هل الفسخ يحصل بنفس التصرّف أو قبله أو بعده ؟ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3113


القول في أنّ الفسخ يحصل بنفس التصرف أو قبله

إذا علمنا أنّ ذا الخيار تصرف فيما انتقل عنه قاصداً به الفسخ يقع الكلام في أنّ الفسخ حينئذ هل يحصل بنفس التصرف أو أنه يحصل قبل التصرف بآن أو أنه يحصل بعد الشروع في التصرف في أثنائه ؟ فيه وجوه ثلاثة .

ذهب جماعة إلى أنّ الفسخ يحصل قبل التصرف بحيث يقع التصرف في ملك نفسه من جهة أنّ الإسلام يصون صاحبه عن القبيح ، وهذا إنما يتحقّق فيما إذا قلنا بحصول الفسخ قبل التصرف حتى لا يقع شيء منه في ملك الغير . وهذا القول هو ظاهر كلمات جماعة من الأصحاب أو محتملها كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 134 .

ــ[162]ــ

ويستشكل على هذا الوجه : بأنّ المدار في صحة العقود والايقاعات على الاعتبار النفساني المبرز في الخارج ، بمعنى أنّ المبرز مع الاعتبار النفساني هو الذي يرتّب عليه الآثار عند العقلاء وإمضاء الشارع ، وأمّا مجرد الرضا الباطني أو الارادة القلبية فممّا لا أثر له ولا يكون ممضى شرعاً .

وأمّا ما ورد في بعض أخبار خيار الحيوان من قوله (عليه السلام) « وذلك رضى منه »(1) فليس معناه أنّ الرضا الباطني كاف في لزوم المعاملة ، بل المراد بالرضا فيه هو الرضا العملي حيث إنه حمل على الفعل الخارجي وقال (عليه السلام) «  فإذا لامس أو قبّل فذلك رضى منه » فكيف يعقل أن يكون الفعل الخارجي مصداقاً للرضا القلبي ويحمل عليه ، إذ أحدهما فعل خارجي والآخر فعل قلبي ولا معنى لاتّحادهما ، إلاّ أن يراد منه الرضا العملي أي إمضاء البيع عملا كما ذكرناه هناك وقلنا إنّ الرضا قلبي وعملي .

وبالجملة : أنّ الرضا القلبي والارادة لا يترتّب عليهما الأثر في باب المعاملات  ، نعم التصرف يكشف عن قصده الفسخ قبل عمله إلاّ أنه ليس بفسخ بل إرادة الفسخ ، هذا .

وأضف إليه : أنّ لازم هذا الكلام أن لا يتحقّق الفسخ بالألفاظ أبداً بل يكون إنشاء الفسخ بالألفاظ دائماً مسبوقاً بارادة الفسخ وهي التي توجب الانفساخ لا الانشاء اللفظي ، وهذا ينافي تسالمهم على أنّ الألفاظ ينشأ بها الفسخ .

ومن هنا ذهب آخرون إلى أنّ الفسخ يحصل بعد التصرف ولو بعداً رتبياً وإن كانا متّحدين بحسب الزمان ، فيكون عمله الخارجي مبرزاً لفسخه ، ولازم هذا القول أن تكون التصرفات الصادرة من ذي الخيار فيما انتقل عنه محرّمة وتصرفاً في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب4 ح1 (باختلاف يسير) .

ــ[163]ــ

ملك الغير أو باطلة في مثل العتق والبيع لأنهما يتوقّفان على الملك ولا ملك قبلهما فلو توقّف الملك أيضاً عليهما لدار ، فإذن وقعنا في الإشكال في الوضعيات والتكليفيات .

نعم ، إذا قلنا في بيع الفضولي بصحة البيع فيما إذا باعه فضولياً ثم ملكه مطلقاً أو إذا أجازه يمكن تصحيح البيع في المقام فيما إذا أجازه بعد تصرفه وبيعه أو مطلقاً على الخلاف لتملّكه له بعد تصرفه وإن كان قبله فضولياً ، وأمّا العتق فلا لأنه ممّا لا يقبل الصحة بالاجازة المتأخّرة بناءً على ما تسالموا عليه من عدم جريان الفضولي في الايقاعات .

