحة تزويج الولي العرفي كالاُمّ لابنه أو الأخ لأخيه أو العم لابن أخيه إلى غير ذلك إذا أجازه الزوج بعد ذلك(2) ومن الظاهر أن لا خصوصية للولي العرفي ، فلا وجه لما نسب إلى ابن حمزة(3) من القول بصحة تزويج الولي العرفي كالولي الشرعي ، وعليه فإذا صحّ تمليك البضع بالاجازة اللاحقة مع أهميته ـ لأنّه يكون منه الولد كما صرّح به في بعض الأخبار(4) وهو أولى بمراعاة الاحتياط فيه ـ فتمليك المال يصح بطريق أولى  .

وفيه : أنّ أهمية النكاح من سائر المعاملات غير قابلة للانكار كما صرّح به في جملة من الأخبار ، فانّ قوام العالم به ولذا رغّب فيه الشارع وحذّر عن مقابله وهو الزنا ، إلاّ أنّ الكلام في أنّ أهمية المسبّب يوجب التضييق في سببه أو التوسعة فيه ، فانّ المناسب للأمر المهم المرغوب فيه أن يوسّع في سببه ليسهل الوصول إليه لكل أحد ، لا أن يجعل سببه ضيّقاً ، فانّه مناسب للأمر المكروه للشارع ، كالطلاق الذي هو مزيل للنكاح ولذا ضيّق في سببه من جهات ، ألا ترى أنّ سبب النكاح لو خص باللفظ العربي الفصيح باللهجة العربية لما أمكن الوصول إليه لجملة من أهل القرى والبرّ ، بخلاف ما إذا اكتفي بكل لغة . وعليه فالتوسعة في سبب النكاح لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 356 .

(2) الوسائل 20 : 280 / أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ب7 ح3 ، والصفحة 293 الباب  13 ح3 ، وغيرهما .

(3) الوسيلة : 300 .

(4) الوسائل 20 : 258 / أبواب مقدّمات النكاح ب157 ح1 ، 3 .

ــ[389]ــ

يستلزم التوسعة في سبب البيع الذي ليس بتلك المرتبة من الأهمية ، ولذا لم يرغّب فيه شرعاً  ، فالأولوية ممنوعة .

والمصنف (رحمه الله) بما أنّه مسلّم للأولوية جعلها معارضة بالنص الوارد في الردّ على العامّة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل وبين بيعه بالصحة في الثاني دون الأوّل ، لأنّ المال له العوض بخلاف البضع ، قال (عليه السلام) في ردّهم « سبحان الله ما أجور هذا الحكم وأفسده ، فانّ النكاح أولى وأجدر أن يحتاط فيه لأنّه الفرج ومنه يكون الولد »(1) فانّه (قدّس سرّه) زعم أنّ المراد بالاحتياط في النكاح هو الحكم بصحته دون البيع ، فيمكن أن يصح النكاح في مورد دون البيع بعكس الأولوية ، فصحّة البيع بدون إذن المالك تستلزم صحة النكاح بدون إذن الزوج دون العكس .

نعم عليه إذا قام دليل على بطلان التزويج بدون إذن الزوج يدلّ بالأولوية على بطلان البيع بدون إذن المالك أيضاً ، فتنعكس الأولوية بمقتضى هذه الرواية .

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ حكم العامّة بصحة البيع في مفروض الرواية لم يكن مبنيّاً على الاحتياط ، فانّ الاحتياط فيه من حيث الفتوى إنّما يقتضي التوقف عن الحكم بكل من الصحة والفساد ، لأنّ كلا منهما مبني على وجوه استحسانية ، فهو من مصاديق قوله تعالى (قُلْ أَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(2). وأمّا من حيث العمل فالأمر دائر بين محذورين ، لأنّ كلا من الثمن والمثمن يدور أمره بين أن يكون ملكاً للمشتري أو ملكاً للبائع ، فليس الحكم بأحد الطرفين موافقاً للاحتياط ، وإنّما الاحتياط يقتضي الصلح باقالة أو بيع جديد أو نحو ذلك ، كما أنّ الحكم ] في النكاح [

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 163 / كتاب الوكالة ب2 ح2 .

(2) يونس 10 : 59 .

ــ[390]ــ

      قوله (قدّس سرّه) : ربما يؤيّد صحة الفضولي بل يستدلّ عليها(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصحته أيضاً ليس موافقاً للاحتياط ، وهكذا الحكم بفساده .

أمّا من حيث الفتوى فواضح ، وأمّا من حيث العمل فلأنّ القول بالصحة إذا لم يطابق الواقع يوجب الوقوع في الزنا ، والقول بالبطلان مستلزم لجواز تزويج المرأة نفسها للغير ، فإذا خالف الواقع لزم منه الزنا بذات البعل ، فالاحتياط يقتضي تجديد عقد النكاح أو الطلاق .

