الاختلاف في تغيّر المبيع 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2675


ــ[433]ــ

وعليه فنقول : إنّ اشتراء العين المشاهدة سابقاً قرينة على أنّ العقد إنّما يبتني على وجود تلك العين على ما كانت عليه حين المشاهدة ، وكذا تحاورهما وتبانيهما قبل العقد على وصف أو شرط كاف في الابراز وإيجاد المعاملة عليه ، فيكون تخلّفه موجباً لثبوت الخيار من دون فرق بين الأوصاف الموجبة للغرر بعدم اشتراطها وبين غيرها كما لا يخفى ، هذا تمام الكلام في أصل المسألة .

فرعان : الأول أنّ البائع والمشتري إذا اختلفا فادّعى أحدهما أنّ العين المشاهدة أو الموصوفة إنّما هي العين المهزولة وأنّ المشاهدة وقعت على العين على ما هي عليه من الأوصاف فعلا وادّعى الآخر أنّ المشاهدة إنّما وقعت على العين وهي سمينة وقد تغيّرت أوصافها عمّا كانت عليه ولم تقع المشاهدة عليها في حالة الهزال فالمنسوب إلى المشهور أنّ المشتري هو المنكر في المقام والقول قوله والمدّعي وهو البائع عليه أن يثبت أنّ المشاهدة وقعت على المهزول ، وعليه فيقع الكلام فعلا في وجه تقديم قول المشتري على البائع وأنّه لماذا يكون البائع مدّعياً والمشتري منكراً في المقام وقد ذكروا في وجه ذلك وجوهاً لا يمكن المساعدة على شيء منها :

الأوّل : أنّ المشتري يده على الثمن وأصالة الصحّة في اليد مع المشتري والبائع يريد انتزاعه منه فعليه إثبات أنّ الثمن ملكه فيكون المدّعي هو البائع هذا .

وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ اليد لا فائدة مترتّبة عليها في المقام ، لأنّ المشتري يعترف بأنّ الثمن ملك البائع لإقراره بصحّة البيع غاية ما هناك أنّه يدّعي ثبوت الخيار لنفسه من جهة دعوى تغيّر العين عمّا كانت عليه حين المشاهدة ، ومع الإقرار والاعتراف بأنّ الثمن ملك للبائع فلا يبقى لليد أثر على تقدير صحّتها لأنّها عليه يد أمانة كما هو ظاهر ، نعم يمكن أن يقال إنّ المشتري لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 275 .

ــ[434]ــ

يجب عليه دفع الثمن إلى البائع لأنّه يدّعي الخيار ، وقد ذكر العلاّمة (قدّس سرّه)(1) أنّ تسليم الثمن والمثمن في مدّة الخيار غير واجب على المتعاملين ولم ينسب خلاف ذلك إلى أحد إلاّ بعض الشافعية والسرّ في ذلك أن المشتري بدعواه الخيار يدّعي سلطنته على عدم تسليم الثمن إلى البائع لتزلزل العقد بالخيار وتسلّطه على حلّه ورفع جميع آثاره ومنها وجوب تسليم الثمن إلى البائع .

وذكر شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(2) أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الخيار يمنع عن وجوب دفع الثمن إلى البائع إنّما يتمّ في الخيارات الزمانية كخياري المجلس والحيوان دون الخيارات غير الزمانية ، والخيار في المقام من جهة تخلّف الشرط أو الوصف أمر آخر غير الخيارات الزمانية فلا يتمّ ما أفاده في المقام .

وبالجملة : أنّه (قدّس سرّه) سلّم ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بحسب كبراه وإنّما ناقش فيه من جهة الصغرى كما عرفت ، والحقّ أنّ المطلب ممّا لا يمكن المساعدة عليه بحسب الأصل والكبرى أيضاً ، وذلك لأنّ الثمن بعد الاعتراف بصحّة المعاملة ملك للبائع ، وعموم « الناس مسلّطون على أموالهم »(3) غير مخصّص في المقام ، فلا يجوز للمشتري منع البائع عن الثمن ويجب عليه دفعه إليه ، إذ لم يرد على العموم المذكور شيء من المخصّصات ، ومن العجب أنّ شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(4)نسب إلى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بحث الخيار تسلّم ما حكي عن العلاّمة من عدم وجوب دفع الثمن أو المثمن في مدّة الخيار واستظهره من عبارة شيخنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 11 : 181 .

