الكلام في أنّ المبيع يملك بالعقد أو بمضيّ الخيار - الكلام في أنّ المبيع في ضمان من ليس له الخيار 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2929


الكلام في أنّ المبيع يملك بالعقد أو بمضيّ الخيار

وهذه المسألة كما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) ينبغي أنّ تقدّم على المسألة السابقة كما أشرنا إليه في المسألة المزبورة ، لأنّ الملك إذا كان متوقّفاً على مضي زمان الخيار فلا محالة تكون تصرّفات المشتري ومن عليه الخيار واقعة في ملك الغير وهي محرّمة وغير نافذة وليست أمراً قابلا للتكلّم والبحث ، فالنزاع في نفوذ تصرّفات من عليه الخيار وجوازها يتوقّف على حصول الملك بنفس العقد ويتكلّم حينئذ في جواز تصرّفات غير ذي الخيار لأنّ المال متعلّق لحقّ الغير .

وكيف كان فقد نسب إلى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(2) وجماعة القول بتوقّف الملك على مضي الخيار ، ومن هنا منعوا بيع المشتري المبيع في المجلس وقبل الافتراق بدعوى أنّه بيع غير المملوك . وكلماتهم في المقام مختلفة كما أنّ النسبة مختلفة  ، فربما ينسب إليهم توقّف الملك على مضي الخيار مطلقاً ، واُخرى ينسب إليهم توقّف الملك على مضيّ الخيار المتّصل دون المنفصل ، وثالثة يخصّص ذلك بما إذا كان الخيار للبائع أو لكلا المتبايعين ، وأمّا إذا كان الخيار للمشتري فقط فلا يقولون بالتوقّف ، ولا يهمّنا تحقيق ما ينسب إلى الجماعة وأنّهم يدّعون التوقّف على نحو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 3 : 323 .

(2) الخلاف 3 : 22 مسألة 29 ، المبسوط 2 : 83 .

ــ[199]ــ

الاطلاق أو في بعض الموارد دون بعضها الآخر ، والمهمّ مراجعة الأدلّة التي يستدلّ بها على مسلك المشهور أو على مسلك الجماعة فنقول :

لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى العمومات كقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1)و  (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(2) حصول الملك من حين المعاملة بلا توقّف له على مضي الخيار سيّما بملاحظة سيرة العقلاء فإنّها جرت على اعتبار الملكية من حين المعاملة ولا يقيّدونها بمضي الخيار .

ومن البديهي أنّ الآيات المتقدّمة إنّما وردت إمضاء للمعاملات الدارجة بين العقلاء فإنّها إمضائية وكانت المعاملات متحقّقة قبل الشرع والشريعة وليست تأسيسية وحادثة بعد الشريعة الإسلامية ، ومن الظاهر أنّها إنّما تمضي العقد حسب ما هو دارج عند العقلاء وقد عرفت أنّ المتعاملين من العقلاء إنّما يعتبرون الملكية من زمان المعاملة لا بعد مضيّ الخيار .

فيكون معنى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) كما أشرنا إليه مراراً أنّ الله أطلق البيع ولم يقيّده بشيء ، وقد عرفت أنّ البيع عندهم هو الذي يوجب الملكية من حين المعاملة .

وكذا الحال في قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا) الخ فإنّ المراد بالأكل ليس هو الازدراد والبلع وإنّما المراد به التملّك لأموال الغير ، كما يطلق الأكل بهذا المعنى في لغة العرب وغيرها وينسب إلى ما لا يقبل الأكل فيقال إنّ فلاناً أكل دار فلان ، وهذا هو المراد في الآية المباركة ، كما هو المراد في قوله تعالى (لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ)(3)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 2 : 275 .

(2) النساء 4 : 29 .

(3) البقرة 2 : 188 .

ــ[200]ــ

وبالجملة أنّ التملّك لأموال الناس محرّم إلاّ بالتجارة عن تراض وهي التجارة الحاصلة بالعقد .

والمتحصّل : أنّ الآية المباركة دلّت على حصول التملّك بالعقد ، فمقتضى العمومات ما ذهب إليه المشهور ، ولكن يبقى الكلام هنا في أمرين آخرين :

أحدهما : في أنّ مسلك المشهور هل دلّ عليه دليل خاص غير العمومات المتقدّمة من الروايات أو لا تدلّ الروايات الخاصّة عليه.

