الكلام في من يتحمّل مؤونة النقل - بيع المسك في الفأر 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2687


وأمّا الثمرة بين الحكم بالبطلان من أوّل الأمر والحكم بالبطلان من حين انكشاف الفساد ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الثمرة تظهر في تصرفات البائع في الثمن فإنّه إذا اشترى بهذا الثمن داراً أو عيناً غيرها فإنّه على القول بالبطلان من الابتداء الثمن ملك للمشتري وقد تصرف فيه البائع ، فصحّة تصرفاته تتوقّف على إجازته ، فلو أجاز شراء الدار بثمنه فتنتقل الدار إلى ملكه ، وإن لم يجزه فينفسخ البيع ويرجع كل من الدار والثمن إلى ملك مالكهما سابقاً ومالك الثمن هو المشتري ، وهذا بخلاف القول بالبطلان من حين العلم بالفساد فإنّ تصرّفات البائع في الثمن حينئذ وقعت في ملكه ، وحين الانفساخ لو كان الثمن باقياً يردّه إلى المشتري  ، وأمّا إذا باعه أو اشترى به شيئاً فينتقل الأمر إلى بدله من المثل أو القيمة .

وكذا تظهر الثمرة في مؤونة نقل المبيع من محلّه إلى محل الاختبار فإنّها على البائع بناءً على أنّ المعاملة فاسدة من الابتداء وعلى المشتري بناءً على أنّ فسادها من حين العلم والانكشاف ، لأنّ المبيع على الأول في ملك البائع وعلى الثاني في ملك المشتري ، فتكون مؤونة الملك على مالكه لا محالة ، كذا نقله شيخنا الأنصاري عن الدروس وظاهره الارتضاء به .

ثمّ حكى عن المحقّق الثاني في جامع المقاصد(1) أنّ المؤونة على المشتري على كلّ تقدير ، إذ لا مقتضي لكونها على البائع لأنّه لم يأمره بنقله فلا يضمن المؤونة ولو كان ملكه . وعن بعض الأساطين وهو كاشف الغطاء (قدّس سرّه)(2) أنّ المؤونة على البائع على كلا التقديرين ، أمّا في صورة كون المبيع ملكه فلأنّه ملكه ومؤونة الملك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع المقاصد 4 : 96 .

(2) شرح القواعد (مخطوط) : 78 .

ــ[463]ــ

على مالكه ، وأمّا في صورة كونه ملكاً للمشتري فلأجل أنّ النقل إنّما كان مستنداً إلى البائع فهو الموجب للنقل فعليه مؤونته وخسارته .

وكيف كان ، فالمتحصّل في المقام أقوال ثلاثة : التفصيل بين كونه ملكاً للبائع فالمؤونة عليه وبين كونه ملكاً للمشتري فمؤونة النقل عليه لأنّه ملكه ، والقول برجوعها إلى المشتري مطلقاً ، والقول برجوعها إلى البائع على نحو الاطلاق .

والصحيح هو الوجه الرابع ، إذ لا يمكن المساعدة على شيء من الأقوال المتقدّمة ، أمّا القول الأول أعني التفصيل بين كون المبيع ملكاً للبائع كما على القول ببطلان المعاملة من الابتداء وكونه ملكاً للمشتري كما على القول ببطلانها من حين الانكشاف والعلم بالفساد ، فلأنّه لا ملازمة بين كون المبيع ملكاً لأحد وكون مؤونة النقل عليه ، ولم يرد نصّ على أنّ المالك يضمن الخسارة والمؤونة في النقل لامكان أن تكون المؤونة على غير مالك المال ولم نفهم لارتضاء شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بذلك وجهاً .

وأمّا القولان الآخران فهما أيضاً لا يمكن المساعدة عليهما ، لأنّ المباشر للنقل هو المشتري فبحسب القاعدة لابدّ من ضمانه لمؤونة النقل وغيره ممّا يباشره ، اللهمّ إلاّ أن يكون فعله ذلك مستنداً إلى البائع وتغريره فإنّ المؤونة والخسارة ترجع إلى الغارّ والمغرور يرجع إلى من غرّه في الخسارات .

