النقض بمثل حقّ الشفعة والقذف والقصاص - إذا اجتمع الورثة على الفسخ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3600


بقي الكلام فيما يورد على ما ذكرناه من النقض بمثل حق القذف وحق الشفعة وحق القصاص ، لأنّ مقتضى ما ذكرناه من ثبوت الحق لمجموع الورثة أن تكون الحقوق المذكورة ثابتة لمجموع الورثة أيضاً ، ولازمه أن ترتفع باسقاطهم له معاً مع أنّهم ذكروا أنّ أحد الورثة إذا أسقط حقّ القذف عن القاذف فيما إذا قذف أباه ثم مات أبوه فانتقل حق القذف الثابت لوالده إليه وإلى سائر الورثة وتجاوز عن حقّه لا يسقط عن القاذف بل لباقي الورثة المطالبة به ، وكذا إذا ثبت له حق الشفعة

ــ[144]ــ

فمات وانتقل إلى ورثته وأسقطه بعض الورثة فللآخر أن يأخذ بحق الشفعة في تمام الشقص  ، وكذا إذا أسقط بعضهم حق القصاص الثابت لمورّثهم فللآخر أن يطالب به كما إذا قتل أحد أقاربه وثبت له حق القصاص من القاتل ثم مات وانتقل إلى ورثته وتجاوز أحدهم عن حقه ، فللآخرين مطالبة القاتل بالقصاص ، وكل ذلك مناف لما ذكرناه من ثبوت الحق للمجموع . وبالجملة أنّ مقتضى ما ذكروه ثبوت الخيار لكل واحد من الورثة على نحو الاستغراق والاستقلال وهو ينافي لما ذكرناه من انتقال الخيار إلى مجموع الورثة .

وأجاب عنها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بأنّ الالتزام بثبوت الخيار في الموارد المذكورة للباقين بعد عفو بعضهم إنما هو من جهة دليل لا ضرر الحاكم على أدلّة الأحكام الأولية ، وذلك لأنّ أحد ورثة المقتول إذا عفى عن حقّه وقلنا إنه يوجب سقوط حق الآخر أيضاً يستلزم ذلك الضرر على ذلك الوارث الآخر لعدم حصول التشفّي له بالقصاص الذي هو الوجه في أصل جعل حق الاقتصاص ، ولولا دليل لا ضرر وكنّا نحن ودليل الارث فقط لمنعنا عن ثبوت الحق لكل من الورثة في الموارد المذكورة أيضاً كما ذكرناه في إرث الخيار ، وكذا الحال في حق القذف وحق الشفعة لأنّ الوارث الآخر إذا قلنا بسقوط خياره وحقه بعفو أحد الورثة يتضرّر لا محالة ، ومقتضى دليل لا ضرر أن يبقى حقّه مع عفو الآخرين ، هذا .

ويمكن المناقشة فيما أفاده (قدّس سرّه) : بأنّ مقتضى القاعدة في إرث الحقوق هو ما ذكرناه من انتقالها إلى مجموع الورثة لا إلى كل واحد منهم ، وأمّا ثبوت حق القذف للباقين عند عفو بعضهم فإنما ثبت بالدليل لورود النص على أنّ الباقي من الورثة يتمكّن من المطالبة بحق القذف ولو مع عفو غيره ، فثبوت الحق لكل من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 121 .

ــ[145]ــ

الورثة في القذف ثبت بالنص وهو ظاهر .

وأمّا حق القصاص فالظاهر أنّ ثبوته للورثة أو لورثة الورثة ليس من جهة إرث حق القصاص وانتقاله من مورّثهم إليهم ، بل إنما ثبت ذلك للورثة ابتداء من جهة الولاية لقوله تعالى (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً)(1) فالوارث ووارثه وهكذا له الولاية على مطالبة القاتل بالقصاص ، وهذه الولاية ثبتت ابتداء للوارث من الشرع لا أنه تلقّاه من مورّثه ، وذلك لأنّ حق القصاص لم يثبت للمقتول حتى ينتقل منه إلى وارثه (إذ الميت لا حق له في القصاص) بل إنما يثبت لولي المقتول ابتداء ، والمراد بالولي هو من يكون قريباً من الميت يلي أمره وهذا شامل لوارث المقتول ولوارث وارثه وهكذا ، نعم قد دلّ الدليل أيضاً على أنه إذا أراد القصاص يجب عليه دفع ما أخذه الوارث الآخر الذي عفى عن القصاص إلى أولياء القاتل ، فحق القصاص خارج عن باب إرث الحقوق ، وهذا أيضاً ظاهر .