واختار شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) وجهاً ثالثاً متوسطاً بين الوجهين المتقدمين : وهو أنّ الفسخ لا يحصل قبل التصرف كما لا يتوقّف حصوله على إتمامه وإنما يحصل بمجرد الشروع في العمل واشتغاله به ، ففي أثنائه يحصل الفسخ ويملك المال  .

وبعبارة اُخرى : أنّ الفسخ يتحقّق بأوّل جزء من أجزاء السبب ، وباقي الأجزاء والمسبّب يقعان في الملك الحاصل بالفسخ ، لأنّ اشتغاله به وشروعه فيه مبرز فعلي لفسخه من دون حاجة إلى إتمام العمل . نعم يقع أول تصرفه في ملك الغير فيحرم إلاّ أنه في أثنائه يدخل في ملكه ولا يحرم بحسب بقائه ، وبه يحصل البيع والعتق وغيرهما ممّا يتوقّف على الملك ، والوجه في ذلك أنّ المستفاد من النواهي الواردة في بيع ما ليس عنده أو بيع ما لا يملك ونحوهما هو النهي عن إيقاع المعاملة بتمامها في ملك الغير أو عن إيقاع العتق بتمامه في ما لا يملكه ، وأمّا إيقاعهما فيما ليس يملكه في أوّلهما ويملكه في أثنائهما فلا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 138 ـ 139 .

ــ[164]ــ

أو يقال : إنّ المراد بالبيع ونحوه المنهي إيقاعه في غير الملك ليس هو البيع اللفظي والانشائي أعني السبب ، بل المراد به واقع البيع والمسبّب ، ولا إشكال أنه يقع في ملك نفسه ، لأنّ المسبّب إنّما يحصل بعد إيجاد سببه والمفروض حصول الفسخ في أثناء سببه ، فالملك يتحقّق قبل المسبّب في أثناء سببه .

وبعبارة اُخرى : النهي إنما تعلّق على إيجاد المسبّب في ملك الغير دون مجرد السبب والألفاظ فإنها لا يتوقّف على الملك بالبداهة ، وقد عرفت أنّ الفسخ يحصل بالجزء الأول من أجزاء السبب وبه يتحقّق الملك فالمسبّب وباقي الأجزاء يقعان في الملك .

وعلى ما أفاده (قدّس سرّه) يقع أول الوطء زناً وإتمامه وطئاً في ملكه إلاّ أن يسبق الوطء بمقدّماته وغيرها ممّا يحصل به الفسخ قبل الوطء فإنه بتمامه يقع في ملكه حينئذ .

وبعد ذلك أفاد أنّ ما اختاره المحقّق والشهيد الثانيان في المسألة لا يخلو عن قوّة وبه يرتفع الإشكال عن جواز التصرفات تكليفاً ووضعاً .

ولا يخفى أنّ ما اختاره المحقّق(1) والشهيد(2) الثانيان هو عدم وقوع شيء من التصرفات في ملك الغير ، ومختاره (قدّس سرّه) هو أنّ أوّل تصرفاته واقعة في ملك الغير ومحرّمة ، وفي أثنائه يخرج عن الحرمة وملك الغير لا من الابتداء ، فكيف قوّى (قدّس سرّه) ما اختارهما ، هذا أوّلا .

وثانياً : لم يظهر ارتفاع الاشكال عن جواز التصرفات تكليفاً و وضعاً بما أفاده ، لأنّ لازم ما اختاره (قدّس سرّه) كما بيّناه في مثال الوطء وقوع أول

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع المقاصد 4 : 310 .

(2) المسالك 3 : 216 .

ــ[165]ــ

التصرفات محرّمة وفي ملك الغير، فالإشكال مندفع في الوضعيات دون التكليفيات .