وثانيهما : في أنّ مسلك الشيخ والجماعة هل دلّ عليه الدليل أم لم يدل ، فإن دلّت الروايات الخاصّة على مسلك المشهور وكانت أدلّة مسلك الشيخ (قدّس سرّه) أيضاً تامّة فتقع المعارضة بين دليلي المسلكين ويمكننا حينئذ إثبات مسلك المشهور إمّا بترجيح أدلّة مسلك المشهور على أدلّة مسلك الشيخ لموافقتها الكتاب وهو عمومات الآيات المتقدّمة ، وإمّا من جهة سقوط المتعارضين معاً والرجوع إلى العام الفوق وهي عمومات الآيات ومقتضاها حدوث الملك من زمان العقد .

وأمّا إذا لم تدلّ الروايات الخاصّة على مسلك المشهور وكانت أدلّة ما ذهب إليه الشيخ تامّة فلا يجدي وجود العمومات في إثبات مسلك المشهور ، بل لابدّ حينئذ من تقييد العمومات بتلك الأدلّة والالتزام بأنّ الملك يحصل بعد مضي الخيار لا قبله كما التزمنا بمثله في بيع الصرف والهبة ونحوهما ، فإنّ مقتضى البيع حدوث الملكية من الابتداء إلاّ أنّه قام الدليل على أنّها يتوقّف على القبض وقبله لا ملك فيكون المقام أيضاً كذلك وأنّ مقتضى العمومات وإن كان حدوث الملك بالعقد إلاّ أنّ الدليل قام على عدم حصوله قبل مضي الخيار ، وكيف كان فقد عرفت أنّ الملك يحصل بنفس العقد على المشهور ولا يتوقّف على انقضاء زمان الخيار .

 
 

ــ[201]ــ

وقد استدلّ على مسلك المشهور بعدّة روايات منها : قوله (عليه السلام) «  البيّعان بالخيار ما لم يفترقا »(1) فإنّ الظاهر أنّ متعلّق الخيار هو الفسخ بمعنى أنّهما مختاران في الفسخ ما لم يفترقا ، لا أنّ متعلّقه البيع بأن يكونا مختارين في البيع ما لم يفترقا ، فإنّ حصول البيع مفروض قبل ذلك لأنّه اُخذ في موضوع الحكم بالخيار حيث قال « البيّعان » والبيع عبارة عن مبادلة مال بمال ، فهذه الرواية تدلّ على أنّ الملك والبيع يحصلان بنفس العقد ولا يتوقّفان على انقضاء زمان الخيار .

ولا يرد عليه : أنّ متعلّق الخيار غير مذكور في الرواية ، لما عرفت من أنّ متعلّقه الفسخ .

ومنها : قوله (عليه السلام) في خيار الحيوان « صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيام »(2) حيث اُطلق على المشتري عنوان الصاحب الذي هو مرادف للمالك في زمان الخيار ، فمنه يستكشف أنّ الملك لا يتوقّف على انقضاء زمان الخيار .

نعم يمكن أن يقال : إنّ هذه الرواية لا دلالة لها على خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) لأنّه لم يظهر منه توقّف الملك على انقضاء خيار المشتري فيما إذا كان الخيار مخصوصاً به وإنّما يدّعي توقّف الملك على انقضاء الخيار الثابت للبائع أو لكليهما ، وعليه فلا تكون هذه الرواية دالّة على خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) .

ومنها : ما ورد(3) في جواز نظر المشتري إلى الأمة المشتراة ولمسها وتقبيلها في زمان الخيار ، فإنّ الأمة لو لم تكن مملوكة له بالعقد لا يجوز له النظر واللمس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 6 / أبواب الخيار ب1 ح3 .

(2) الوسائل 18 : 10 / أبواب الخيار ب3 ح2 .

(3) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب4 .

ــ[202]ــ

ونحوهما لعدم كونها مملوكة .