وعليه لا يمكن أن يراد بكون النكاح أجدر وأحرى بالاحتياط من البيع الأولوية من حيث الحكم بالصحة ، لأنّها في البيع لم تكن مبنية على الاحتياط بل هي مخالفة له ، وإنّما يصحّ هذا التعبير لو كانت صحة البيع من جهة الاحتياط فلابدّ وأن يكون مراده (عليه السلام) من ذلك ـ والله العالم ـ أنّ العامّة إذا تجرّؤوا ولم يحتاطوا في البيع حيث لم يتوقّفوا ولم يرجعوا إلى أهل البيت (عليهم السلام) وأفتوا فيه بالصحة اعتماداً على وجوه عقلية ، فالأجدر بهم أن يتوقّفوا عن ذلك ويحتاطوا في النكاح لاهميته وأنّه يكون منه الولد ، فأولوية النكاح بالصحة عن البيع أجنبية عن هذه الرواية .

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا صحة العقد الفضولي بالاجازة بمقتضى العمومات وصحيحة محمّد بن قيس وإن كانت مورداً للمناقشة من عدّة جهات . وأمّا ما ورد في النكاح الفضولي فلا دلالة فيه على صحة غيره من العقود الفضولية .

(1) من الوجوه التي أيّد بها صحّة الفضولي بلحوق الاجازة ما ورد في المضاربة في رجل دفع إلى رجل مالا ليشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى غير الذي أمره ـ بأن عيّن له طريقاً خاصّاً أو سلعة خاصّة فخالفه العامل في ذلك ـ

ــ[391]ــ

فقال (عليه السلام) : هو ضامن والربح بينهما على ما شرطه(1).

وذكر المصنف (قدّس سرّه)(2) أنّه يستأنس منه صحة الفضولي على تقدير ويستدل به عليها على تقدير آخر ، لأنّ الرواية إذا اُبقيت على ظاهرها من عدم توقف الصحة على الاجازة ـ كما نسب ذلك إلى بعض الأصحاب ـ لكان موردها خارجاً عن الفضولي ، إلاّ أنّه يستأنس منه عدم اعتبار إذن المالك سابقاً في صحة البيع ، وأمّا إن حملناها على صورة الاجازة بمقتضى ما دلّ على اعتبار رضا المالك في حصول النقل والانتقال في ماله لكان موردها من العقد الفضولي ، واحتمال اختصاص الحكم بالصحة بموردها ـ أعني المضاربة ـ وإن كان موجوداً ولا يمكن التعدّي عنها إلاّ أنّ ذلك يكون مؤيّداً للمقام .

ونقول : الظاهر عدم إمكان التمسك بهذه الأخبار أصلا لا تأييداً ولا استدلالا ، أمّا على التقدير الأوّل فلأنّ الحكم بصحة ] بيع [ مال الغير تعبّداً في مورد بدون إذن المالك سابقاً ولا إجازته لاحقاً أجنبي عمّا نحن فيه من حصول الصحة بالاجازة اللاحقة التي هي محل الكلام ، فلا وجه لاستيناسها منه أصلا . وأمّا على التقدير الثاني فلأنّ الظاهر بحسب ما هو المرتكز في أذهان التجّار أنّ اشتراط المالك على العامل أن يشتري نوعاً خاصّاً من المتاع أو لا يشتري إلاّ من مكان خاص ليس لغرض شخصي وإنّما هو لاعتقاده أنّ الربح يكون فيما يعيّنه للعامل دون غيره فإذا كان الربح في الواقع فيما منعه عنه وكان اعتقاده مخالفاً للواقع فهو راض بتلك المعاملة .

وعليه فإذا خالفه العامل وربح تكون المعاملة باذن المالك على حسب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 18 / كتاب المضاربة ب1 ح9 .

(2) المكاسب 3 : 358 .

ــ[392]ــ

المضاربة ، وإذا خسر يكون ضامناً ، لأنّه لم يعمل حسب شرط المالك ، فمورد الرواية أجنبي عن الفضولي بالكلّية . ويؤكّده أنّ معاملة العامل لو كانت فضولية لم يكن وجه للحكم بالصحة مطلقاً ، بل كانت صحتها متوقّفة على إجازة المالك مضافاً إلى أنّ الربح حينئذ كان جميعه للمالك ولم يكن وجه للحكم بتقسيمه على حسب الشرط .

وتوهّم كون التقسيم من جهة عمله فانّه عمل مسلم محترم ، مدفوع بأنّ عمله لو سلّم كونه محترماً ـ مع أنّه ممنوع وإلاّ لزم دفع الاُجرة إليه حتى في فرض الخسارة ولم يقل به أحد ـ يوجب استحقاقه لاُجرة المثل لا لشيء من الربح .