(2) منية الطالب 2 : 399 ـ 400 .

(3) عوالي اللآلي 3 : 208 ح49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

(4) منية الطالب 2 : 399 .

ــ[435]ــ

الأنصاري (قدّس سرّه) في بحث الخيار « لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصرف والسلم فثمرة الخيار واضحة وهي عدم وجوب التقابض » حيث عبّر بـ « لو » الظاهر في أنّ خيار المجلس يمنع عن وجوب دفع الثمن والمثمن وتقابضهما ، هذا  .

ولكن ذلك ممّا ينبغي أن يعدّ من غرائب كلام شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه) (على تقدير صحّة ما في التقريرات كما هو المظنون ، لأنّ المقرّر كان كثير الاهتمام بضبط كلام شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)) وذلك لأنّ الوجه في عدم وجوب التقابض في بيع الصرف والسلم هو عدم حصول الملك منهما إلاّ بالتقابض ، فقبله لا ملك للبائع حتّى يجب على المشتري تسليمه إلى مالكه ، وهذا بخلاف غيرهما من البيوع فإنّ الملك في غيرهما يحصل بالعقد والمعاملة وبعده لا معنى للتصرف في مال الغير وعدم تسليمه إلى مالكه ، فما أفاده شيخنا الأنصاري إنّما هو في الصرف والسلم لا في مطلق البيع فتعبيره بكلمة « لو » في محلّه ، لما عرفت من أنّه لا ملك قبل التقابض فيهما .

فالمتحصّل أنّ شيخنا الأنصاري لم يظهر منه تسلّم هذا المطلب بوجه ، وقد عرفت أنّ أصل الكلام ممّا لا يمكن الالتزام به وهذا ظاهر هذا كلّه ، مضافاً إلى أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ ربما يكون الثمن بيد البائع دون المشتري وهذا كما إذا كان الثمن داراً يسكنها البائع سابقاً وقد وقع ثمناً في بيع شيء اشتراه منه أو نفرض الثمن دَيناً للمشتري كان في ذمّة البائع فباشترائه منه سقط من ذمّته قهراً ، فلا يد في أمثال ذلك حتّى يدعى أنّ المشتري هو المنكر لمطابقة قوله للأصل .

الثاني : أنّ البائع يدّعي علم المشتري بالمبيع على وصف الهزال والمشتري ينكر علمه به بهذا الوصف والأصل عدم علمه به بهذا الوصف ، فالمشتري منكر ويقدّم قوله والبائع مدّع وعليه أن يثبت مدّعاه بالبيّنة أو بغيرها ، هذا .

وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالمعارضة بأصالة عدم علم

ــ[436]ــ

المشتري بالمبيع بوصف السمن فلا حقّ له في الخيار ، ثمّ ذكر أنّ الشكّ في علم المشتري بوصف الهزال وعدمه إنّما نشأ وتسبّب عن الشكّ في وجود غير وصف الهزال عند المشاهدة ، فإذا نفينا وجود غير الهزال حين المشاهدة فيه يرتفع الشكّ عن علم المشتري ، لأنّ الشكّين سببي ومسبّبي .

وشيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) سلّم المعارضة بين الأصالتين أعني أصالة عدم علمه به بهذا الوصف وأصالة عدم علمه به بغير هذا الوصف . والصحيح أنّ ذلك كلّه مناف لمسلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لأنّ الأصلين لا أثر لهما إلاّ باعتبار لوازمهما والمثبت ليس بحجّة عنده ، مضافاً إلى أنّ التسبّب غير شرعي فلا حكومة في مثلهما ، والسرّ فيما ذكرناه أنّ الأثر وهو الخيار لم يترتّب على وجود وصف السمن واقعاً ولا على العلم بالمبيع بهذا الوصف بل إنّما هو مترتّب على وجود الاشتراط بوصف السمن وعدمه ، إذ من الممكن أن يكون السمن موجوداً بحسب الواقع وقد علم به المشتري أيضاً إلاّ أنّه لم يشترط هذا الوصف في المعاملة فوجوده والعلم به لا أثر له في حدّ نفسه بل الأثر للاشتراط وعدمه ، نعم من لوازم العلم بوصف السمن حين المعاملة اشتراطه كما أنّه من لوازم عدم العلم به عدم اشتراطه فاستصحاب عدم العلم لأجل إثبات أثر ذلك اللازم من المثبت ، نعم لو كان الأثر وهو الخيار مترتّباً على العلم بالوصف كما في خيار العيب لارتفاعه مع العلم بالحال وثبوته عند عدم العلم لم يكن لجريان الأصلين مانع حينئذ .

الثالث : أنّ وصول حقّ المشتري بيده بدفع العين المهزولة مشكوك والأصل عدم وصول حقّه إليه فيكون المشتري هو المنكر وعلى البائع أن يثبت وصول حقّه بالبيّنة أو بشيء آخر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 2 : 401 .

ــ[437]ــ

وفيه : ما أورده عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ المراد بالحقّ إن كان هو ذات العين فهو قد وصل إلى المشتري قطعاً ، وإن اُريد بالحقّ العين بوصف السمن فثبوت ذلك أوّل الكلام ، ومع عدم ثبوته لا معنى لاستصحاب عدم وصول حقّه ، إذ لم يثبت له حقّ حتّى يستصحب عدمه ، وإن اُريد به حقّ الخيار فهو لا معنى لوصوله إليه بل هو تابع للاشتراط كما مرّ ، وعليه فلا يمكن الاعتماد بشيء من الوجوه المذكورة في المقام .

ولأجل ذلك ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام معنىً آخر ووافقه عليه شيخنا الاُستاذ وملخّصه : أنّه لابدّ في المقام من ملاحظة أنّ الأوصاف المتخلّفة هل كانت اُخذت في المعاملة قيداً للمبيع كما إذا اشترى مقداراً من الاُرز الحاصل من مكان كذا كالعنبر مثلا فإنّ الوصف حينئذ قيد في المبيع فإنّه لم يشتر الاُرز المجرّد حينئذ بل الاُرز المقيّد بقيد العنبر ، وفي مثله القول قول المشتري لأنّه يدّعي عدم انعقاد المعاملة على الفاقد للوصف حينئذ والمفروض أنّ العقد وقع على المقيّد بذاك الوصف لا على ذاته كما عرفت ، فعليه فلا معاملة على الفاقد فالقول قول المشتري وعلى البائع إثبات أنّ البيع وقع على الفاقد أيضاً ، أو أنّ هذه الأوصاف إنّما هي شروط خارجية والعقد إنّما وقع على ذات الموصوف غاية الأمر باشتراط ذاك الوصف بخصوصه ، وعليه فالقول قول البائع لأنّهما متّفقان على وقوع المعاملة على الفاقد للشرط والمشتري يدّعي حقّاً زائداً على الذات فعليه الاثبات ، ويتّضح هذا بملاحظة ما ذكرناه سابقاً من أنّ الثمن إنّما يبذل بازاء ذات المشروط والموصوف ولا يقع في مقابل هذه الأوصاف الكمالية شيء من الثمن فإنّ المعاملة حينئذ وقعت على الذات والمشتري يدّعي أمراً زائداً عليه وعليه الاثبات .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 276 .