وربما يقال : إنّ جواز النظر واللمس ونحوهما لا يختصّان بالملك فقط بل يمكن أن يكون النظر ونحوه جائزاً له مع أنّها ليست مملوكة له ، وهذا لا من جهة التحليل كما ربما يتوهّم فإنّ التحليل لا أثر منه في المقام ، إذ البائع لم يحلّل أمته للمشتري ، بل من جهة أنّ المشتري بالخيار وله إمضاء العقد وفسخه فإذا تصرف في الأمة بالنظر ونحوه فيكون حاله حال تصرف الزوج في زوجته المطلّقة قبل انقضاء عدّتها ، بمعنى أنّ الزوجية تحصل بنفس ذلك التصرف وإن بني على أن يكون ذلك زناً منه لجهله بالحكم ، وفي المقام أيضاً إذا تصرف المشتري في الأمة بذلك يسقط الخيار ويحصل له الملك .

والجواب عن ذلك : أنّ جواز تصرّفات الزوج في زوجته المطلّقة قبل انقضاء عدّتها إنّما هو من جهة أنّ المطلّقة في مدّة العدّة زوجة لزوجها ولم تبن منه وتحصل البينونة بينهما بعد انقضاء عدّتها ، فإذا وطئ المطلّقة حينئذ فقد وقع الوطء على زوجته ولا إشكال في جوازه ، وهذا بخلاف المقام فإنّ الأمة لم تدخل في ملكه قبل نظره إليها ولمسها ، فلا محالة يقع تلك التصرّفات في غير مملوكته فتحرم وإن قلنا بحصول الملكية مقارناً مع النظر واللمس .

اللهمّ إلاّ أن يقال بما أشرنا إليه سابقاً من أنّ جواز الوطء وترك حفظ الفرج لا يتوقّف إلاّ على مقارنته للزوجية والملكية في الاماء ، فإنّه لا يستفاد من قوله تعالى (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)(1) إلاّ كون ترك حفظ الفرج أعني الوطء مقارناً لكون الموطوءة زوجة له ، ولا يشترط أن تكون الزوجية سابقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المؤمنون 23 : 6 .

ــ[203]ــ

على الوطء بل تكفي المقارنة الزمانية في الجواز ، ولا عبرة بالتقدّم والتأخّر الرتبيين في الأحكام الشرعية بل اللازم هو المقارنة بينهما بحسب الزمان وعدم تأخّر الوطء عن الزوجية زماناً ، وعليه فلا تكون هذه الرواية دليلا على خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) .

ومنها : ما ورد(1) في بيع الخيار وأنّه لا مانع من أن يبيع أحد ماله من المشتري ويشترط عليه الخيار لنفسه إذا جاء بمثل الثمن ، وهذا الخيار ممّا نصّ عليه في الأخبار وقد دلّت الروايات في مثل هذه المعاملة على أنّ نماء المبيع للمشتري قبل مجيء البائع بمثل الثمن ، وأنّه إذا ردّ يرد نفس المبيع لا منافعه ، ومن الظاهر أنّ ملكية المنافع ثابتة لملكية العين ومنها ينكشف أنّ الملك يحصل بنفس العقد ولا يتوقّف على انقضاء الخيار .

ويمكن أن يزاد في الاستدلال : بأنّ من المعلوم خارجاً جواز تصرفات البائع في الثمن ، إذ لو لم يرد التصرف في ثمن ماله لما كان وجه لبيعه ، فهو إنّما باعه ليصرف ثمنه في حوائجه ومن هنا قيّد الأصحاب والأخبار الخيار بما إذا جاء بمثل الثمن لا بنفسه ، ومن الظاهر أنّ جواز تصرف البائع في الثمن يتوقّف على دخول الثمن في ملكه والمثمن في ملك المشتري وإلاّ فلا يجوز للبائع أن يتصرف في مال المشتري ومنه يظهر أنّ الملك لا يتوقّف على انقضاء الخيار .

وربما يورد على الاستدلال بهذه الأخبار : بأنّ الخيار الثابت في بيع الخيار منفصل ، ولم يعلم من مذهب الشيخ (قدّس سرّه) أنّه يرى توقّف الملك على انقضاء الخيار المنفصل وإنّما يدّعي توقّفه على انقضاء الخيار المتّصل فقط ، فلا تكون هذه الأخبار دالّة على خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 18 / أبواب الخيار ب7 ، 8 .