والحاصل : أنّ المصنف ذكر ما توضيحه : أنّ هذه الأخبار الواردة في المضاربة إذا اُبقيت على ظاهرها ولم يقيّد إطلاقها بما إذا أجاز المالك اتجار العامل فهي وإن كانت خارجة عن عنوان الفضولي بل مفادها حكم تعبّدي إلاّ أنّه يمكن استيناس صحة الفضولي منها ، لأنّه يستفاد منها عدم توقف صحة العقد على الاذن السابق ، وإن قيّد إطلاقها بصورة لحوق الاجازة بمقتضى ما دل على اعتبار رضا المالك في صحة العقد الواقع على ماله ، فيكون مورد الرواية داخلا في عنوان الفضولي إلاّ أنّها لعدم اشتمالها على كبرى كلّية تختص بموردها ولا يتعدّى عنه ، إلاّ أنّها تكون مؤيّدة للمطلوب .

ونقول : الظاهر أنّه لا يستأنس منها صحة الفضولي على التقدير الأول ، كما لا يمكن الاستدلال بها على التقدير الثاني . أمّا على الأول فلأنّ الحكم بصحة العقد الواقع على مال الغير تعبّداً من دون إذنه ورضاه لا ربط له بصحة بيع الفضولي مبنيّاً على إجازة المالك ، فلا معنى لأن يستأنس من ذلك صحة البيع مثلا بالاجازة اللاحقة . وأمّا على التقريب الثاني فلا يمكن الالتزام بكون مورد الرواية داخلا تحت عنوان الفضولي ، لمنافاته مع حكمه (عليه السلام) فيها بأنّ الربح يقسّم بينهما ، فانّ

ــ[393]ــ

البيع لو كان فضولياً لزم رجوع جميع الربح إلى المالك ، ولا وجه لتقسيمه حسب قرار المضاربة ، كما أنّه ينافي ذلك كون الخسارة على العامل ، لأنّ المعاملة لو كانت فضولية لم تكن الخسارة على العامل على تقديري الصحة والفساد ، لأنّه على فرض الصحة تكون الخسارة على المالك وعلى تقدير الفساد وعدم الاجازة يأخذ المالك عين ماله من المشتري إلاّ إذا كانت تالفة ، فحينئذ يمكن أن يغرم العامل .

هذا كلّه في دفع الاستدلال بهذه الأخبار في المقام ، وأمّا حكم هذه المضاربة وأنّ تقسيم الربح بين المالك والعامل وكون الخسارة على العامل هل يمكن تطبيقه على القواعد أو أنّه حكم تعبّدي ، ربما يوجّه التقسيم بأنّ غرض المالك المضارب من المضاربة إنّما هو الاسترباح على ما هو شأن التجّار ، فإذا منع العامل عن شراء شيء أو السفر إلى بلد فليس ذلك لغرض شخصي وإنّما هو لاعتقاده الربح في ذلك والخسران في الآخر ، فإذا كان خاطئاً في التطبيق وفرضنا أنّ العامل اتّجر بما منعه المالك عنه وربح يكشف منه رضا المالك به من أوّل الأمر ، فتكون المعاملة مورداً للمضاربة حقيقة وإن لم يفهمه المالك من باب الخطأ في التطبيق ، ومن هذه الجهة يقسّم الربح بينهما على حسب القرار .

وفيه أوّلا : أنّ باب الغرض والداعي أجنبي عن مداليل الألفاظ والمعتبر هو الثاني ، فإذا فرضنا أنّ أحداً وكّل شخصاً في شراء دار فرأى الوكيل أنّ شراء الطعام أربح له من شراء الدار فاشترى له الطعام لكونه موافقاً لغرضه فهل يتوهّم صحته لذلك ؟ وهكذا إذا وكّلت المرأة أحداً في تزويجها لشخص لكونه مثرياً فزوّجها الوكيل لرجل أثرى منه لموافقته لغرضها فهل يمكن القول بصحة التزويج ، فانّ الميزان إنّما هو مداليل الألفاظ لا الدواعي والأغراض .

وثانياً : أنّه لا يمكن دعوى أنّ الغرض للتاجر المضارب في تعيين متاع أو طريق للعامل هو الاسترباح كلّية ، إذ قد يكون له غرض آخر كما إذا فرضنا أنّه

ــ[394]ــ

رجل مقدّس يمنع العامل من بعض المعاملات لكونها مكروهة شرعاً كالتعاطي في الأكفان مثلا .

وثالثاً : هذا التوجيه أخصّ من مورد الرواية ، فانّه إنّما يتمّ فيما إذا كان ما فعله العامل أكثر ربحاً من المعاملة التي أمر بها المالك ، وإلاّ فلا يستكشف رضا المالك المضارب بها واقعاً ، فتوجيه تقسيم الربح فاسد .