وأمّا حقّ الشفعة فالمشهور وإن ذهبوا إلى ثبوته لكل واحد من الورثة إلاّ أنه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم الدليل على ثبوته لكل واحد منهم ، ومقتضى القاعدة أن ينتقل ذلك إلى مجموع الورثة لا إلى كل واحد منهم ، فحق الشفعة كحق الخيار فلا إشكال حينئذ .

وأمّا ما أفاده (قدّس سرّه) من ثبوته لكل من الورثة بدليل لا ضرر فلا يخفى عليك ضعفه .

وذلك أمّا أوّلا : فلما ذكرناه في بحث لا ضرر من أنّ الضرر عبارة عن النقص في المال أو في العرض أو في النفس ، وكل حكم شرعي استلزم النقص في أحد الاُمور المذكورة فهو مرفوع وغير ثابت ، ومن الظاهر أنّ الحكم بعدم تمكّن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاسراء 17 : 33 .

ــ[146]ــ

الوارث الآخر من تبديل ملكيته الاشتراكية إلى الملكية الاستقلالية بالأخذ بالشفعة عن المشتري ليس موجباً لتضرّره ونقصه في ماله أو عرضه أو نفسه ، نعم هو منع عن جلب المنفعة ، ومن الظاهر أنّ الأحكام المانعة عن جلب المنافع كثيرة في الشرع لا يرفعها دليل لا ضرر ، مثلا لا يجوز تملّك أموال الجيران شرعاً وهو غير مرفوع بدليل لا ضرر ، والمفروض أنّ ما وصل إليه هو الملكية الاشتراكية من الابتداء لأجل الارث ولم يرد عليها نقص ، فلا مجرى لدليل لا ضرر حينئذ وهو ظاهر .

وأمّا ثانياً : فهب أنّ عدم تمكّن الوارث من تبديل الملكية الاشتراكية إلى الاستقلالية ضرر ، إلاّ أنّا ذكرنا في محلّه أنّ لا ضرر ورد في مقام الامتنان على الأمة  ، فإذا استلزم جريانه في مورد خلاف المنّة على بعضهم فلا محالة لا يكون شاملا له ، وفي المقام إذا حكمنا بتمكّن الوارث الآخر من الأخذ بالشفعة يكون هذا موجباً لتضرّر المشتري ورفع سلطنته عن ماله بلا رضاه فلا يشمله دليل لا ضرر نعم أصل إرث الشفعة في الشريعة المقدّسة أيضاً مبني على الضرر ، إلاّ أنّا نرفع اليد عنه في أصل جعلها بالدليل وهو أدلّة الإرث فيما إذا كان ثبوت أصل الحق متيقّناً وهو ما إذا اجتمعت الورثة بأجمعهم على الأخذ بالشفعة لا في مورد عدم دلالة الدليل كما فيما نحن فيه .

وأمّا ثالثاً : فلأنّا لو قلنا بجريان دليل لا ضرر في أمثال المقام فليكن إرث الخيار أيضاً كإرث حق الشفعة ، لأنّ منع الباقي من الورثة عن الخيار فيما إذا أسقطه بعضهم أيضاً موجب لتضرّر الورثة الباقين سيّما إذا كان مورّثهم قد باع ما يسوى بمائة بخمسين درهم مع الخيار ، لأنّ ترك فسخه يوجب ذهاب نصف مالية المال عن الورثة ، وكيف كان فلا فرق بين حقّ الخيار وحق الشفعة من هذه الجهة .

وأمّا رابعاً : فهب أنّ دليل لا ضرر شامل لأمثال المقام وأغضينا عن استلزامه الضرر على المشتري ، ولكن مقتضى حق الباقي من الورثة إذا أعمله أن

ــ[147]ــ

ترجع الحصة المبيعة إلى ملك الميّت وبعده ينتقل إلى جميع الورثة ، ولا وجه لاختصاص تمام الحصة بالوارث الآخذ بحق الشفعة ، فما ذكروه من استقلال ذلك الوارث بتمام الحصة ممّا لم يقم عليه دليل .

