كيفية استحقاق كلّ من الورثة للخيار - شهرة انتقال المال إلى الورثة بالتقسيم 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4606


الكلام في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار

والاحتمالات فيها خمسة : الأول أن يكون لكل واحد من الورثة الخيار على نحو الاستقلال وله فسخ العقد وامضاؤه كما هو معنى الخيار فينفذ فسخ كل منهم كما تنفذ إجازته .

الثاني : أن يكون لكل من الورثة حق مستقل إلاّ أنه في طرف الفسخ فقط دون الاجازة ، فإنها إنما تنفذ فيما إذا أجازه جميع الورثة ، فيكون هذا نظير الخيار


ــ[137]ــ

الثابت للمتعدّد كما في خيار المجلس فإنّ لكل من المتعاملين في المجلس فسخ المعاملة دون إجازتها لأنها تتوقّف على إجازة كليهما ، نعم تكون إجازته نافذة من قبله فقط  .

الثالث : أن يكون الخيار ثابتاً لطبيعي الورثة بمعنى صرف الوجود ، ومعناه ثبوت الخيار لأحد الورثة فإنه إذا فسخ أو أمضى يكون نافذاً لأنه وجود للطبيعة والخيار ثابت له ، فكل واحد منهم سبق إلى إعماله يكون فعله نافذاً وبه يسقط الخيار لا محالة.

الرابع : ما قوّاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من ثبوت الخيار لمجموع الورثة بما هو المجموع ، فليس لكل منهم فسخ ولا إجازة ولا يقع شيء منهما مؤثّراً إلاّ أن يكون برضا الجميع فسخاً أو إجازة .

الخامس : هو أن يثبت لكل منهم بمقدار حصته . هذه هي الاحتمالات في إرث الخيار بعد اتّفاقهم على الظاهر في أنّ إرث الأموال إنّما هو بالتقسيم على حسب سهامهم المذكورة في الكتاب المجيد .

وينبغي في المقام أن يتكلّم في مقامين : أحدهما في إرث المال لنرى أنّ الأموال تنتقل إلى الورثة بالتقسيم على مقدار سهامهم أو أنّ التقسيم إنما يقع في الخارج في مقام القسمة دون الانتقال ، وإنما ينتقل المال إلى مجموع الورثة وفي مقام التصرف والتقسيم يأخذ كل منهم بمقدار سهمه من النصف أو الثلث أو غيرهما .

وثانيهما : في إرث الحقوق من الخيار ونحوه .

أمّا المقام الأول : فالمتسالم عليه بينهم من غير خلاف أجده أنّ المال ينتقل إلى الورثة بالتقسيم فثُلثه لواحد ونصفه لآخر وهكذا ، لا أنّ مجموع المال لمجموع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 118 ، 120 .

ــ[138]ــ

الورثة والتقسيم إنما يكون في الخارج عند الأخذ .

إلاّ أنّ للمناقشة فيما ذهبوا إليه مجالا واسعاً ، فإنّ الصحيح أنّ المال لا ينتقل إلى الورثة بالتقسيم بل هو لجميع الورثة والتقسيم إنّما يقع في مقام القسمة وذلك لأمرين  :

أحدهما : أنّ المال لو انتقل إلى الورثة بالتقسيم وفرضنا الورثة أخوين مثلا فلا يخلو الحال فإمّا أن يكون لهذين القسمتين أعني النصفين تشخّص وتميّز في الواقع وعند الله تعالى بحيث يكون لمملوك أحدهما الذي هو طرف إضافة الملكية لأحد الوارثين تشخّص عن مملوك الآخر ولو في علم الله وإن كنّا نحن لا نشخّصه ، وإمّا أن لا يكون لأحد المملوكين تشخّص وامتياز عن الآخر ولا ثالث في البين .

أمّا الاحتمال الأول : فهو على تقدير ثبوت موجب له وإن كان أمراً ممكناً ومعقولا في نفسه بأن يكون مملوك أحدهما في علم الله متميّزاً ومعيّناً وإن لم يكن متميّزاً عندنا ، إلاّ أنّ الكلام في موجب ذلك وأنّ أيّ شيء أوجب اختصاص هذا النصف والمملوك لأحدهما والمملوك الآخر للآخر ، ولماذا لم ينعكس مع أنّ السبب الموجب لتملّكهما وانتقالهما إليهما واحد وهو كونهما ولدين للميت .