وأمّا كون الخسارة على العامل فقد وجّه على القاعدة بوجهين :

أحدهما : أنّه يكون من جهة الشرط الضمني ، فانّ مرجع المنع عن معاملة خاصة إلى اشتراط كون الخسارة على العامل عند المخالفة ، ولا ينافي ذلك ما هو المعروف المسلّم من عدم كون العامل ضامناً للخسارة في المضاربة ، فانّ المراد به أنّ المضاربة لا تقتضي ضمان العامل لأنّه عامل ، فلا ينافيه ثبوت الضمان بالاشتراط من الخارج ، وقد ورد في بعض الأحاديث(1) أنّ العبّاس كان له مال كثير وكان يعطيه إلى الناس بعنوان المضاربة ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا رطباً وإلاّ كانت الخسارة عليهم .

ثانيهما : ما ذكره الميرزا(2) وحاصله : أنّ ذلك إنّما هو على القاعدة لا من جهة الشرط ، فانّ تصرّف العامل لمّا لم يكن على طبق الشرط فلا محالة يكون عدواناً ، فما كان باقياً من ماله تحت يد العامل يجب ردّه إليه ، وما تلف أو صار بحكم الاتلاف بالاتّجار يكون ضامناً له .

ونقول : أمّا التوجيه الأوّل ففيه : أنّه لا وجه لرجوع تعيين الطريق الخاص أو المتاع المخصوص إلى اشتراط كون الخسارة على العامل مطلقاً حتى من غير الملتفت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 17 / كتاب المضاربة ب1 ح7 .

(2) المكاسب والبيع 2 : 27 .

ــ[395]ــ

      قوله (قدّس سرّه) : الأخبار الواردة في اتجار غير الولي في مال اليتيم(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى ذلك ، مضافاً إلى أنّ صحة هذا الشرط محل الكلام بين الأعلام ، بل المعروف عدم كون العامل ضامناً حتى بالاشتراط .

وأمّا التوجيه الثاني ففيه أوّلا : ما عرفت من أنّ معاملة العامل لو كانت فضولية لا تكون الخسارة على العامل على كلا تقديري الصحة والفساد . وثانياً : أنّه مناف لما هو ظاهر بعض الأخبار(1) الواردة في المقام ، حيث جعل فيها الوضيعة ـ  أعني الخسارة ـ مقابلا للضمان وقال (عليه السلام) عند مخالفة العامل للشرط أنه يكون ضامناً ، ثمّ بعد ذلك قال (عليه السلام) إن ربح يقسّم الربح بينهما وإن خسر كانت الخسارة على العامل ، فانّ ظاهره أنّ ضمان الخسارة والنقصان يكون مقابلا لضمان العين الثابت بمقتضى على اليد أو حديث من أتلف ، فلا يتم شيء من هذه التوجيهات ، بل الظاهر أنّ تقسيم الربح وكون الخسارة على المالك حكم تعبّدي على خلاف القاعدة ، كما أنّ نفوذ عقد الوكيل المعزول قبل وصول عزله إليه أيضاً على خلاف القاعدة ، وقد ثبت بالتعبّد .

(1) تقريب الاستيناس بها ظاهر فانّها لو قيّدت بصورة إجازة الولي ـ كما صرّح به بعض ـ كان موردها داخلا في الفضولي وإلاّ فيستأنس بها لصحة الفضولي  ، لأنّ صحة الاتجار بمال الغير بدون إذن سابق ولا اجازة لاحقة تقتضي صحتها بعد الاجازة بطريق أولى .

وفيه : أنّ جملة من الأخبار الواردة في الاتجار بمال اليتيم واردة في اتجار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها ما ورد في الوسائل 19 : 15 / كتاب المضاربة ب1 ح1 وغيره .

ــ[396]ــ

      قوله (قدّس سرّه) : وربما يؤيّد المطلب برواية ابن أشيم(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الولي وأنّه إن كان ملياً وضمن المال ـ أي بالضمان الاختياري أعني الاقتراض ـ فالربح له والخسارة عليه ، وإلاّ فالربح لليتيم والخسارة على الولي ، وبعض الأخبار وإن كانت مطلقة إلاّ أنّه لا يبعد حملها على الولي أيضاً(1)، وفي بعضها : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : ليس في مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به ، فان اتّجر به فالربح لليتيم  ، وإن وضع فعلى الذي يتّجر به »(2) والمراد بالزكاة الزكاة المستحبّة في الاتّجار .

وبالجملة : المستفاد من هذه الروايات ] أنّ [ غير الولي مطلقاً ، والولي إذا لم يكن ملّياً أو لم يضمن مال اليتيم واتّجر به لنفسه كان الربح لليتيم والخسارة عليه فانّه تصرّف عدواني ولو من الولي . وعلى أي تقدير ـ أي سواء كان التصرف من الولي لنفسه أو من الأجنبي ـ كان أجنبيّاً عمّا نحن فيه ، أمّا لو كان هو الأجنبي فلعدم ذكر الاجازة من الولي في الروايات أصلا ، بل لو كان مورداً للاجازة لزم أن يكون الوضيعة كالخسارة على اليتيم ، ولم يكن وجه لكون الربح له والخسارة على التاجر  .