ــ[204]ــ

والجواب عنه بوجهين ، أحدهما : أنّ الشيخ يدّعي توقّف الملك على انقضاء مطلق الخيار متّصلا كان أم منفصلا ، ومن هنا منع في المسألة السابقة عن تصرفات غير ذي الخيار في زمان الخيار المنفصل .

وثانيهما : لو سلّمنا أنّ مسلك الشيخ (قدّس سرّه) توقّف الملك على خصوص الخيار المتّصل فنتمسّك باطلاق الروايات لأنّها دلّت على أنّ البيع بشرط جعل الخيار لنفسه صحيح سواء كان الخيار متصلا بأن يكون البائع بالخيار من الابتداء وغاية الأمر أنّ ظرف إعماله متأخّر ، أو كان الخيار منفصلا وثابتاً له حين ردّ مثل الثمن .

واُخرى يستشكل في الاستدلال بهذه الأخبار : بأنّ الشرط ليس هو شرط الخيار وإنّما هو شرط انفساخ المعاملة بنفسها عند ردّ مثل الثمن ، فهذه الروايات أجنبية عن المقام وليس هناك خيار حتّى يقال إنّ الملك حصل قبل مجيء زمان الخيار .

والجواب عن ذلك : أنّ اشتراط انفساخ المعاملة بنفسها باطل كما عرفته في محلّه فكيف يشترط في البيع أمر باطل .

على أنّ إرادة المتعاملين اشتراط الانفساخ بعيد جدّاً .

ومنها : ما ورد في بيع العينة ومن جملته صحيحة بشّار بن يسار « عن الرجل يبيع المتاع بنسأ فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه ؟ قال : نعم لا بأس به . فقلت له  : أشتري متاعي ؟ فقال : ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك »(1) فإنّ قوله (عليه السلام) « ليس هو متاعك » صريح في أنّ الملك يحصل بنفس العقد ، والمشتري بعد ما يملكه بالعقد يشتريه البائع منه ثانياً ، ولا يتوقّف الملك على انقضاء الخيار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 41 / أبواب أحكام العقود ب3 ح3 .

ــ[205]ــ

كخيار المجلس على ما صرّح به في بعض الأخبار حيث دلّ على جواز بيعه من البائع ثانياً ولو في مكان واحد .

وأجاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) عن هذه الروايات بأنّها لا تدلّ على خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) لأنّ الملك للمشتري إنّما حصل باسقاطه الخيار بتواطئه على البيع من البائع ثانياً ، وكذا البائع أسقط خياره بتواطئه على الشراء من المشتري لا أنّ الملك حصل بالعقد .

وهذا منه (قدّس سرّه) عجيب ، فإنّ الخيار إنّما يسقط بأمرين : أحدهما إسقاطه بانشائه قولا أو فعلا ، وثانيهما : إسقاطه تعبّداً ، وأمّا كون التواطؤ موجباً لسقوط الخيار فلم يدلّ عليه دليل ، فهذه الرواية ممّا لا بأس بالاستدلال به على مسلك المشهور .

وربما يستدلّ على مسلكهم بصحيحة محمّد بن مسلم الواردة في بيع ما ليس عنده عن أبي جعفر (عليه السلام) « قال : سألته عن رجل أتاه رجل فقال : ابتع لي متاعاً لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسيئة ، فابتاعه الرجل من أجله ، قال : ليس به بأس إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه »(2) بتقريب أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بأنّ المبيع ملك للدلاّل باشترائه من مالكه ، فمنه يظهر أنّ الملك يحصل بنفس العقد ولا يتوقّف على انقضاء الخيار وإلاّ فلا وجه لكونه ملكاً له بشرائه ، هذا .

ولا يخفى أنّ الاستدلال بهذه الرواية عجيب فإنّها وردت في مقام اشتراط صحّة البيع بملك المبيع وأنّ بيع غير المملوك باطل وإذا حصل له الملك فلا مانع من بيعه ، وأمّا أنّ الملك حصل بنفس العقد أم بشيء آخر فلا تعرّض له في الرواية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 166 .

(2) الوسائل 18 : 51 / أبواب أحكام العقود ب8 ح8 .