اللهمّ إلاّ أن يقال بالفرق بين حق الخيار وحق الشفعة ، فإنّ حق الخيار إنما يتعلّق بالعقد لأنه ملك فسخ العقد وإمضائه وإذا فسخ العقد الذي أوقعه الميت في حياته يلزمه انتقال الثمن إلى الميت والمثمن إلى المشتري لأنه مقتضى الفسخ وحل العقد وينتقل من الميت إلى جميع الورثة ، وأمّا حق الشفعة فهو حق التملّك الجديد من دون رضا المشتري وقد ثبت تخصيصاً لحرمة أكل المال بالباطل إلاّ بالتجارة عن تراض ، ومن هنا ذكر المحقّق الشفعة بعد كتاب الغصب وكأنه بمناسبة أنّ الشفعة كالغصب تملّك لمال المشتري بلا رضاه إلاّ أنه غصب شرعي ، وإذا ثبت حق التملّك الجديد لكل من الورثة وأسقطه بعضهم فللآخر أن يعمله ويتملّك الحصة ملكية جديدة ، لا أنه إرجاع للملك إلى ملك مالكه وفسخ للعقد الواقع بين الشريك وبين المشتري ، إذ لو كان كذلك لرجع الحصة إلى ملك الشريك أعني المالك الأول مع أنه باع وبيعه لازم ، فيتعيّن أن يكون ذلك تملّكاً للحصة من المشتري ولو بدون إذنه تملّكاً جديداً ، وعليه لا يرد هذا الإشكال عليه ، هذا تمام الكلام في كيفية استحقاق كل من الورثة الخيار .

فـرع

فيما إذا اجتمع الورثة على الفسخ بأجمعهم وللبحث في ذلك جهات :

الجهة الاُولى : في أنّهم إذا اجتمعوا على الفسخ وكان على الميت دين مستغرق للتركة وقلنا بثبوت الخيار للورثة في هذه الصورة ـ على إشكال قد تقدّم في أنه لا وجه لثبوت الخيار للورثة حينئذ لأنّ الأموال ملك للديّان ، أو أنها متعلّق لحق

ــ[148]ــ

الغير ومعه كيف يثبت للورثة الخيار والتصرف في ملك الغير أو في متعلّق حقّه فراجع ـ فهل يشترط في فسخهم أن يكون ذلك لمصلحة الديّان أو لا يكون على ضررهم وإن لم يكن لمصلحتهم أيضاً ، أو أنّ فسخهم غير مشروط بشيء من ملاحظة المصلحة أو عدم الضرر وأنهم متمكّنون من الفسخ حتى فيما إذا أوجب ذلك فساداً وضرراً على الديّان ، فإذا كان الميت قد باع ماله بمائتين وقد نزلت القيمة بعده بحيث لو فسخوا المعاملة فعلا لما يسوى بأكثر من مائة لجاز للورثة فسخها ولو كان ذلك موجباً للمفسدة على الديّان حيث يخرج عن الميت مائتا درهم ويدخل في مقابله مائة ؟

فإن اعتمدنا في إرث الورثة على قوله « ما تركه الميت فلوارثه » وقد أحرزنا صغرى ذلك من الخارج ، أي استفدنا أنّ الحقوق أيضاً ممّا تركه الميت وأنه ينتقل إلى الورثة ، فلا نشترط في جواز فسخ الورثة شيئاً من كون الفسخ لمصلحة الديّان أو كونه غير موجب للمفسدة عليهم ، وذلك لاطلاق الدليل وعدم وجوب حفظ مال الغرماء على الورثة ، فإنّ أموال الميت تنتقل إلى الديّان على نحو القضية الحقيقية بمعنى أنّ ما كان مالا للميت ينتقل إليهم ، وأمّا إيجاد المال له أو إبقاؤه فوجوبه على الورثة يحتاج إلى دليل .

وأمّا إذا اعتمدنا في إرث الحقوق على الاجماع دون قوله (عليه السلام) « ما تركه الميت فلوارثه » لأنه لا يتكفّل لاحراز موضوعه ولا يدلّ على أنّ الحقوق أيضاً ممّا تركه الميت ، فلابدّ من الاقتصار فيه على المورد المتيقّن وهو غير صورة استغراق الدين للتركة ، وعلى تقدير شمول الاجماع لهذه الصورة فالمتيقّن كون الفسخ على مصلحة الديّان أو على غير ضررهم فإنه لا إجماع على انتقال الخيار إلى الورثة عند كون فسخهم موجباً للمفسدة على الديّان قطعاً ، كما لا إجماع على إرث الخيار فيما إذا كان للميت دين مستغرق .