وتوهّم أنّ الشارع ولي الكل وهو أجاز ذلك ، فيه : ما لا يخفى ، فانّ محلّ الكلام إجازة من يملك العقد وأمّا الشارع فاجازته حكمه ، وهو إن كان ثابتاً فثابت قبل العقد لا بعد تحققه ، فالظاهر أنّ ذلك حكم تعبّدي ثابت في مال اليتيم ولا ربط له بالفضولي أصلا .

(1) مضمون الرواية أنّ أحداً دفع إلى العبد المأذون في التجارة مالا ليشتري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] ولمزيد التوضيح راجع مصباح الفقاهة 4 : 58 ـ 60 [ .

(2) الوسائل 9 : 87 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب2 ح2 .

ــ[397]ــ

به نسمة ويعتقها ويحجّه عنه أو يحج عنه ـ بصيغة المبني للمفعول ـ فمات فاشترى المأذون أباه وأعتقه ودفع إليه باقي المال وحج عنه ثمّ تنازع مولى المأذون ومولى الأب وورثة الدافع وادّعى كل منهم أنّه اشتراه بماله ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما مضمونه : إنّ الحج يمضي على ما هو عليه ، وأمّا المملوك فيردّ رقاً لمولاه ، وأيّ الفريقين أقاموا البيّنة بعد ذلك على أنّه اشتري بماله كان رقّاً له ، الحديث(1).

وتقريب الاستدلال أو التأييد بها : أنّ الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق كان فاسداً لأنّه اشتري بمال مالكه ، وإن كان بمال مالك العبد المأذون صح ولكنّه خارج عن الفضولي ، وأمّا إن كان بمال الميّت فلا محالة يكون الشراء فضولياً ، لأنّ الشراء كان بعد موته بدون إذن الورثة ، والمفروض أنّهم أجازوه بعد تحققه ، فانّ مطالبتهم للعبد يكون إجازة للشراء ، وقد حكم الامام (عليه السلام) بأنّهم إذا أقاموا البيّنة على أنّه اشتري بمالهم كان رقاً لهم ، ومعناه صحة الشراء الفضولي إذا فرض أنّهم أقاموا البيّنة على ذلك ، هذا .

وفيه ـ مضافاً إلى ضعف السند بابن أشيم فانّه غير ممدوح ـ ضعف الدلالة لأنّ من المحتمل أنّ الورثة أيضاً كان لهم مال عند المأذون ، فيدّعون أنّ العبد اشترى بمالهم ، فيخرج الشراء حينئذ عن الفضولية ، فتأمّل . فكون الشراء فضولياً مبني على أحد أمرين : إمّا أن يكون دفع الميّت المال إلى المأذون بعنوان الوصية ، ولكن الورثة يدعون أنّ العبد لم يشتر بالمال الذي عيّنه الميت لذلك وإنّما اشتراه بمال آخر من الميت لم يعيّنه لذلك ، وإلاّ فإذا أقرّوا بالوصية وأنّ العبد اشترى بالمال الذي عيّنه الميت ولم يكن زائداً على الثلث لم يكن لهم حق المخاصمة أصلا . وإمّا أنّ الورثة ينكرون الوصية ويدعون أنّ الميّت إنّما دفع المال إلى المأذون بعنوان الوكالة وقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 280 / أبواب بيع الحيوان ب25 ح1 .

ــ[398]ــ

بطلت بموت الموكّل ، والمفروض أنّ الشراء كان بعد موته وانتقال المال إليهم فيدعون أنّ العبد اشترى بمالهم . وهذا الاحتمال ـ أي إنكار الوصية ـ يجري في الرواية ، إذ لم يصرّح فيها بأنّ الميت أوصى بذلك ، كما أنّ ظاهر مخاصمتهم أيضاً ذلك .

ودعوى أنّهم كانوا يطالبون ولاء العتق ـ كما عن الميرزا ـ(1) ينافيها حكم الامام (عليه السلام) بأنّ العبد يعود ملكاً لهم إذا أقاموا البيّنة ، الظاهر في فعلية العود إلى الرقية . وكيف كان بما أنّ الاحتمال الأول جار لا يمكن الاعتماد على الرواية لا استدلالا ولا تأييداً ، هذا .