ــ[206]ــ

وبالجملة : ليست الرواية بصدد بيان جميع شرائط المعاملة فإنّ لها شرائط كثيرة ككون البيع بالصيغة العربية والقبض في الصرف والسلم والهبة ونحوها ، ولا تعرّض فيها لتلك الشروط فليكن منها توقّف الملك على انقضاء زمان الخيار فكما لا يمكن التمسّك بها في نفي سائر الشروط فكذلك لا يمكن نفي اشتراط الملك بانقضاء الخيار ، هذه هي الأخبار الخاصّة الدالّة على مسلك المشهور ولا بأس بها كما عرفت  .

وفي قبال هذه الأخبار رواية واحدة تدلّ بظاهرها على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) وهي صحيحة ابن سنان « عن الرجل يشتري العبد أو الدابة بشرط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث على من ضمان ذلك ؟ فقال : على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري » الحديث(1) فإنّ قوله (عليه السلام) « ويصير المبيع للمشتري » ظاهر في توقّف الملك على انقضاء زمان الخيار ، ولا إشكال في ظهورها في توقّف الملك على انقضاء زمان الخيار .

إلاّ أنّه لم يعلم من الشيخ (قدّس سرّه) الالتزام بتوقّف الملك على انقضاء زمان الخيار في مورد الرواية أعني مورد ثبوت الخيار للمشتري فقط ، لأنّ كلماته ظاهرة في دعوى التوقّف في خيار البائع أو خيارهما ، وأمّا في زمان خيار المشتري فلا وعليه فلم يعلم العمل على طبق الرواية حتّى من الشيخ (قدّس سرّه) .

ثمّ لو سلّمنا أنّ الشيخ يدّعي توقّف الملك على انقضاء الخيار حتّى في خيار المشتري فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الرواية وحملها على معنى آخر بقرينة الأخبار المتقدّمة الدالّة على حصول الملك من زمان العقد فنحمل الرواية على إرادة الملك اللازم ، فمعنى أنّه يصير المبيع للمشتري أي يصير له على نحو الاستقرار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب5 ح2 .

ــ[207]ــ

والثبوت لا على نحو التزلزل كما في زمان الخيار ، فإنّ معنى يكون ويصير ويثبت ويلزم واحد ويطلق على اللزوم عند العرف فيقال إنّ هذا الشيء صار لفلان فيما إذا لم يمكن إرجاعه ويثبت له ، وهذا المعنى وإن كان على خلاف الظهور إلاّ أنّ ارتكابه بقرينة الأخبار المتقدّمة جمعاً بينها وبين الرواية ممّا لا مناص عنه .

ثمّ لو تنزّلنا ولم يمكننا الجمع الدلالي بين الروايات المتقدّمة وهذه الرواية ووقعت المعارضة بينهما ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الترجيح مع الأخبار الدالّة على حصول الملك من زمان العقد من أجل شهرتها ، ولعلّه (قدّس سرّه) أراد بها الشهرة الفتوائية لعدم جريان الشهرة الروائية في المقام كما سيظهر .

وفيه : أنّ الشهرة الفتوائية لا توجب الترجيح ولا اعتبار بها اللهم فيما إذا أوجب إعراض المشهور عن الرواية ، فإذا كانت الشهرة موجبة لاعراضهم عن الرواية فعلى مسلكهم من أنّ إعراض المشهور عن رواية يوجب سقوطها عن الاعتبار لابدّ من الالتزام بعدم حجّية الرواية في المقام ، ومع عدم حجّيتها لا معنى للمعارضة وترجيح الأخبار المتقدّمة على تلك الرواية .

وأمّا إذا لم توجب الشهرة إعراض المشهور عن الرواية فلا تكون موجبة للترجيح أبداً .

وإن اُريد بالشهرة الشهرة الروائية على خلاف صراحة كلامه (قدّس سرّه) فهي غير متحقّقة في المقام ، فإنّ المراد بالشهرة في الرواية على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) هو كونها ظاهرة وواضحة من شهر فلان سيفه وسيف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 172 .

(2) فرائد الاُصول 2 : 781 .