ولا يخفى عدم إمكان المساعدة على ما أفاده (قدّس سرّه) وذلك لأنّ الفسخ إنما يحصل بتمام البيع ونحوه لا بجزء منه فإنه لا يكون مصداقاً للفسخ ، ومن هنا لو قال بِع فندم ولم يلحق سائر أجزائه به نلتزم بعدم حصول الفسخ ، فإنّ المبرز للفسخ إنما هو التصرف الاعتباري كالبيع في أمثال المعاملات ، وبعض أجزائه ليس تصرفاً اعتبارياً أي ليس بيعاً حتى يكون مصداقاً للفسخ ، نعم صدور جزء منه يكشف عن إرادة الفسخ وقد عرفت أنّ إرادة الفسخ ليست بفسخ ، إذ الفسخ الفعلي يتحقّق بتحقّق الفعل في الخارج كالبيع وأمّا جزؤه فهو ليس بفعل اعتباري فلا يقع به الفسخ  .

بل لو التزمنا بما أفاده (قدّس سرّه) في المقام من حصول الفسخ في الفسخ الفعلي بجزء منه للزم منه أن نلتزم به في الفسخ اللفظي أيضاً ويقال إنّ الفسخ يحصل بحرف الفاء من قوله فسخت ولا يتوقّف على تمامه ، ولازم ذلك إنكار تحقّق الفسخ باللفظ لأنه يحصل بجزء منه على الفرض ، وهذا على خلاف المتسالم عليه بينهم من أنّ الفسخ يتحقّق باللفظ ، وهو (قدّس سرّه) أيضاً لا يلتزم بحصول الفسخ بحرف الفاء من قوله فسخت مع أنّ الفعل كاللفظ من حيث تحقّق الفسخ بهما ، فما أفاده (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن الالتزام به ، إذن فإشكال الوضعيات والتكليفيات باق على حاله .

والذي ينبغي أن يقال في المقام جواباً عن ورود الإشكال في الوضعيات والتكليفيات : هو أنّ الفسخ فعل من أفعال الفاسخ ، وفي مثل المعاملات المتوقّفة على إيجاب وقبول ليس فعل الفاسخ إلاّ الايجاب فقط ، وأمّا القبول فهو فعل شخص آخر لا ربط له بالفاسخ ، والفسخ إنما يبرز بنفس الايجاب وبتحقّق الفسخ يرجع إليه الملك ، والحال أنّ البيع أو الهبة لم يتحقّقا بعد لتوقّفهما على قبول المشتري والمتّهب فإذا تحقّق منهما القبول فقد حصل البيع والهبة في ملك نفسه الحاصل قبل البيع والهبة

ــ[166]ــ

بالايجاب ، فما يتوقّف عليه البيع حاصل قبله ، إذ لا بيع حين الايجاب ، والملك يحصل به والبيع يحصل بعده بمجيء القبول .

وإن شئت قلت : إنّ الايجاب ليس بيعاً من حين تحقّقه بل هو معلّق على قبول المشتري وكأنه قال : بعتك هذا إن قبلته واشتريته ، فالبيع معلّق على تحقّق القبول وليس متحقّقاً حين الايجاب وقد قلنا إنّ الفسخ يبرز بنفس الايجاب ، فحين الايجاب الفسخ والملك متحقّقان مع أنّ البيع غير متحقّق حينئذ ويتحقّق بعد القبول وحين تحقّقه الملك موجود قبله ، وليس البيع حاصلا حين الايجاب حتى يقال إنّ البيع والملك يحصلان معاً ، بل الفسخ والملك يحصلان بالايجاب والبيع يحصل بعد القبول لأنه معلّق عليه ، وقد عرفت في محله أنّ مثل هذا التعليق لا بأس به لأنه تعليق بما هو في الواقع وبحسب طبع القضية كذلك .