مضافاً إلى جريان إشكالين آخرين فيها :

أحدهما : أنّ الامام (عليه السلام) كيف حكم برجوع العبد رقّاً إلى مالكه الأول  ، أعني بفساد البيع الذي هو مقتضى الاستصحاب مع وجود أصل حاكم عليه وهو أصالة الصحة في العقد ، وقاعدة الاقرار أعني من ملك شيئاً ملك الاقرار به فانّ المأذون كان مالكاً للعقد ، وهو يعترف بالشراء بمال الميت فكيف يقدّم عليها الاستصحاب .

والجواب عنه : أنّ أصالة الصحة غير جارية في المقام ، لا لما ذكره الميرزا(2)من اختصاصها بما إذا لم يكن الشك في أركان العقد ، بل لأنّها إنّما تجري فيما إذا كان تحقق العقد مفروغاً عنه وشك في صحته وفساده ، لا فيما إذا كان الشك في أصل تحقق العقد خارجاً كما في المقام ، فانّ الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق لم يكن هناك بيع حقيقة ولم تتحقّق مبادلة بين المالين أصلا ، إذ لا معنى للمبادلة بين مالي شخص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 2 : 23 .

(2) منية الطالب 2 : 24 .

ــ[399]ــ

واحد ، بل هنا صورة بيع ، فالأمر دائر بين وقوع العقد وعدم وقوعه ، فليس مورداً لأصالة الصحة .

وأمّا قاعدة « من ملك شيئا ملك الاقرار به » فليست مورداً لعموم أو إطلاق  ، وإنّما هي مستفادة من تسالم الأصحاب ، فلابدّ من الاقتصار فيها على المتيقّن وهو ما إذا كان حين الاقرار مالكاً ، وأمّا إذا لم يكن له السلطنة حين الاقرار فلا اعتبار باقراره وإن كان له السلطنة سابقاً ، ومن هنا إذا باع أحد داره وبعد ذلك اعترف بأنّها كانت مغصوبة من عمرو مثلا لم يسمع دعواه ، وهكذا لو ادّعى أنّه كان نجساً ، ففي المقام إذا كان إقرار المأذون قبل موت الدافع لكان مسموعاً لسلطنته على الشراء له ، وأمّا بعد موته فلا يعتبر إقراره لزوال سلطنته بموته ، فالحكم بالفساد تمسّكاً بالاستصحاب لا بأس به .

فيبقى الاشكال الثاني ، وهو كيف حكم الامام (عليه السلام) بصحة الحج مع ابتنائها على اُمور غير ثابتة ، وكيف يصح حج من حكم بكونه رقّاً لمالكه الأوّل وكيف يستحق الاُجرة مع أنّه ملك الورثة ظاهراً فلا يمكن الاستدلال بها من هذه الجهة وللاحتمال المتقدّم(1).

ثمّ انّه قد استدلّ على صحّة بيع الفضولي بجملة اُخرى من الروايات منها : صحيحة الحلبي « عن الرجل يشتري ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثمّ ردّه على صاحبه فأبى أن يقبله إلاّ بوضيعة ، قال : لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد »(2) وقد حكم (عليه السلام) في هذه الرواية ببطلان الاقالة ـ التي هي عبارة عن فسخ العقد السابق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ نهاية ما أوردناه من محاضرات في الفقه الجعفري مع تصحيح وتحقيق ] .

(2) الوسائل 18 : 71 / أبواب أحكام العقود ب17 ح1 .

ــ[400]ــ

وليست معاملة مستقلّة ـ فيما إذا كانت بوضيعة عن العقد السابق ، لأنّ معنى الاقالة والفسخ حلّ العقد وإرجاع كل من العوضين إلى مالكه الأوّل ، وفيما إذا أخذ المثمن بوضيعة أو بزيادة فهو لا يكون إرجاعاً للمالين إلى مالكيهما فكأنّه يصير معاملة مستقلّة اُخرى .

وقوله (عليه السلام) « لا يصلح » ظاهر في بطلانها ، لتعلّقه بالمعاملة ، لا الكراهة ، وعليه فإذا جهل البائع بذلك فأخذه من المشتري بوضيعة فباعه بأكثر ممّا أخذه من المشتري ، يتحقق هناك بيع الفضولي وهو بيع البائع المال الذي أخذه من المشتري ، إذ المفروض أنّه لم ينتقل إليه بالاقالة لفسادها لأجل الوضيعة وقد حكم الامام (عليه السلام) بصحّته حيث قال (عليه السلام) « ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد » ومعناه أنّ بيع البائع صحيح غاية الأمر يجب عليه ردّ ما زاد على الثمن إلى المشتري بل هذه الرواية تدلّ على صحّة بيع الفضولي في غير ذلك المورد بطريق أولى ، لأنّ مورد الرواية من أردأ أنحاء الفضولي وهو بيعه لنفسه ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ الرواية أجنبية عن المقام ، لأنّ بيع البائع على تقدير كونه فضولياً يحتاج إلى إجازة المشتري على جميع التقادير ، باعه بأكثر ممّا أخذه أو بأنقص منه ، كان عالماً أم كان جاهلا ، فلا وجه لتخصيصه بصورة الجهالة . مضافاً إلى أنّ البيع لو كان فضوليّاً لزم ردّ تمام الثمن إلى المشتري واسترداد ما دفعه إليه أوّلا بالاقالة ، لا ردّ خصوص المقدار الزائد .