ــ[208]ــ

مشهور أي ظاهر ، وأن يكون ممّا لا ريب فيه كما في الرواية(1) لا مجرد الكثرة العددية ككونها أربعة أو خمسة ، ومن الظاهر أنّ الأخبار الدالّة على حصول الملك من زمان العقد ليست بتلك المثابة وممّا لا ريب فيه ، بل نحتمل صحّة الرواية الدالّة على توقّف الملك على انقضاء الخيار فلا شهرة روائية في المقام .

فالصحيح في ترجيح الأخبار المتقدّمة أن يقال : إنّها موافقة لعمومات الكتاب فإنّ قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2) أو (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(3) الدالّين على إمضاء المعاملات تدلاّن على حصول الملك من زمان العقد  ، فتكون الأخبار الدالّة على حصوله بالعقد موافقة لتلك العمومات القرآنية وتتقدّم على الرواية الدالّة على توقّف الملك على انقضاء الخيار .

فإلى هنا تحصّل أنّ الملك يحصل بنفس العقد ولا يتوقّف على انقضاء الخيار ولو كان لأحدهما أو لكليهما خيار في ردّ المعاملة .

بقي الكلام فيما يستدلّ به تارةً على مذهب المشهور واُخرى على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) وهو قوله (صلّى الله عليه وآله) « الخراج بالضمان »(4).

والاستدلال به على مسلك المشهور إنّما هو في فرض ثبوت الخيار للبائع أو فرض ثبوته له وللمشتري ، فإنّ المبيع إذا تلف حينئذ فهو مضمون على المشتري لما دلّ على ضمان المشتري للمال فيما إذا تلف في زمان الخيار للبائع ، ومقتضى هذه الرواية أنّ ملك المنافع المعبّر عنه بالخراج إنّما هو في مقابل الضمان ، فضامن المال هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 106 / أبواب صفات القاضي ب9 ح1 .

(2) البقرة : 2 : 275 .

(3) النساء 4 : 29 .

(4) المستدرك 13 : 302 / أبواب الخيار ب7 ح3 .

ــ[209]ــ

المالك لمنافعه ، وحيث إنّ الضامن في مفروض الكلام هو المشتري لأنّه تلف في زمان خيار البائع ، فلا محالة يكون المنافع أيضاً للمشتري بمقتضى هذا الحديث وحيث إنّ ملكية المنافع تابعة لملكية الأعيان فيستكشف بذلك أنّ العين أيضاً مملوكة للمشتري في زمان خيار البائع ، وهو الذي ذهب إليه المشهور كما مرّ .

فهناك انتقالان : أحدهما الانتقال من العلّة إلى معلولها والعلّة هي الضمان ومعلولها ملكية المنافع . وثانيهما : الانتقال من المعلول إلى علّته والمعلول هو ملكية المنافع وعلّته ملكية العين .

ويدفع هذا الاستدلال أمران : أحدهما ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من عدم مسلّمية الصغرى للحديث في المقام ، فإنّه لم يظهر من الشيخ (قدّس سرّه) الالتزام بضمان المشتري لتلف المبيع في زمان خيار البائع لأنّه ليس بمالك للمبيع حينئذ ، ولعلّه يرى ضمانه على البائع في زمان خياره فإنّ المال بعدُ لم يصر سبباً للمشتري حتّى يكون ضمانه عليه .

وثانيهما : أنّه لو سلّمنا أنّ الشيخ يلتزم بضمان المشتري حينئذ والتزم بكون المنافع له أيضاً ، إلاّ أنّا لا نسلّم الكبرى المدعاة بأن يكون الضامن للمال بأي ضمان فرضناه مالكاً للمنافع حتّى في مثل الغاصب فإنه أيضاً ضامن للمال فهو مالك لمنافعه كما أفتى به أبو حنيفة(2).

بل المراد بالضمان في الحديث على ما بيّناه في حكم المقبوض بالعقد الفاسد هو الضمان المعاوضي والمعاملي بمعنى أنّ من بذل شيئاً وأخذ في مقابله شيئاً آخر فهو يملك منافعه لأنه ضمن المال المبيع بدفع بدله المعبّر عنه بالضمان المعاملي فيكون معنى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 170 .

(2) بدائع الصنائع 7 : 145 ، المبسوط 11 : 78 ، بداية المجتهد 2 : 318 .