ــ[438]ــ

وحينئذ فيقع الكلام في تشخيص أنّ الأوصاف هل هي مأخوذة على وجه القيدية أو على وجه الشرطية ، وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّه لابدّ من ملاحظة أنّ الرؤية السابقة هل هي بمنزلة تقييد المبيع كما إذا فرضنا أنّ المبيع كلّي كالاُرز والحنطة ونحوهما إلاّ أنّ المشتري قيّده في المعاملة بكونه كذا كتقييد الحنطة بالمكان المخصوص والاُرز بكونه من العنبر على نحو يكون نتيجة التقييد هو الخيار عند عدم حصول القيد دون البطلان ، فيكون التقييد مشتركاً مع الاشتراط في النتيجة ، وعليه فيكون قول المشتري مقدّماً حينئذ ، لأنّ الأصل عدم وقوع العقد على الموجود الخالي عن الوصف وأثره عدم إلزام المشتري بأخذه من البائع ، ولا يعارض ذلك بأصالة عدم وقوع العقد على المقيّد الذي يدّعيه المشتري لأنّه لا أثر له في المقام إلاّ إثبات أنّ العقد وقع على هذا الموجود الفاقد للوصف والأصل المثبت لا اعتبار به بوجه ، فيكون القول قول المشتري ، هذا كلّه فيما إذا اُريد بالأصل أصالة عدم وقوع العقد على المقيّد على نحو مفاد ليس التامّة وقد عرفت أنّها ممّا لا يترتّب عليه أثر شرعي .

وأمّا إذا اُريد بالأصل أصالة عدم الوقوع على الأمر المقيّد على نحو مفاد ليس الناقصة فهو وإن كان يترتّب عليه الأثر وهو لزوم أخذه على المشتري وعدم ثبوت الخيار له إلاّ أنّه لا حالة سابقة له ، إذ لم يسبق زمان وقع عقد على الفاقد للوصف ولم يقع عليه مقيّداً حتّى نستصحبه ونقول الأصل إنّ العقد الواقع وقع على ما لم يكن مقيّداً بوصف ، وقد نظّر ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) باستصحاب عدم الكرّية في الماء المخلوق الساعة أو الماء غير المعلوم حاله سابقاً حيث إنّ استصحاب عدم الكرّية على نحو مفاد ليس التامّة يجري ولا يترتّب عليه أنّ الماء الموجود في الحوض غير كرّ ، وأمّا استصحاب عدم اتّصافه بالكرّية على نحو مفاد ليس الناقصة فهو وإن ترتّب عليه عدم كرّية الماء الموجود في الحوض إلاّ أنّه لا حالة سابقة له ليجري

ــ[439]ــ

استصحاب اتّصافه بعدم الكرّية سابقاً ، وكيف كان فالأصل في هذه الصورة مع المشتري لأنّ البائع يدّعي حينئذ أنّ البيع وقع على الفاقد والمشتري ينكره والأصل عدم وقوع البيع على الفاقد ، وأمّا إذا كانت الرؤية السابقة بمنزلة الاشتراط دون التقييد بأن يكون العقد واقعاً على ذات العين المشاهدة واشترط في ضمنه أن تكون كذا وكذا فالقول قول البائع حينئذ ، لأنّ المشتري يدّعي أمراً زائداً عن العين على البائع والأصل عدم التزام آخر سوى الالتزام بالعين ، هذا ملخّص ما أفاده في المقام  .

ولابدّ في تحقيق الكلام من التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ المشتري إذا ادّعى الاشتراط أو التقييد فهل يقدّم قوله أو قول البائع . وثانيهما : في أنّ الرؤية السابقة هل توجب الاشتراط أو توجب التقييد .

أمّا البحث عن المقام الأول فنقول  : إن ادّعى المشتري الاشتراط وأنكره البائع فلا ينبغي الشكّ في أنّ الأصل مع البائع حينئذ ، لأنّ المشتري يطالب أمراً زائداً عن المبيع والأصل عدم التزام آخر على غير العين ، فلابدّ للمشتري من إثبات مدّعاه ببيّنة ونحوها ، وإذا ادّعى كلّ منهما الاشتراط فالمورد من موارد التداعي .