فالصحيح أنّ الرواية أجنبية عن بيع الفضولي وأنّ موردها هو البيع المقرون بإذن المالك ، فإنّ المشتري باستقالته قد رضي باستبدال ماله ونحن وإن لم نر الرضا المقارن مخرجاً عن الفضولية إلاّ أنّا إنّما قلنا به فيما لم يكن الرضا مبرزاً باللفظ ونحوه وأمّا معه فيخرج عن الفضولية ، وفي المقام يكون نفس إقدام المشتري على الاقالة دالا على الرضا بالمبادلة بالأكثر بالدلالة الالتزامية حيث إنّه دالّ بالدلالة المطابقية

 
 

ــ[401]ــ

على رضاه بأخذ البائع الثوب بالوضيعة ويدلّ على جواز أخذه بالأكثر لغير البائع بالدلالة الالتزامية وإن لم يعرفه ، وهي كافية في صحّة المعاملة لما ذكرناه في محلّه من أنّ نظر البائع في المعاملة إلى استبدال ماله من دون نظر إلى مشتر خاصّ ، فهي قائمة بالمالين لا بالمتعاقدين وقد استبدل ماله بمال آخر وبما أنّه زائد عمّا أخذه البائع من المشتري حكم (عليه السلام) بردّه إليه ، فهو بيع صحيح ولا ربط له بالفضولي .

بقيت كلمة ترجع إلى عبارة الحديث وهي أنّه ما المراد بالضمير في قوله « ردّ على صاحبه الأوّل » فقد أرجعه شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) إلى المال بمعنى أنّه يردّ إلى صاحب المال الأوّل الذي هو المشتري ، وبذلك استظهر أنّ المال خارج عن ملك المشتري وقد دخل في ملك البائع ، وإلاّ فلا معنى لتوصيف المشتري بالمالك الأوّل ، فمنه يعلم أنّ للمال مالكاً ثانياً أيضاً ، غاية الأمر أنّ الرواية تدلّ على استحباب ردّ ما زاد إلى المشتري فيما إذا استقاله بوضيعة وإلاّ فله أن لا يردّه إليه هذا .

ولا يخفى أنّ إرجاع الضمير إلى المال خلاف ظاهر الحديث بملاحظة قوله (عليه السلام) « ردّ » فإنّ وحدة السياق تقتضي إرجاع الضمير في لفظة «  صاحبه  » إلى ما يرجع إليه ضمير « ردّ » يعني أنّ البائع يردّ إلى صاحبه أي طرف معاملته الأوّل الذي هو المشتري الأوّل ، وعليه فلا يمكن استظهار أنّ البائع أيضاً مالك ويحكم بذلك على استحباب ردّ ما زاد في الاقالة ، هذا .

مضافاً إلى أنّا لو أغمضنا النظر عمّا ذكرناه أيضاً لا يمكن إرجاع الضمير إلى المال ، إذ البائع حينئذ لو ردّ لا يردّ إلاّ إلى المشتري وليس هناك غير المشتري مالك آخر يرد عليه ما زاد ، فلا وجه لوصف المشتري بالمالك الأوّل دفعاً عن ردّه إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 2 : 25 .

ــ[402]ــ

غيره . وبالجملة ليس هناك مالك إلاّ المشتري والبائع ، والبائع لا يردّ إلى نفسه فوصف المشتري بالمالك الأوّل لا يخلو عن البشاعة .

ومنها : موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله « قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع إليه الورق فيشترط عليه أنّك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته وما شئت تركته ، فيذهب فيشتري المتاع ثمّ يأتي بالمتاع فيقول : خذ ما رضيت ودع ما كرهت ، قال : لا بأس »(1).

والاحتمالات فيها على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) ثلاثة :

الأوّل : أنّ المالك أعطى المال للسمسار قرضاً وملّكه له حتّى يشتري أجناساً فيختار المالك منها ما يشاء ببيع آخر ، إذ لو لم يعطه الورق لما كان متمكّناً من الاشتراء ليختار المالك ما يرضى به ، ويكون وصف السمسار بأنّه يشتري بالأجر لأجل بيان أنّهم بنوعهم يشترون للملاّك بالأجر لا أنّه في شخص القضية كذلك لينافي أخذه الاُجرة كون الورق ملكاً له بالقرض ، واشتراءه الأجناس لنفسه لا لغيره ، وعلى هذا الاحتمال فالرواية أجنبية عمّا نحن بصدده ولا ربط لها بالفضولي  .