ــ[210]ــ

الحديث تبعية المنافع للأعيان بحسب الملكية كما قدّمناه ، وعليه فتكون الرواية أجنبية عن المقام ، إذ من الظاهر أنّ المشتري في المقام وإن قلنا بضمانه ليس ضمانه ضماناً معاملياً فإنّ المفروض أنّ المشتري لم يتملّك المبيع في زمان الخيار حتى يضمنه بمقابله وإنّما يضمنه بعد انقضاء الخيار فيكون ضمانه ضمان يد كما في ضمان المقبوض بالسوّم . نعم لو قلنا بأنّ كل ضمان يوجب ملكية المنافع لتمّ الاستدلال بالحديث في المقام ، هذا .

على أنّ الحديث نبوي وقد ورد عن بعض طرق العامّة ولم نقف على مستنده من طرقنا ولم نجد منه أثراً في كتب الروايات وإن ذكره الفقهاء في كتبهم الاستدلالية في بعض المقامات فالحديث لا أساس له ، هذا كلّه في تقريب الاستدلال به على مذهب المشهور وجوابه .

وأمّا الاستدلال به على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) فهو في فرض ثبوت الخيار للمشتري فقط كما في خيار الحيوان فإنّ تلف المبيع حينئذ مضمون على البائع بمقتضى قوله (عليه السلام) « كلّ مبيع تلف في زمان الخيار فهو ممّن لا خيار له »(1)ومقتضى الحديث أنّ الضامن للمال يملك منافعه أيضاً ، فالمنافع ملك للبائع وملكية المنافع تابعة لملكية الأعيان ، فمنه يستكشف أنّ العين ملك للبائع في زمان الخيار .

ولا يرد على هذا الاستدلال مناقشة الشيخ (قدّس سرّه) صغرى ، إذ البائع ضامن للمبيع حينئذ بلا كلام ، فينحصر الجواب عنه بما قدّمناه من أنّه ليس كل ضمان موجباً لملكية المنافع ، بل الضمان الموجب له هو الضمان المعاملي الذي هو عبارة اُخرى عن تبعية المنافع لملك العين وهي أمر ثابت في نفسه سواء قلنا بصحة ذلك الحديث أم لم نقل ، ومن المعلوم أنّ ضمان البائع للمبيع ليس ضماناً معاملياً لأنّه لم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 .

ــ[211]ــ

يشتر المال وإنّما ضمانه ضمان تعبّدي خاصّ في مقابل الضمان بالغصب واليد فإنّه لم يغصب المبيع ولا هو في يده ولكن الدليل دلّ على ضمانه وهو لا يوجب ملكية المنافع  .

نعم يبقى هناك شيء وهو أنّ البائع إذا لم يكن مالكاً للمنافع وكانت مملوكة للمشتري فلابدّ من الالتزام بالتخصيص في الحديث ، فإنّ معناه أنّ من لم يكن ضامناً للمال فلا يكون مالكاً للمنافع ، والمشتري مع أنّه غير ضامن للمال فكيف صار مالكاً لمنافعه .

ولكن الالتزام بالتخصيص في الحديث ممّا لا محذور فيه فإنّه ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص كما نلتزم بالتخصيص فيه في ضمان المقبوض بالسوّم فإنّ الضامن للمال حينئذ هو المشتري مع أنّه غير مالك لمنافعه والمنافع مملوكة لمالكه مع عدم ضمانه للمال تخصيصاً لعدم مملوكية المنافع لغير ضامن المال ، هذا كلّه .

على أنه لم يظهر من الشيخ (قدّس سرّه) الالتزام بتوقّف الملك على انقضاء الخيار فيما إذا كان الخيار للمشتري فقط كما في المقام.

والمتحصّل : أنّ الملك يحصل بنفس العقد كما ذهب إليه المشهور بلا فرق في ذلك بين ثبوت الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما أو الأجنبي ، سواء كان الخيار متصلا أم منفصلا .

الكلام في أنّ المبيع في ضمان من ليس له الخيار

والكلام في ذلك يقع من جهات :

الجهة الاُولى : لا إشكال في أنّ ضمان المبيع على من ليس له الخيار في الجملة وإنّما الخلاف في أنّ هذه القاعدة تختص ببعض الخيارات أو تجري في جميع موارد الخيار ؟




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net