المدار في الحكم بالإسلام 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4078


   بقي الكلام فيما هو الفارق بين الكفر والاسلام ، هل المدار في الحكم بإسلام أحد هو اعتقاده القلبي الباطني أو أن المناط في حصوله إظهاره الاسلام في الخارج أو يعتبر في حصوله كلا  الأمرين ؟

   الصحيح أن يفصّل بين من حكم باسلامه من الابتداء لتولده من مسلمين أو من مسلم وكافر وبين من حكم بكفره من الابتداء وأراد أن يدخل في الاسلام بعد ذلك أما الأول فالتحقيق عدم اعتبار شيء من الأمرين المتقدِّمين في إسلامه ، وإنما هو محكوم بالطهارة وبالاسلام ما دام لم يظهر الكفر . ويدل على ذلك مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بزمانهم (عليهم السلام) حيث إنّه لم يسمع إلزامهم أحداً من المسلمين بالإقرار بالشهادتين حين بلوغه . نعم ، إذا جحد وأنكر شيئاً من الأحكام الاسلامية مع العلم بثبوته يحكمون بكفره وارتداده كما أسلفناه في البحث عن حصول الكفر بانكار الضروري ، جملة من الروايات الواردة في المقام بمضامين مختلفة .

   منها : ما رواه زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفـروا»(1) حيث رتب الكفر في المسلمين على الجحـود لأنهم المراد بالعباد بقرينة قوله (عليه السلام) «لم يكفروا» ، لبداهة أنه لا معنى للجملة المذكورة بالاضافة إلى الكفّار ، وعليه فما دام المسلم لم يجحد بشيء من الأحكام الاسلامية فهو محكوم بالطهارة والاسلام .

   ومنها : ما عن محمّد بن مسلم ، قال : «كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال : يا أبا عبدالله ما تقول فيمن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 32 / أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 8 .

ــ[63]ــ

شكّ في الله ؟ فقال : كافر يا أبا محمّد ، قال : فشك في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال : كافر ، ثم التفت إلى زرارة فقال : إنما يكفر إذا جحد» (1) ومنها غير ذلك من الأخبار التي تدل على عدم اعتبار شيء من الأمرين المتقدمين في اسلام من حكم بإسلامه من الابتداء .

   وأمّا من حكم بكفـره كذلك فالحكم بطهارته يتوقف على أن يظهر الاسلام بالإقرار بالشهادتين وإن كان إقراراً صورياً ولم يكن معتقداً به حقيقة وقلباً ، ويدل عليه مضافاً إلى السيرة المتحققة فان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يكتفي في إسلام الكفـرة بمجرّد إجرائهم الشـهادتين باللِّسان مع القطع بعدم كونهم بأجمعـهم معتقدين بالاسلام حقيقة ، وإلى قوله عزّ من قائل : (والله يشهد أنّ المنافقين لكاذبون ) (2) وقوله : (ولمّا يدخل الايمان في قلوبكم )(3) حيث إنّه سبحانه أخبر في الآية الاُولى عن كذب المنافقين في اعترافهم برسـالته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واعترض في الثانية على دعواهم الايمان ومع ذلك كلّه كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعامل معهم معاملة الطهارة والاسلام ، أضف إلى ذلك أنّ بعض الصحابة لم يؤمنوا بالله طرفة عين وإنما كانوا يظهرون الشهادتين باللسان وهو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع علمه بحالهم لم يحكم بنجاستهم ولا بكفرهم ، ما ورد في غير واحد من الأخبار من أن الاسلام ليس إلاّ عبارة عن الاقرار بالشهادتين(4) كما نطق بذلك أيضاً بعض ما ورد من غير طرقنا ، ففي صحيح البخاري عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «إنِّي اُقاتل الناس حتى يقولوا  لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كي يصون بذلك دماؤهم وأموالهم منِّي» (5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 28 : 356 / أبواب حدّ المرتد ب 10 ح 56 .

(2) المنافقون 63 : 1 .

(3) الحجرات 49 : 14 .

(4) لاحظ الوسائل 1 : 15 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 4 ، 9 ، 17 وغيرها من روايات الباب .

(5) صحيح البخاري 1 : 13 عن ابن عمر «أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال : أمرت أن    اُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الاسلام وحسابهم على الله» . وأخرجه مسلم في الجزء الأول ص 53 وفي كنز العمال 1 : 23 بكيفيات مختلفة .

ــ[64]ــ

ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزّنا (1) ولو في مذهبه ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وعلى الجملة أنّ احترام الدماء والأموال وغيرهما من الآثار مترتب على إظهار الشهادتين ولا يعتبر في ترتبها الاعتقاد بالاسلام قلباً وحقيقة . نعم ، إنما يعتبر العقد القلبي في الايمان ، ومع فقده يعامل الله سبحانه معه معاملة الكفر في الآخرة وهو الذي نصطلح عليه بمسلم الدنيا وكافر الآخرة . فالذي تحصل أن المدار في الاسلام إنما هو على إجراء الشهادتين باللسان دون العقد القلبي ولا هما معاً .

   (1) قد تقدّم الكلام في ولد الكافر فيما إذا  كان ولداً شرعياً لأبويه ، وأمّا إذا كان الولد عن زنا ولو في مذهبهما فهل يحكم بنجاسته بناء على نجاسة ولد الكافر الحلال ؟ فقد يتردد في الحكم بنجاسته نظراً إلى أنّ المراد بالولد إنّ كان هو الولد الشرعي لوالديه فلا يمكننا الحكم بنجاسة ولدهما عن زنا لأ نّه ليس بولد شرعي للزاني ولا للزانية ، وإن اُريد منه الولد لغة فهو كما يشمل الولد الحلال كذلك يشمل الولد الحرام حيث إنّه نشأ من ماء أحدهما وتربى في بطن الآخر فلا مناص من الحكم بنجاسته .

   هذا والصحيح أن ولد الزّنا أيضاً ولد لهما شرعاً ولغة وعرفاً ، فانّ الولد ليس له اصطلاح حادث في الشرع وإنما هو على معناه اللغوي ، ولم يرد في شيء من روايتنا نفي ولدية ولد الزّنا . نعم ، إنما ثبت انتفاء التوارث بينهما فلا يرثانه كما لا يرثهما وهو لا  ينافي ولديته ، كيف وقد ثبت انتفاء التوارث بين الولد ووالديه في غير واحد من المقامات من غير استلزامه نفي الولدية بوجه ، كما في من قتل أباه أو كان الولد كافراً أورقاً حيث لا توارث حينئذ من غير أن يكون ذلك موجباً لسلب ولديته . وأمّا قوله (عليه السلام) «الولد للفراش وللعاهر الحجر»(1) فهو إنّما ورد في مقام الشك في أن الولد من الزوج أو الزّنا وقد دلّ على أ نّه يعطى للفراش وللعاهر الحجر ، ولا دلالة له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 173 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 58 ح 2 ، 3 ، 4 ، 7 .

ــ[65]ــ

ولو كان أحد الأبوين مسلماً فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا (1) بل مطلقاً على وجه مطابق لأصل الطهارة (2) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net