ــ[149]ــ

الجهة الثانية : إذا كان على الميت دين مستغرق للتركة وكان الفسخ لمصلحة الديّان كما إذا فرضنا أنّ الميت باع ماله بمائة وهو يسوى بمائتين فعلا فإنّ الفسخ حينئذ لمصلحة الديّان ، فهل يجب على الورثة الفسخ ويجبرون عليه ، أو أنّ لهم فسخه كما لهم تركه ؟ وهذا هو الصحيح إذ لا يجب على الورثة التحفّظ على بقاء مال الميت أو إيجاده ، فإنه كما عرفت على نحو القضية الحقيقية وأنه على فرض كون الميت مالكاً لمال يتملّكه الديّان فلا يجب عليهم إيجاد المال له ولا إبقاؤه .

الجهة الثالثة : إذا فرضنا أنّ الورثة فسخوا المعاملة أو المشتري فسخها بخياره فما هو حكم المشتري بالاضافة إلى الرجوع إلى نفس ثمنه إذا كان باقياً أو إلى بدله ، هل يرجع إلى عين ثمنه إذا كانت موجودة أو يرجع إلى بدلها مطلقاً كان للميت دين أم لم يكن وكان له مال أو لم يكن له مال ؟.

ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ هذه المسألة أعني مسألة ما إذا اجتمع الورثة على الفسخ ورجوع المشتري إلى عين ثمنه وعدمه متفرّعة على إرث الخيار وانتقاله من الميت إلى الورثة ، وأنه إذا قلنا بانتقال الخيار إليهم واجتمعوا وفسخوا فهل يرجع المشتري إلى عين ماله أو إلى بدله .

ولكن الصحيح أنّ المسألة مستقلّة وهي مسألة برأسها من غير أن تكون متفرّعة على القول بانتقال الخيار إلى الورثة ، إذ يمكن جريان هذا النزاع على القول بعدم إرث الخيار كما إذا كان للمشتري الخيار وقد فسخ بعد موت البائع فإنه نافذ بلا خلاف ، أو وقع بينه وبين الورثة خلاف انجر إلى التحالف وانفساخ المعاملة فيتكلّم حينئذ في أنّ المشتري هل يرجع إلى عين ماله إذا كان موجوداً أو إلى بدله ، والصور المترتّب عليها الأثر في المقام ثلاث :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 125 .

ــ[150]ــ

الصورة الاُولى : ما إذا كان على الميت دين مستغرق وكان له مال ، فإن لم يكن عين الثمن باقية على ملك الميت كما إذا أتلفه الميت في حياته أو وهبه أو باعه فلا محالة يطالبه المشتري ببدل ماله وينتقل المبيع إلى الميت ويصرف في ديونه التي منها ثمن المشتري .

وأمّا إذا كان عين الثمن موجودة فالصحيح أنّ المشتري يرجع إليها بعينها ويطالبها ، وذلك لأنها كغيرها من أموال الميت باقية على ملك الميت ولم ينتقل إلى الورثة شيء بناء على ما قدّمناه من أنّ الانتقال إلى الورثة إنما هو بعد الدين والوصية ، فالأموال ملك نفس الميت وحيث إنّ الثمن موجود فمقتضى قانون الفسخ أن يرجع كل من المالين إلى مالكهما فيرجع المبيع إلى ملك الميت والثمن إلى ملك المشتري لبقائه في ملك الميت لا أنه ملك الورثة وغاية الأمر أنه متعلّق لحق الغير كما على القول بانتقال التركة إلى الورثة بالموت وسيظهر حكم المسألة بناء على هذا القول من مطاوي ما نذكره في المقام ، وهذا ظاهر .

الصورة الثانية : ما إذا لم يكن للميت مال أصلا لا عين الثمن ولا غيره بل أخذ الثمن وصرفه ومات ولم يبق شيئاً ، فإذا فسخ المشتري أو اجتمع الورثة على الفسخ فهل يسوغ للمشتري أن يطالب الورثة ببدل ثمنه لأنهم يقومون مقام الميت أو لا يسوغ له ذلك لأنّ طرف المعاملة إنما كان هو الميت وقد مات ولا مال له والورثة لم ينتفعوا منه بشيء فكيف يتضرّروا بدفع بدل الثمن إلى المشتري ؟

وقوّى شيخنا الأنصاري(1) بالأخرة رجوع المشتري إلى الورثة لأنهم بأجمعهم يقومون مقام الميت والمشتري يرجع إليهم ، ولا يشترط في فسخهم أن يدفعوا الثمن من ملك الميت بل يمكنهم أن يدفعوه من ملك نفسهم كما في حق الشفعة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 126 .