وأمّا الاحتمال الثاني : وهو أن يكون مملوك كل منهما غير متميّز عن الآخر ولا متشخّص عن غيره فيدفعه : أنّ لازم ذلك أن يكون كل منهما مالكاً للنصف المجرد عن الخصوصيات ، وعليه فنسأل عن مالك تلك التشخّصات والخصوصيات فإنّ الميت كان مالكاً لكلا المملوكين بخصوصيتهما ، والوارثان إنما انتقل لهما ذات المملوكين بلا تشخّصهما وخصوصياتهما ، فمن هو مالك الخصوصيات والتشخّصات وهي مملوكة لمن .

وثانيهما : أنّ المال الموروث ربما لا يكون حصصه مالا وهذا كما إذا مات أحد وترك فلساً واحداً والورثة عشرة فينتقل إلى كل واحد منهم عشر فلس

ــ[139]ــ

واحد وهو ممّا لا مالية له كما هو ظاهر .

وأضف إليه مقدّمة اُخرى : وهي أنهم تسالموا في باب الضمان على أنّ الضمان إنما يثبت في إتلاف الأموال وأمّا إتلاف غير المال فهو محرّم ولكن لا ضمان فيه (وإن استشكلنا فيه بما ذكرناه في محلّه إلاّ أنه مسلّم عندهم) ولازم هذين الأمرين أنه إذا أتلف أحد ذلك الفلس لا يكون ضامناً لأحد من الورثة ، لأنّ مملوك كل واحد منهم هو عُشر الفلس وهو ممّا لا مالية له وإتلاف غير المال لا يوجب الضمان ، ومجموعه وهو عشرة أعشار وإن كان مالا إلاّ أنه ليس ملكاً لأحد والملك إنما هو كل عُشر منه وهو ليس بمال ، ومقتضى هذين الأمرين عدم إمكان كون المال منتقلا إلى الورثة بالتقسيم وإنما المال ينتقل إلى مجموع الورثة(1) فهو مملوك واحد ومالكه متعدّد بمعنى أنّ كلا من الأخوين نصف المالك لا أنه مالك تام لنصف المال بل المملوك واحد والاشتراك في المالكية ، فهذا له نصف المالكية أو ثلث المالكية وهكذا ، وحينئذ يندفع المحذوران المتقدّمان لأنّ المال بخصوصياته ملك لمجموع الورثة فلو أتلفه أحد فلا محالة يكون ضامناً لمجموعهم لأنه مال ولا مانع من تصوير المالكية للعنوان الانتزاعي كما هو كذلك في المقام ، لأنّ المجموع ليس إلاّ عين الأفراد فهو عنوان انتزاعي ولكنه لا مانع من قيام الملكية بالأمر الانتزاعي كما لا مانع من قيامه بالمعدوم ، إذ الملك اعتباري واعتباره للانتزاعي وغيره أمر ممكن .

ويؤيّد ذلك : أي كون المال منتقلا إلى مجموع الورثة لا بالتقسيم ، أنّ المال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لأنّ الورثة بأجمعهم يقومون مقام مورّثهم وكأنّهم هو ، فيثبت ما للمورّث لمجموعهم لأنهم بمجموعهم يقومون مقامه فمجموعهم مالك واحد ، والمالكية مختلفة فبعضهم نصف المالك وبعضهم ثلثه والتبعيض في المالكية دون المملوك بمعنى أنّ التبعّض والقسمة في المملوك أو أنّ المملوك غير متبعّض بل التبعّض في المالكية كما سيتّضح إن شاء الله تعالى .

ــ[140]ــ

الموروث ربما لا يكون قابلا للتقسيم أصلا فكيف ينتقل إلى الورثة بالتقسيم ، وهذا كما إذا استأجر أحد آخر في صلاة ركعتين ثم مات المستأجر وقد انتقل ملك ركعتين من الصلاة إلى الورثة ، والصلاة ركعتين غير قابل للتقسيم بأن يقال قراءة الركعة الاُولى لأحد الورثة وركوعها للآخر والركعة الثانية لثالث وهذا ظاهر ، بل الظاهر أنّ مجموع المال أعني ملك ركعتين من الصلاة ينتقل إلى مجموع الورثة غاية الأمر أنّ أحدهما نصف المالك للصلاة والآخر ثلث المالك لها وهكذا ، فالتقسيم في المالكية دون المملوك ، إلاّ أنّ هذا المعنى لمكان دقّته عبّر عنه في القرآن المجيد بتقسيم المملوك فقال عزّ من قال (وَلاَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ)(1) وهكذا ، ولكنّه تعبير مسامحي وقع من جهة دقّة ما ذكرناه .