وعليه فالحقّ في المسألة أن يقال : إن كان نقل المشتري مستنداً إلى تغرير البائع إيّاه كما إذا كان البائع عالماً بالفساد وكان المشتري جاهلا به فلا محالة تكون الخسارة في النقل على الغارّ دون المشتري المباشر للنقل ، وهذا من دون فرق بين كون المبيع ملكاً للبائع وكونه ملكاً للمشتري ، وإن لم يكن المشتري مغروراً من قبل البائع كما إذا كان البائع أيضاً جاهلا بالحال كالمشتري أو فرضنا المشتري عالماً بالفساد وقد أقدم عليه مع علمه بالحال فالمؤونة على المشتري لا محالة لأنّ النقل

ــ[464]ــ

فعله ولا سبب آخر له ، وهذا أيضاً من دون فرق بين كون المبيع ملكاً للبائع وكونه ملكاً للمشتري ، والوجه في ذلك ما ذكرناه في محلّه من أنّ الغرور يتقوّم بعلم الغارّ وجهل المغرور ومع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور فلا يكون البائع ضامناً للخسارة
وهذا هو الوجه الرابع الذي ذكرنا أنّه الصحيح في المقام ، هذا كلّه في مؤونة نقل المبيع من محلّ البيع إلى محلّ الاختبار .

وأمّا مؤونة نقل المتاع من محل الاختبار إلى البائع عند ظهور الفساد فقد فصّل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بين كون المبيع المكسور ملكاً مع عدم تموّله نظير حبّة الحنطة فالمؤونة على البائع ، وبين عدم كونه قابلا للتملّك فلا يستبعد أن تكون المؤونة على المشتري ، هذا .

ولكنّك عرفت أنّ كون شيء ملكاً للمالك لا يستلزم ضمان المالك للمؤونة في نقله ، فالصحيح أنّ مقتضى قانون المبادلة هو ردّ المبيع إلى البائع في المكان الذي تسلّم فيه المبيع من مالكه فهل يمكن أن يقول المشتري للبائع أعطني ثمني فيطالبه البائع بالمبيع فيجيبه بأنّ مالك في بلد كذا ، بل لابدّ من دفع مال المالك إليه وأخذ عوضه وبدله ، لأنّ المالك إنّما سلّمه إليه في ذاك المكان فلابدّ من إرجاعه إلى ذاك المكان ، والارجاع إليه أمر راجع إلى المشتري فعليه المؤونة والخسارة في إرجاعه إليه ، اللهمّ إلاّ أن يكون المشتري مغروراً من البائع في المعاملة والنقل كما إذا كان المالك عالماً بالفساد وكان المشتري جاهلا بالحال لأنّه عليه يرجع إلى البائع بالخسارة لأنّه الذي أوقعه فيها .

فالصحيح في هذه الصورة أيضاً هو التفصيل بين كون المشتري مغروراً من قبل البائع فالمؤونة على البائع ، وبين عدم الغرور كما إذا كان البائع أيضاً جاهلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 300 .

ــ[465]ــ

بالحال أو كان المشتري عالماً بالحال فالمؤونة على المشتري ، لأنّه بمقتضى قانون المبادلة لابدّ من أن يدفع المبيع إلى البائع عند انفساخ المعاملة والمؤونة في إرجاعه وتسليمه إلى البائع عليه ، ولا يختصّ ذلك بالمقام بل الأمر كذلك في كلّ مقبوض بالعقود الفاسدة ، هذا كلّه فيما إذا طالبه المالك بالمبيع .