وأمّا دعوى دلالة الأخبار على النهي عن البيع في غير ملك ، فالجواب عنها ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ المنهي هو واقع البيع أعني المبادلة بين المالين لا سببه فإنه لا يتوقّف على الملك بالبداهة ، والمفروض أنّ المبادلة إنما تحصل بعد القبول مع أنّ الملك حصل قبل تحقّقها بالايجاب ، وبهذا اندفع الإشكال في المعاملات من دون أن نلتزم بأنّ الفسخ يحصل بجزء من أجزاء السبب حتى يورد علينا بأنّ الجزء ليس ببيع وليس بتصرف مصداق للفسخ ، هذا كلّه في العقود .

وأمّا الايقاعات كالعتق ونحوه فالإشكال فيها وإن كان باقياً بحاله فإنه ما دام لم يحصل العتق بتمام أجزائه لا يحصل الملك والفسخ فإذا حصل فقد وقع في ما لا يملكه ولا عتق إلاّ في ملك .

إلاّ أنه يمكن الجواب عن الإشكال فيها أي في الايقاعات بما التزموا به في المعاطاة بناءً على عدم إفادتها الملك إذا تصرف أحد المتعاملين فيما أخذه تصرفاً يتوقّف على الملك ، حيث ذكروا أنّ مقتضى الجمع بين الأدلّة أن نلتزم بحصول الملك

ــ[167]ــ

للمتصرف آناً ما قبل تصرفه بحيث لا يقبل إلاّ ذلك التصرف ، وقد ذكرنا أنّ هذه الملكية ليست اختيارية لنا أو أمراً خيالياً فإنها ملكية حقيقية قهرية نشأت من الجمع بين الأدلّة ، فنلتزم في المقام أيضاً برجوع الملك إلى الفاسخ آناً ما قبل تحقّق العتق ولا يقبل إلاّ العتق بعده من جهة الجمع بين الأدلّة ، لأنه لا إشكال في أنّ ذا الخيار يتمكّن من فسخ المعاملة ولو فسخاً فعلياً ويتوقّف فسخه الفعلي على الملك شرعاً ، فنلتزم بحصول الملك له آناً ما قبل العتق ويقع العتق في ملكه وهو ملك حقيقي قهري نشأ من الجمع بين الأدلّة ، ولا يبقى في البين إلاّ مسألة تعليق العتق على حصول الملك آناً ما قبله ، لأنّ معنى أنت حرّ لوجه الله أنت حرّ على فرض دخولك في ملكي ، إلاّ أنّ هذا تعليق على الموضوع ولا مانع عن التعليق على الموضوع .

ثم إنّ هذا الجواب يجري في العقود أيضاً بعينه على تقدير عدم تمامية ما ذكرناه هناك ، وعلى هذا لا إشكال من جهة الوضعيات في البين .

ومن ذلك يظهر الجواب عمّا ربما يورد على إمكان الفسخ بالتصرفات الاعتبارية من الدور وتقريبه : أنّ البيع والعتق ونحوهما يتوقّف على الملك شرعاً والملك يتوقّف على الفسخ إذ لولاه لما يحصل الملك بوجه ، والفسخ أي الفسخ الفعلي كالبيع يتوقّف على البيع وهذا دور .

وأجاب عنه الشهيد (قدّس سرّه)(1) بأنّ الدور معي لا توقّفي فلا إشكال فيه .

ولم يظهر لنا ماذا أراد (قدّس سرّه) بهذا الكلام ، إذ الدور المعي في الوجود بحيث لا يكون أحدهما إلاّ مع الآخر كالبنتين المتّكئ كل منهما على الاُخرى ، ومن الظاهر أنّ البيع والفسخ ليسا كذلك فالدور ـ لو كان ـ توقّفي لا معي .

والجواب : أنّ البيع بمعنى ما يحصل بالايجاب والقبول موقوف على الملك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 4 : 601 ، السطر 16 .

ــ[168]ــ

والملك موقوف على الفسخ ، لكن الفسخ غير موقوف على البيع بالمعنى المذكور بل يحصل بالايجاب فقط فلا دور في البين ، والاشتباه إنما نشأ من كلمة البيع لأنه يطلق على السبب تارة وعلى المسبّب اُخرى ، فاُطلق لفظ البيع في إحدى المقدّمتين بمعنى وفي المقدمة الاُخرى بمعنى آخر وتوهم أنّه في كلتيهما بمعنى واحد ، هذا تمام الكلام في رفع الإشكال عن الوضعيات .