ولكن يدفعه : أنّ ظاهر لفظ السمسار أنّ الورق اُعطي له بعنوان أنّه سمسار لا بشخصه وبذاته كما هو معلوم ، وإنّما يعطى المال للسمسار لأجل أن يشتري به المتاع لمالكه ويأخذ الأجر كما لا يخفى .

الثاني : أنّ الدافع قد وكّل السمسار في أن يشتري بماله أجناساً واشترط عليه جعل الخيار لنفسه بأن لا يشتري الأجناس جزماً بل يجعل فيها الخيار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 74 / أبواب أحكام العقود ب20 ح2 .

(2) المكاسب 3 : 362 ـ 363 .

ــ[403]ــ

لصاحب الورق على بائع الأجناس حتّى يأخذ ما هو صلاح له ويدفع ما لا صلاح فيه ، وهذا هو الغالب في السمسارين ، وعليه أيضاً تخرج الرواية عمّا نحن فيه .

الثالث : أنّه أعطى له المال ودفع إليه الورق على نحو لا يخرجه عن الفضولية كأنّه قال له : أعلم أنّك إذا اشتريت بمالي شيئاً من دون إجازة منّي إليك فيمكن أن أردّ ما أشاء وأقبل ما هو صلاح لي ، وعليه فالرواية دالّة على صحّة بيع الفضولي لا محالة ، وبما أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بالصحّة من غير تفصيل بين المحتملات فيعلم صحّة الفرض الأخير أعني الفضولي أيضاً .

ولا يخفى أنّ ترك الاستفصال إنّما يكون دليلا على العموم فيما إذا كان المسؤول عنه مردّداً بين احتمالات وأجاب المسؤول بجواب كلّي يصحّ مع كلّ واحد من الاحتمالات ، وأمّا إذا علم المسؤول مراد السائل بقرائن حالية أو مقالية فأجابه بشيء ونحن لم نعلم المراد وتردّدنا بين الاحتمالات ، فهذا كيف يمكن أن يكون دليلا على العموم ، مضافاً إلى أنّ مراد السائل على ما يظهر من الحديث ويساعده الغلبة هو الاحتمال الثاني ، وعليه فتكون الرواية أجنبية عن البيع الفضولي .

واستدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) على صحّة بيع الفضولي أيضاً بالتعليل الوارد في صحّة نكاح العبد من غير إذن سيّده من « أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده » بدعوى أنّه يستفاد منه أنّ كلّ ما كان راجعاً إلى غيره تعالى من المخلوقين وكان محتاجاً إلى إجازته فهو صحيح إذا أجاز ، وبما أنّ بيع الفضولي غير متوقّف إلاّ على إجازة المالك فيصحّ إذا أجاز .

وقد أصرّ بعضهم ومنهم شيخنا الاُستاذ(2) على أنّ العلّة عامّة فيتعدّى منها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 363 .

(2) منية الطالب 2 : 15 .

ــ[404]ــ

إلى كلّ مورد يحتاج إلى إجازة الغير .

والظاهر أنّه لا شهادة في الرواية على صحّة الفضولي ، لأنّا وإن كنّا لا ننكر العموم ولا ندّعي أنّ المورد يوجب التخصيص وأنّها مختصّة بنكاح العبد ، إلاّ أنّه لا يمكننا التعدّي منها إلى جميع العقود والايقاعات الفضولية ، بل غاية الأمر التعدّي إلى كلّ عقد يكون استناده إلى من يعتبر استناد العقد إليه متحقّقاً لكن يتوقّف نفوذ عقده على إجازة شخص آخر كالعبد في نكاح نفسه والراهن في بيع الرهن لنفسه فإنّه يحتاج إلى إجازة المرتهن والزوج إذا عقد على بنت اُخت زوجته أو على بنت أخيها ، لأنّه يحتاج إلى إجازة الخالة أو العمّة التي هي الزوجة ، وأمّا في غير ذلك من الموارد ممّا كان العقد الواقع فاقداً للاستناد فلا ، كما في الفضولي لأنّ في بيع الفضولي الذي يبيع مال أحد أو يشتري لأحد آخر لا يرجع العقد إليه ، وليس الفضولي طرفاً للمعاملة في الحقيقة كالعبد الذي هو طرف للنكاح في الرواية ، فلا يمكننا التعدّي منه إلى غيره . وبعبارة اُخرى : إنّما يمكن التعدّي إلى كلّ مورد يشمله العمومات كأوفوا بالعقود كمورد التعليل ، وفي العقود الفضولية لا يتحقّق ذلك بوجه  .

فتحصّل من جميع ذلك : أنّ العمومات والاطلاقات يكفينا في صحّة الفضولي ولا نحتاج فيها إلى شيء آخر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net