وأمّا إذا ادّعى المشتري أنّ المبيع كان مقيّداً بقيد غير متحقّق فعلا فتارة يدّعي البائع عدم التقييد ويقول إنّ المعاملة مطلقة واُخرى يدّعي البائع أيضاً التقييد بقيد آخر كما أنّ المشتري يدّعي التقييد بقيد ، فإن ادّعى كل واحد منهما تقييد المبيع بقيد كما إذا اشترى اُرزاً أو حنطة على وجه كلّي وقد قيّده بكونه من مكان مخصوص أو من العنبر مثلا وادّعى البائع أنّك اشتريت اُرزاً أو حنطة من مكان آخر أو من غير العنبر مثلا فهما حينئذ متداعيان لأنّ كل واحد منهما يدّعي أمراً ينكره الآخر وأصالة عدم وقوع العقد على المقيّد الذي يدّعيه المشتري معارضة بأصالة عدم

ــ[440]ــ

وقوعه على المقيّد الذي يدّعيه البائع ، فالأصلان متساقطان وبعده لابدّ من أن يثبتا مدّعاهما ببيّنة ونحوها وإلاّ فيتحالفان ويحكم بانفساخ المعاملة كما هو الحال في موارد التداعي .

وأمّا إذا ادّعى المشتري التقييد وادّعى البائع عدم التقييد وقال إنّ البيع مطلق والاختيار بيدي واُعيّن شيئاً آخر غير المقيّد الذي يدّعيه المشتري ، فالظاهر أنّ الأصلين متعارضان أيضاً من دون فرق بين جريان الأصل في العدم الأزلي أو جريانه في العدم على نحو مفاد ليس التامّة ، وذلك لما ذكرناه سابقاً وحقّقناه في مباحث الأقل والأكثر والتعبّدي والتوصّلي من أنّ الإهمال في الواقع غير معقول وأنّه لابدّ وأن يكون الشيء ملحوظاً مقيّداً أو على نحو السعة والاطلاق ، وعليه فكلّ واحد من التقييد والإطلاق أمر وجودي مسبوق بالعدم غاية الأمر أنّ الاطلاق عبارة عن ملاحظة الشيء موسّعاً والتقييد ملاحظته على نحو التضييق ، نعم الاطلاق في مقام الاثبات أمر عدمي لأنّه في مقام الابراز عبارة عن عدم التقييد وعليه فإذا ادّعى أحدهما التقييد وادّعى الآخر إطلاقه فكلاهما يدّعيان أمراً وجودياً مسبوقاً بالعدم ، فأصالة عدم التقييد أي عدم كون المبيع مضيّقاً بحسب الالتزام معارض بأصالة عدم كون المبيع ملحوظاً على نحو السعة فتكون المسألة من التداعي فإذا أثبت أحدهما مدّعاه بشيء فهو وإلاّ يتحالفان ويحكم بانفساخ المعاملة كما في الصورة المتقدّمة ، وهذا من دون فرق بين استصحاب عدم وقوع العقد على المضيّق على نحو مفاد ليس التامّة وبين استصحاب عدم الاتّصاف بالتضيّق على نحو مفاد ليس الناقصة بناءً على جريان الأصل في العدم الأزلي بأن يقال الأصل عدم تحقّق التضيّق مع البيع على هذا الموجود لما عرفت من أنّ كلّ واحد منهما معارض بالمثل في الطرف الآخر فالأصل عدم ملاحظة التوسعة وعدم تحقّقها معه ، هذا كلّه في كبرى المسألة .

 
 

ــ[441]ــ

وأمّا البحث عن المقام الثاني وأنّ المشاهدة والرؤية السابقة هل هي تفيد الاشتراط أو التقييد فملخّص الكلام في ذلك : أنّ التقييد غير ممكن في المقام لأنّ العين المشاهدة الخارجية أمر غير قابل للتوسّع والتضيّق ، لأنّ الجزئي لا يتضيّق ولا يتوسّع وإنّما القابل لهما هو الكلّي ، وأمّا المبيع الخاص فلا معنى للتقييد والاطلاق فيه بوجه ، نعم يمكن أن يتصوّر فيه ذلك لا من جهة نفسه بل بلحاظ الحكم عليه معلّقاً على شيء كما هو الحال في الواجب المشروط بأن يقال أكرم هذا الجائي إن كان زيداً أو يقال أكرم هذا الجائي سواء كان زيداً أو غير زيد ، وعليه فيمكن أن يقال في المقام قد وقع البيع على هذه العين الخارجية مقيّداً ومعلّقاً على وجود الوصف الفلاني أو وقع عليه من دون تقييد بوجود الوصف إلاّ أنّ تعليق البيع على شيء من الأوصاف مبطل للمعاملة ولو مع وجود الوصف أيضاً فضلا عمّا إذا لم يتحقّق الوصف معه .