ــ[151]ــ

لأنهم يأخذون الحصة المبيعة من المشتري بمال نفسهم لا بمال الميت فكذا في الفسخ بالخيار ، هذا .

والظاهر أنّ هذا النزاع يبتني على أنّ الفسخ بالخيار هل هو تملّك جديد أو أنه حل للعقد السابق وإعدامه بقاءً وكأنه بحسب البقاء لم يوجد عقد أصلا ؟ وبعبارة أوضح أنّ الخيار ملك تملّك جديد أو أنه ملك حل العقد السابق ؟ فعلى الأول يرجع المشتري إلى الورثة فيتملّكون المبيع تملّكاً جديداً ويدفعون الثمن إلى المشتري في مقابله ، كما هو كذلك في الأخذ بالشفعة فإنّ الورثة لا يفسخون العقد الواقع على حصة الشريك ولا يجعلونه كالعدم بحسب البقاء وإنما يتملّكون الحصة من المشتري بتملّك جديد ويدفعون مثل الثمن الذي دفعه المشتري إلى البائع الشريك .

وأمّا على الثاني فالفسخ إنما يوجب ارتفاع العقد ويجعله كالعدم بقاءً ، ومن الظاهر أنّ المعاملة إنما وقعت بين المشتري وبين الميت ، فإذا ارتفعت المعاملة فيرجع كل من المالين إلى مالكهما ، فيرجع المبيع إلى ملك الميت ويطالبه المشتري ببدل ثمنه فلابدّ من صرف المبيع في دفع بدل الثمن إذا لم يكن للميت دين آخر ، وأمّا إذا كان له دين آخر أيضاً فيصرف المبيع في أداء كلا الدينين وحينئذ فبأيّ وجه يطالب المشتري بدل ثمنه من الورثة مع أنهم خارجون عن طرف المعاملة وكيف يدفعون بدله ويتضرّرون بذلك من دون أن ينتفعوا من الميت بشيء ، وقد عرفت أنّ معنى الفسخ ليس إلاّ حلّ العقد السابق لا أنه تملّك جديد .

وأمّا الشفعة فقد عرفت أنّها ليست بفسخ وإنما هي تملّك جديد ثبت بدليله وهو تخصيص في أدلّة التجارة عن تراض فإنه يأخذه من المشتري بلا رضاه بمثل الثمن الذي دفعه المشتري إلى الشريك قليلا كان أم كثيراً .

والمتحصّل : أنّ ما قوّاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، بل المشتري لا يرجع إلى الورثة بشيء ويكون الميت مديوناً له ببدله ، نعم

ــ[152]ــ

نحن لا ننكر عدم كون الورثة كالوكيل والنائب عن الميت فإنّ الخيار حق لهم ، وإنما الكلام في متعلّق ذلك الحق وأنه هو حل العقد السابق الواقع بين الميت والمشتري أو هو التملّك الجديد ليصرف المبيع المرجوع إلى ملك الميت في أداء دينه ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) من أنّ المشتري أولى بالمبيع من غيره من الغرماء وأنه إذا كان له دين آخر يكون المشتري كأحد الغرماء فيضرب معهم بلا تقدّم للمشتري على سائر الديّان .

الصورة الثالثة : ما إذا كان للميت مال ولم يكن عليه دين أصلا أو كان عليه دين غير مستغرق لتركته وقد فسخ المشتري أو الورثة ، فإن لم تكن عين ثمنه موجودة لأنّ الميت أتلفه أو وهبه فلابدّ من أن يرجع المشتري إلى الميت ببدل ثمنه وهو دين عليه لابدّ من أدائه ، وأمّا إذا كانت عين ثمنه موجودة فهل له المطالبة بعين ثمنه أو لا ؟

والتحقيق أنّها بالفسخ يرجع إلى ملك المشتري كما أنّ المبيع يرجع إلى ملك الميت ، ومع وجود عين مال المشتري لا تنتهي النوبة إلى البدل ، وهذا لأجل السيرة القائمة على رجوع عين المال إلى المشتري أو إلى البائع بالفسخ ، بل هذا الذي ذكرناه ممّا لا خلاف فيه في بيع الخيار كما إذا اشترى داراً ببيع الخيار ثم مات وانتقلت الدار إلى الورثة ثم جاء البائع بالثمن وفسخ المعاملة فإنه يطالب بعين داره ، ولا يمكن ردّ بدلها إليه بدعوى أنها انتقلت إلى الورثة ، وذلك لما عرفت من جريان السيرة على ردّ عين المال مع وجودها ، وفي المقام أيضاً إذا فسخت المعاملة فالمشتري يطالب بعين ماله .