وأمّا الإشكال في التكليفيات : قد عرفت أنّ الفسخ الحاصل بالتصرف فيما انتقل عنه ربما يتحقّق بالتصرف الاعتباري كالبيع والعتق ونحوهما وقد تقدّم صحته.

واُخرى يتحقّق بالتصرفات الخارجية كالأكل والوطء ونحوهما ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنها تقع محرّمة وفي ملك الغير لا محالة ولو جزءاً منها لأنّ الملكية تتوقّف على تلك التصرفات وليس هنا ملك قبلها ، والجزء الذي لا يتجزّى غير موجود في الخارج ، وكل جزء من أجزاء الشيء ينقسم إلى قسمين فيقع أحد قسميه في ملك الغير لا محالة ، وقال بعد ذلك : وبالجملة فما اختاره المحقّق والشهيد الثانيان في المسألة لا يخلو عن قوّة .

والذي ينبغي أن يقال في المقام : هو أنّ الأدلّة الدالّة على اعتبار الملك في جواز هذه التصرفات إن دلّت على اعتبار سبق الملك عليها ولو بآن بأن تترتّب هذه التصرفات على ما هو ملك في نفسه مع قطع النظر عن هذه التصرفات بحيث لا اعتبار بالملكية المقارنة مع التصرفات كما ربما يستفاد هذا المعنى في الزواج وملك اليمين لقوله تعالى (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)(1) حيث استثني من وجوب حفظ الفرج عنوان الأزواج وملك اليمين ، بمعنى أنّ التصرف كالوطء إذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المؤمنون 23 : 6 .

ــ[169]ــ

وقع على ما هو زوج أو ملك يمين في نفسه مع قطع النظر عن هذا الوطء فهو حلال فاعتبر في حلّيته سبق الزوجية وملك اليمين فلا يكفي الزوجية المقارنة للوطء في حلّيته .

وكذا يقال في باب الكرّية وأنّ ملاقاة النجاسة إنما لا توجب الانفعال فيما إذا وقعت الملاقاة على ما هو متّصف بالكرّية في نفسه مع قطع النظر عن الملاقاة ، وأمّا الكرّية الحاصلة مع الملاقاة متقارنين فهي لا تمنع عن الانفعال .

وكيف كان ، فإن اعتبرنا في حلية التصرفات الخارجية في المقام سبق الملكية عليها ووقوعها على ما هو ملك مع قطع النظر عن التصرفات المذكورة فلا محالة نلتزم بحرمة هذه التصرفات لعدم سبق الملك عليها لأنه يحصل مقارناً معها لا متقدّماً فلا محالة تحرم ، وأمّا إذا دلّت الأدلّة على اعتبار وقوع التصرفات المذكورة في حال الملكية وإن لم تكن الملكية قبلها ، وأنّ اللازم أن تقع التصرف في حال الملك كما لا يبعد نظير اشتراط طهارة البدن في صحة الغسل حيث كتبنا في حاشية العروة(1) أنّ طهارة البدن الحاصلة مقارنة مع الغسل لا تبعد أن تكون كافية في صحة الغسل كما إذا كانت النجاسة ممّا يكفي فيه الغسل مرّة واحدة وارتمس في الماء بقصد الاغتسال مع نجاسة بدنه ، كفى ذلك في صحة غسله لأنه وقع في حال طهارة البدن ولا دليل على اعتبار سبق الطهارة على الغسل ، فلا محالة تقع التصرفات المذكورة مباحة لأنها وقعت في حال الملك وليس في ذلك محذور .

وأمّا دعوى أنّ مرتبة التصرف غير مرتبة الملك لأنهما مختلفتان ومرتبة أحدهما مرتبة العلّة ومرتبة الآخر مرتبة المعلول ، إذ التصرف علّة لحصول الملك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1 : 201 المسألة ] 666 [ وص155 فصل في شرائط الوضوء الشرط الثاني  .