وأمّا إذا فرضنا أنّ المالك ردّ الثمن إلى المشتري ولم يطالبه بالمبيع ، إمّا لذهاب ماليته وملكيته وإن كان متعلّقاً لحقّه ، وإمّا لأجل أمر آخر وفرضنا المبيع في مثل المسجد أو المشاهد أو في ملك شخص وقد ألزمنا المالك بتفريغ مكانه من المبيع الفاسد كالبطيخ المدوّد الموجب للرائحة الكريهة أو كنّا مأمورين من قبل الشارع بتنظيف المساجد والمشاهد من القذارات سيّما إذا كانت نجسة ، فهل المؤونة في تفريغ المكان منها على البائع أو أنّها على المشتري ؟

الظاهر أنّ تفريغ المكان من القذارة حكم متوّجه إلى من أشغله بها وهو المشتري ببناء العقلاء ولو كان المشتري مغروراً في المعاملة من البائع ، ولا يصحّ أن يرجع بمؤونة التفريغ إلى البائع ، لأنّ المغرور إنّما يرجع إلى الغار فيما غرّه أو كان لازماً للعمل المغرور فيه ، ومن الواضح أنّ كسره في المسجد وتلويثه ليس من لوازم البيع بالغرور إذ لم يلزمه أحد بوضعه في المسجد ، وبما أنّه غير لازم للغرور فلا يصحّ أن يرجع إلى البائع بهذه المؤونة بل هي ببناء العقلاء متوجّهة إلى المشتري ولعلّه ظاهر .

نعم لو كان ذلك الاشغال مستنداً إلى غير اختيار المشتري فلا يتوجّه إليه الحكم بالتفريغ بل الحكم حينئذ متوجّه إلى جميع المسلمين كما التزمنا بذلك في تنجيس المسجد وقلنا إنّ ذلك إذا صدر عن النائم بلا اختياره كما إذا بال في نومه مثلا فالمكلّف بتطهير المسجد هو الجميع دون خصوص النائم كما هو ظاهر ، وأمّا إذا كان ذلك مستنداً إلى اختياره فهو المكلّف بالتفريغ كما عرفت ، هذا .

ــ[466]ــ

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض لاشتراط صحّة البيع فيما لا يمكن اختباره بأحد أمرين : اشتراط الصحّة أو براءة البائع عن العيوب ، وقد تعرّضنا نحن لذلك سابقاً ونعيده في المقام أيضاً على نحو الإجمال فنقول : إن اُريد بالبراءة عن العيوب براءة البائع عن العيوب مع قيام طريق معتبر على صحّة المبيع عند المشتري ولو كان ذلك أصالة السلامة (على تقدير صحّتها) فالبراءة عن العيوب حينئذ وإن كانت لا تضرّ بالبيع إلاّ أنّها غير محتاج إليها مع قيام الطريق على صحّة المبيع لانتفاء الغرر بها ، وإن اُريد منها براءة البائع عن العيوب مع جهل المشتري بالحال وعدم قيام طريق على إحراز صحّة المبيع فاشتراطها لا يعقل أن يكون مصحّحاً للبيع لأنّه يؤكّد الغرر حينئذ فالمعاملة معه غررية باطلة ، وإن اُريد بها اشتراط براءة المبيع عن العيوب (الذي مرجعه إلى اشتراط صحّته) فهو لا بأس به إلاّ أنّه خلاف ظاهر القائلين بالاشتراط والبراءة ، لأنّ ظاهرهم اشتراط براءة البائع لا المبيع ، ولكن الأمر إذا دار بين الحمل على الغلط أو على خلاف الظاهر فالثاني متعيّن ويقال حينئذ إنّ قولهم يشترط فيه شرط الصحّة أو البراءة الخ من قبيل عطف تفسير وأنّ المراد بها براءة المبيع عن العيوب .

الكلام في بيع المسك في الفأر

لا إشكال في صحّة بيع المسك في فأره لما ذكرناه سابقاً من اعتبار أصالة السلامة في المبيع عند العقلاء بمعنى اشتراط المبيع بالصحّة والسلامة لأنّها بذلك المعنى ترفع الغرر ، إذ على تقدير فسادها فللمشتري خيار تخلّف الشرط ، هذا .