والسرّ فيما ذكرناه أنّ الورثة إنما يتلقّى الملك من المورّث فينتقل الملك إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 3 : 305 .

ــ[153]ــ

الورثة على نحو كان للمورّث ، فإذا فرضنا أنّ ملكية المورّث للمال كانت مقيّدة بعدم الفسخ فينتقل الملك إلى الورثة أيضاً مشروطاً بعدم الفسخ ، فإذا فسخ فلا محالة يخرج عن ملك الورثة إلى مالكه الأوّلي ، كما أنّ العين إذا كانت متعلّقة لحق الرهانة فتنتقل إلى الورثة متعلّقة لحق الرهانة ، ولا يكون الملك بسبب الارث زائداً على ملك المورّث ولا يحدث بسببه أمر زائد ، وحيث كانت عين الثمن ملكاً للمورّث موقتاً بالفسخ فلا محالة ينتقل إلى الورثة أيضاً موقتاً بالفسخ ، فإذا حصل الفسخ فلا محالة يخرج عن ملكهم ، ولأجل السيرة ذكرنا أنه لا فرق في هذه الصورة بين عدم الدين على الميت أصلا وبين دينه لا على وجه الاستغراق ، وهذا ظاهر .

نعم للمورّث أو الوارث أن يتصرّفوا في العين قبل فسخ المشتري أو البائع ببيعها وهبتها وإتلافها وغير ذلك من التصرفات ، إلاّ أنها إذا كانت باقية بحالها وفسخ المشتري أو البائع فلا محالة يرجع إليها بعينها ، والوجه في جواز تصرّفاتهم في المال قبل فسخ المعاملة هو ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ المقيّد في هذه الموارد هو المالكية والسلطنة دون المملوك ، وله سلطنة على المال مقيّدة بوقت كسلطنة شهر مثلا إلاّ أنّ سلطنته في وقتها تامّة وله أن يتصرّف في مدّة سلطنته تصرّفاً يبقى إلى آخر الأبد ، فإنه ينفذ لصدوره من أهله وإن ارتفعت سلطنته بعد مدّة ، وهذا نظير السلطان الموقت فله أن يتصرّف أيّ تصرّف في سلطانه في مدّة سلطنته ، وللورثة والمورّث أن يبيعوا المال أو يعدموه ، وهذا ظاهر .

نعم يستثنى من ذلك موارد اشتراط الخيار في المعاملة كما سيأتي إن شاء الله تعالى فإنّ المشتري مثلا لا يمكنه بيع المبيع في زمان الخيار بدعوى أنه مسلّط على ماله ، وذلك من جهة الاشتراط الضمني ، فإنّ معنى جعل الخيار اشتراط أن لا يتصرّف المشتري في المال تصرّفاً لا يبقى لفسخه المجال ، وسيأتي تفصيل ذلك في

ــ[154]ــ

أحكام الخيار(1) إن شاء الله تعالى .

هذه هي الصور المرتّب عليها الأثر في المقام وبقية الصور وإن كانت كثيرة إلاّ أنها لا يرتّب عليها الأثر ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري في أواخر كلامه أنّ المسألة تحتاج إلى تنقيح زائد ، وكتب السيد في حاشيته(2) أنّ الشيخ (قدّس سرّه) لم ينقّح المسألة أصلا لا أنه نقّحها ولكنّه يحتاج إلى تنقيح زائد .

وما أفاده صحيح لأنّ الشيخ (قدّس سرّه) لم يتعرّض إلاّ لبيان صوره وأقسامه ولم أرَ من تعرّض لما ذكرناه في وجه رجوع المشتري إلى عين ثمنه من تبعية ملك الورثة لملك مورّثه بحسب الكيفية .
ــــــــــــــــ

(1) في الصفحة 176 .

(2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 151 أحكام الخيار .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net