ــ[170]ــ

وعليه فيقع الملك في مرتبة متأخّرة عن التصرف ولا يعقل أن يكونا متقارنين بحسب المرتبة وإن كان زمانهما واحداً .

فمندفعة بما أشرنا إليه مراراً من أنّ الأحكام الشرعية ليست من أحكام الرتبة وإنّما مناطها الاتّحاد بحسب الزمان أو التقدّم والتأخّر الزمانيان ، وعليه فلابدّ من المراجعة إلى أدلّة اعتبار الملك في حلّية التصرفات فإن دلّت على اعتبار سبق الملك على التصرف ولو بآن فنلتزم في المقام بحرمة التصرفات المذكورة ولو مع تقدّم أحدهما على الآخر بحسب المرتبة ، كما أنها إذا دلّت على اعتبار وقوعها حال الملك نلتزم بحلّية التصرفات لاتّحادهما زماناً وتحقّقهما متقارنين ، وقد عرفت أنّ الدعوى الثانية ليست ببعيدة لأنها المستفاد من مثل قوله (عليه السلام) لا يحل التصرف في مال الغير(1) أي لا يحل إلاّ مقارناً بكون المال ملكه ، وعليه فهذه التصرفات محلّلة ولا حرمة فيها ، وهذا من دون فرق بين القول بوجود الجزء الذي لا يتجزّى في الخارج والقول باستحالته ، إذ الأحكام الشرعية ليست مبتنية على هذه التدقيقات الفلسفية ، بل يتّبع دليلها فإن دلّ على اعتبار سبق الملك على وقوع التصرفات نلتزم بحرمتها كما أنه إذا دلّ على كفاية المقارنة وأنها إذا وقعت في حال الملك مباحة فنلتزم بحلّيتها لا محالة ، كان الجزء الذي لا يتجزّى موجوداً في الخارج أم لم يكن .

بقي هناك ما ذكره بعضهم وأشار إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) من أنّ الفسخ إذا كان جائزاً لذي الخيار شرعاً فلا محالة يكون الفعل الذي به يتحقّق الفسخ أيضاً جائزاً ، إذ لا معنى لجواز الفسخ مع حرمة ما يتحقّق به .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ جواز الفسخ جواز وضعي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد مضمون ذلك في الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح1 .

(2) المكاسب 6 : 140 .

ــ[171]ــ

وجواز الفعل جواز تكليفي ولا ملازمة بين الجوازين أبداً .

وما أفاده (قدّس سرّه) وإن كان صحيحاً إلاّ أنه ربما يوهم اختصاص نفي الملازمة بما إذا كان جواز الفسخ وضعياً وجواز الفعل تكليفياً ، إلاّ أنه ليس كذلك فإنّ الفسخ كما أنه جائز وضعاً كذلك جائز تكليفاً ومع ذلك لا ملازمة بين جوازه بكلا المعنيين وجواز الفعل المتحقّق به الفسخ .

فالصحيح أن يعتبر في الجواب بأنّ الفسخ عنوان توليدي من الفعل ولا دليل على جواز السبب إذا كان المسبّب التوليدي جائزاً وبالعكس ، فربما يكون السبب محرّماً مع وقوع الفسخ جائزاً كما إذا أكل الخبز المنتقل عنه في نهار شهر رمضان فإنّ الأكل محرّم مع أنّ الفسخ يتحقّق به لا محالة وهو جائز له تكليفاً ووضعاً ، كما أنّ الفسخ باللفظ أيضاً كذلك فربما يكون التلفّظ بفسخت محرّماً مع وقوع الفسخ به سائغاً ونافذاً كما إذا تكلّم به في أثناء الصلاة ، وكيف كان فلا دليل على تلازم العنوان التوليدي مع الفعل المولّد له حكماً وهذا ظاهر ، هذا تمام الكلام في وقوع الفسخ بالفعل .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net