وربما يناقش في صحّة بيع المسك من جهتين : إحداهما الجهل بصحّة المسك وفساده . وثانيتهما : نجاسة المسك لأنّه دم منجمد على المشهور . فأمّا الجهة الاُولى فقد عرفت اندفاعها بأصالة السلامة بمعنى اشتراط الصحّة في المعاملة عند العقلاء

ــ[467]ــ

وأنّها تمنع الغرر لا محالة . وأمّا الجهة الثانية فهي أيضاً مندفعة بأنّا لا نعلم أنّ المسك هو الدم أو كان أصله ذلك فلعلّه شيء آخر ، هذا أوّلا . وثانياً : أنّه على تقدير كونه من الدم محكوم بالطهارة شرعاً فلذا يستعملونه مع العنبر ويذكرونه معه وهما طاهران بالإجماع والنصّ . وثالثاً : أنّ النجاسة بما هي غير مانعة عن البيع وقد ذكرنا ذلك في بحث المكاسب المحرّمة(1) واعترف به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بحث بيع الميتة(2) فراجع ، وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في صحّة بيع المسك في فأره ، هذا كلّه بناءً على أنّ الشكّ في المسك من جهة الشكّ في صحّته وفساده .

وأمّا إذا شككنا فيه من جهة الأوصاف الكمالية الزائدة على صحّته كقوّة رائحته أو حسنها ونحوهما فحينئذ لا يمكن الاعتماد على أصالة السلامة بالمعنى المتقدّم لاختصاصها بالصحّة والفساد ، بل لابدّ من إحرازها بإخبار البائع وتوصيفه أو باختباره .

وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) أنّ طريق اختباره هو أن يدخل فيها خيط بابرة ثمّ إخراجه وشمّه حتّى يعلم ميزان رائحته فلا يحتاج إلى فتق الفأرة حينئذ ، ثمّ ذكر أنّ الأولى أن يتصدّى البائع باختباره إذ لو تصدّى له المشتري فللبائع أن يطالبه بالنقص الوارد على المسك بإدخال الخيط مع الابرة فيه على تقدير عدم شرائه منه ، وذلك لأنّ المشتري يضمن النقص الوارد عليه ، وهذا من جهة ضمان المقبوض بالسوم حيث ذكروا أنّ المقبوض بالسوم تلفه على المشتري ، وهذا لا يختصّ بتلف العين بل يشمل تلف الوصف أيضاً كما في المقام ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 105 ، 51 .

(2) المكاسب 1 : 33 .

(3) المكاسب 4 : 306 .

ــ[468]ــ

ويمكن المناقشة فيما أفاده بوجهين أحدهما : أنّ المشتري لو كان ضامناً للنقص الوارد على المسك فضمانه ليس مبنياً على الضمان في المقبوض بالسوم ، وذلك لأنّ الضمان في المقبوض بالسوم يختصّ بصورة التلف ولذا ذكروا أنّه إذا تلف بنفسه فيضمنه المشتري والمفروض في المقام إتلاف المشتري للوصف لا أنّه تلف بنفسه فضمانه النقص حينئذ من باب عموم من أتلف مال الغير فهو له ضامن لا من جهة الضمان في المقبوض بالسوم . وثانيهما : أنّ المشتري لا يضمن النقص الوارد على المسك في المقام من جهة أنّ النقص إنّما كان برضا البائع وإجازته لا أنّ المشتري نقّصه من عند نفسه ، فسواء قلنا إنّ ضمانه من باب الضمان في المقبوض بالسوم أو من جهة عموم من أتلف الخ فلا يحكم بضمانه في المقام بل يمكنه أن يتصدّى للاختبار برضا البائع وإجازته ، هذا .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net