فالمتحصّل : أنّ تقييد المبيع غير ممكن لجزئيته وتقييد البيع غير صحيح لأنّه من التعليق في العقود ، وعليه فيتعيّن أن تكون الرؤية مفيدة للاشتراط وقد تقدّم أنّ القول حينئذ قول البائع دون المشتري ، وبه يحكم بتقدّم قول البائع في المقام لأنّ النزاع في الاشتراط والمشتري يدّعي أمراً زائداً عن المبيع والأصل عدمه ولا يعتنى بقول المشتري ، اللهمّ إلاّ أن يقيم البيّنة على مدّعاه وهو أمر آخر ، وأمّا بدونها فالقول قول البائع خلافاً للأعاظم بأجمعهم .

وملخّص ما ذكرناه في المقام : أنّ المبيع لمّا كان جزئياً خارجياً فلا يمكن تقييده وتوسعته ، وعليه أي بناءً على عدم إمكان التقييد في المبيع وأنّه لابدّ وأن يرجع إلى الالتزام بالأوصاف والاشتراط ، لا معنى للالتزام بوصف السمن أو الكتابة ونحوهما من الاُمور الخارجة عن اختيار البائع في المبيع ، فما معنى الالتزام بتلك الأوصاف فيه ، فلا محالة إمّا أن يرجع ذلك إلى تعليق البيع على وجود تلك

ــ[442]ــ

الأوصاف في المبيع ، وإمّا أن يرجع إلى تعليق الخيار على هذه الأوصاف بمعنى أنّ المشتري على اختيار من الالتزام بالفاقد عند تخلّف الأوصاف ومن فسخ المعاملة حينئذ ، والتعليق في البيع على تلك الأوصاف الكمالية التي لا يبذل بازائها الثمن يوجب البطلان في البيع ولو مع تحقّقها ووجودها في المبيع ، نعم التعليق على الأوصاف النوعية المقوّمة للمبيع التي يبذل المال بازائها لا يوجب البطلان كما مرّ في محلّه ، ولكن السمن والكتابة ونحوهما ليست من الأوصاف النوعية كما هو ظاهر فلا محالة يكون تعليق الخيار متعيّناً ، وعليه فيرجع دعوى تغيّر المبيع في المقام إلى أنّ المشتري يدّعي الخيار بعد وصول حقّه وهو العين إليه والبائع ينكره وقد عرفت أنّ الأصل حينئذ مع البائع وعلى المشتري إثبات مدّعاه ، وبما ذكرناه في المقام يتّضح الحال في محلّ الكلام ولا يبقى حاجة إلى ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في المسألة ، هذا كلّه في صورة النقص في العين .

وأمّا إذا فرضنا الزيادة فيها كما إذا كانت العين عند المشاهدة مهزولة وادّعى البائع أنّها صارت سمينة بعد ذلك فلي الخيار لأنّى إنّما بعت العين المهزولة ، وأنكره المشتري وقال إنّ المبيع هو العين السمينة فلا خيار لك ، فقد ظهر الحال في ذلك ممّا ذكرناه في صورة دعوى النقص وأنّ هذه المسألة على عكس المسألة المتقدّمة حيث إنّ المشتري يدّعي اللزوم والبائع يدّعي الخيار والأصل مع المنكر للخيار ، لأنّ الأصل عدم الالتزام بشيء غير الالتزام بالعين ، فعلى البائع إثبات مدّعاه على خلاف ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام ، هذا كلّه في الفرع الأول من الفرعين .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net