فإذا عرفت أنّ إرث المال إنما هو بانتقاله إلى مجموع الورثة وكونهم مالكاً واحداً قائمين مقام المورّث الواحد في المالكية وإن كان أحدهم نصف المالك والآخر ثلثه ، يتّضح لك حال جميع موارد الشركة الاختيارية وغيرها وحال البيع ، فإنه إذا باع نصف داره لزيد فمعناه أنه باعه نصف مالكية الدار له ، فالمملوك جميع الدار إلاّ أنه نصف مالك كما أنّ نفسه نصف المالك ، لا أنه باع نصف مملوكه لزيد حتى يرد عليه السؤال المتقدّم من أنه نصف معيّن أو غير متشخّص الخ وكذا فيما إذا اشتركا في ماليهما فمعناه أنّ كل واحد منهما رفع يده عن مالكيته الاستقلالية وبدّلها بالمالكية الناقصة فصار المجموع ملكاً لكليهما ، وكل منهما نصف المالك والمالك واحد ، ومن هنا لو أتلف أحد ديناراً معيّناً من ذلك المال الذي كان لأحد الشريكين قبل الشركة يكون ضامناً لكليهما لأنه صار مملوكاً لمالك نصفه هذا الشريك ونصفه الآخر ذاك الشريك  ، وغير هذا المعنى في البيع والشركة غير متصوّر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 11 .

 
 

ــ[141]ــ

وعليه فنقول : إنّ إرث الخيار وغيره من الحقوق أيضاً كإرث المال فكما أنه ينتقل إلى مجموع الورثة ويكون كل منهم نصف المالك أو ثلثه فكذلك الخيار ينتقل إلى مجموع الورثة ويكون كل واحد منهم نصف ذي الخيار أو ثلثه وهكذا ، فلابدّ في إسقاطه وفسخه من اجازة الجميع كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وهذا بناء على ما ذكرناه في انتقال المال ظاهر .

وأمّا إذا بنينا على ما بنى عليه المعروف وقلنا إنّ المال ينتقل إلى الورثة بالتقسيم فهل ينتقل الخيار إلى مجموع الورثة أيضاً كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أو أنه ينتقل إلى كل واحد منهم على نحو الاستقلال أو غير ذلك من الاحتمالات المتقدّمة ؟

الظاهر أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) هو المتعيّن ، وذلك لأنّ احتمال كون الحق منتقلا إلى طبيعي الورثة وإن كان أمراً ممكناً في حد نفسه ولا مانع من تصوير كون الطبيعي مالكاً كما ذكرناه في ملك طبيعي الفقراء للزكاة أو طبيعي السادة لسهمهم أو طبيعي العالم في الوقف مثلا ، إلاّ أنه في مقام الاثبات يحتاج إلى دليل ولا دليل في المقام على أنّ الحق ينتقل إلى طبيعي الورثة .

وأمّا الاحتمال الأول أعني احتمال أن يكون كل واحد من الورثة له خيار مستقل ، فيدفعه أنّ الخيار المنتقل إلى الورثة إنما يتلقّاه الورثة عن مورّثهم ، فلا ينتقل إليهم إلاّ على نحو يثبت للمورّث ، ولا إشكال في أنّ المورّث كان له حق واحد لا حقوق متعدّدة ليصير كل من الورثة مالكاً للخيار حتى يتعدّد الحقوق بتعدّد الورثة هذا .

على أنّ دليل الارث في المال والحقوق واحد وقد بنيتم على أنّ معناه في المال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 118 ، 120 .

ــ[142]ــ

هو انتقال ما للميت إلى وارثه بالتقسيم ولا تلتزمون به في الحق وتدّعون أنّ كل واحد منهم يكون مستقلا بالخيار لا أنّ الخيار الواحد ينتقل إليهم بالتقسيم ، مع أنّ مفاد الدليل واحد في كل من الحق والمال ، فلا وجه للالتزام بانتقال الخيار إلى كل واحد منهم على نحو الاستقلال من دون التزام ذلك في المال .

وأمّا احتمال أن يكون كل من الورثة مالكاً للخيار بمقدار حصة نفسه بدعوى أنّ الحق كالمال فكما أنه ينتقل إلى الورثة بمقدار سهامهم فكذلك الخيار إلاّ أنه لما لم يكن أمراً قابلا للانقسام في نفسه وكان قابلا له بلحاظ متعلّقه فيثبت لكل منهما الخيار في نصف المال ، فله أن يفسخ المعاملة في نصفها مثلا أو ثلثها وهكذا ، ففيه أيضاً  : أنّ هذا لا دليل عليه ، لأنّ دليل الارث في المال وغيره واحد وهو قوله « ما تركه الميت فلوارثه » أي لوارثه بمقدار سهمه فيما يرثه لا في متعلّق ما يرثه فاستفادة الانتقال في متعلّق الموروث من قوله (عليه السلام) « ما تركه ... الخ » غير ممكن .

على أنّ الدليل على العدم موجود وهو أنّ ما ينتقل إلى الورثة إنما هو عبارة عمّا كان ثابتاً للمورّث ، ومن الظاهر أنّ المورّث كان له حق واحد في ردّ تمام المال ولم يكن له ردّه في نصفه أو في ثلثه على الفرض فكيف يكون الورثة متمكّناً من فسخ المعاملة في نصفه أو في ثلثه مع أنه لم يكن ثابتاً لمورّثه .

وأمّا احتمال أن يكون لكل منهم الخيار في طرف الفسخ فقط دون الاجازة ففيه : أنّ الثابت للميت إنما كان حقاً واحداً فثبوت حقوق متعدّدة للورثة يحتاج إلى دليل . على أنّ كونه ذا خيار في طرف الفسخ دون الاجازة ممّا لا وجه له ، لأنه إمّا أن يكون ذو خيار في فسخ العقد وإجازته ، وإمّا لا يكون له حق في شيء من الطرفين وإثبات أحدهما دون الآخر موقوف على الدليل وهو مفقود ، ولا يقاس المقام بثبوت الخيار للمتعدّد كالموكّل والوكيل فإن فسخ أحدهما فسخ الآخر لأنّ

ــ[143]ــ

الوكيل نائب عن الموكّل في فسخ العقد أو إجازته ففسخه فسخه لا أن لكل واحد منهما خيار في مقابل خيار الآخر كما في المقام .

وعليه فالصحيح ما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ الخيار الواحد الثابت للمورّث ينتقل إلى مجموع الورثة ، والسرّ فيه ظاهر وهو أنّ الورثة لا تتلقّى الخيار من الشارع ابتداء وإنما تتلقّاه من مورّثه ، فلابدّ من أن يكون الخيار المنتقل إلى الورثة عين ما كان ثابتاً للمورّث كمّاً وكيفاً وإلاّ لم يكن المنتقل إلى الورثة هو ما كان للميت  ، ومن الظاهر أنّ الثابت للميت إنما كان حق واحد في تمام المبيع ولم يكن متعدّداً ولا ثابتاً في بعض المبيع ، وبما أنّ مجموع الورثة قائم مقام المورّث فينتقل إلى مجموعهم ما كان ثابتاً للميت ، فلمجموعهم خيار واحد كما كان الأمر في انتقال المال كذلك ، وغاية الأمر أنّ المال يمكن تقسيمه والحق لا يقبل التقسيم ، هذا كلّه بناء على أنّ مدرك إرث الخيار هو الرواية أعني قوله (عليه السلام) « ما تركه الميت فلوارثه » وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة حينئذ هو انتقال الخيار إلى مجموع الورثة .

وأمّا بناء على أنّ مدركه هو الاجماع كما قدّمناه سابقاً فالأمر أوضح ، وذلك لأنّ المتيقّن من انتقال الخيار إلى الورثة ونفوذ فسخهم ما إذا كان جميعهم مجتمعين على الفسخ أو الامضاء ، وأمّا إذا انفرد بعضهم بأحدهما أي الفسخ أو الامضاء فلا إجماع على نفوذه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net