القول بعدم الفرق بين أقسام الخيار - القول بعدم الفرق بين المشتري والبائع 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3336


ــ[212]ــ

ربما يدّعى عمومية القاعدة وجريانها في جميع الخيارات بوجهين :

أحدهما : دعوى الاجماع على التعميم كما في كلام صاحب الرياض(1)والمحقّق جمال الدين في حاشية الروضة(2).

وفيه : أنّ المذكور في كلامهما هو نفي الخلاف دون دعوى الاجماع فراجع . ومع الغضّ عن ذلك لا وقع لدعوى الاجماع في المسألة لاحتمال استنادهم في ذلك إلى الأخبار الدالّة على ثبوت هذه القاعدة في خيار الحيوان بدعوى تنقيح المناط كما سيأتي ، ومعه لا يبقى للاجماع وقع ولا يكون إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن قول الإمام (عليه السلام) هذا كلّه . على أنّ ذهاب مثل المحقّق وغيره من أعاظم الأصحاب إلى الاختصاص يوهن تحقّق الاجماع على التعميم ، فهذا الوجه ساقط .

وثانيهما : الاستصحاب فإنّ ضمان المبيع قبل قبضه على بائعه وإذا شككنا في بقاء ضمانه بعد قبضه من المشتري أو انتقاله أي الضمان إلى المشتري بقبضه فنستصحب بقاء ضمان البائع حتى نقطع بارتفاع ضمانه ، كما إذا انقضى خيار المشتري  .

وفي هذا الاستصحاب موارد للمناقشة وذلك أمّا أولا : فلما بنينا عليه في محلّه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية .

وأمّا ثانياً : فلعدم جريان الاستصحاب في نفسه لارتفاع موضوعه ، فإنّ ثبوت الضمان على البائع قبل قبضه من جهة بناء العقلاء أو التعبّد الشرعي لقوله (عليه السلام)(3) حتى يخرجه من بيته ويسلّمه إلى المشتري ، يختصّ بما إذا لم يقبض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رياض المسائل 8 : 324 .

(2) التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية : 364 .

(3) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب10 ح1 .

ــ[213]ــ

المشتري المبيع فموضوعه هو المبيع غير المقبوض ، فإذا فرضنا أنّه أقبضه من المشتري فقد ارتفع موضوع الحكم بالضمان ومعه كيف يمكن استصحابه .

وبعبارة اُخرى : أنّ الضمان الموجود قبل القبض قد ارتفع بحدوث أمده وهو الاقباض قطعاً ، ونشك في حدوث فرد آخر من الضمان بعد القبض ، فالاستصحاب من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي ، وهذا ظاهر .

وثالثاً : أنّ المقام من موارد دوران الأمر بين التمسّك بعموم العام واستصحاب حكم المخصّص ، وذلك لما تقدّم من أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية أنّ ضمان كل مال على مالكه ، ولا وجه لضمان غير المالك لمال المالك وهذا ظاهر ، وقد خرجنا عن هذه القاعدة فيما إذا تلف المبيع قبل قبضه للأخبار المتقدّمة في محلّه ، وإذا أقبضه من المشتري فنشك في أنه من موارد التمسك بالعام أعني ضمان كل مالك لماله أو من موارد التمسك باستصحاب حكم المخصّص ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ اللازم هو التمسّك بالعام ولا وجه لاستصحاب حكم المخصّص فإنّ معنى ضمانه على البائع أنّ المعاملة انفسخت ورجع المال إلى ملك البائع وتلف في ملكه ، مع أنّ مقتضى عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) كما بيّناه في محلّه لزوم المعاملة في جميع الأزمان لأنه إرشاد إلى لزومها وعدم قبولها للانفساخ ، فإذا لم تنفسخ فلا يبقى وجه لضمان البائع لملك المشتري كما هو مقتضى العام.

ورابعاً : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ ربما لا يجري استصحاب ضمان البائع لكون المال في قبض المشتري من حين المعاملة أو قبلها لاجارة أو عارية أو وديعة أو غصب ، وفي مثله لا يكون البائع محكوماً بالضمان في زمان حتى نستصحبه .

والمتحصّل : أنّ ضمان من لا خيار له في جميع الخيارات مّا لا يثبت بشيء من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 1 .

ــ[214]ــ

الوجهين وهو أمر على خلاف القاعدة ولابدّ في الخروج عنها من دليل .

فالصحيح أنه لابدّ من المراجعة إلى الأخبار الدالّة على هذه القاعدة لنرى أنها تثبتها في جميع الخيارات أو تخصّصها ببعضها فنقول : قد ورد في بعض أخبار خيار الحيوان أنّ ضمان المبيع على البائع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري  ، وبه استدلّ على القاعدة المتقدّمة من أنّ ضمان المبيع على من لا خيار له فيما إذا تلف في زمان الخيار ، وتعميمها إلى جميع الخيارات مبني على إرادة مطلق الشرط في قوله (عليه السلام) « حتى ينقضي الشرط »(1) أي الخيار ، وأنّ الضمان في زمان مطلق الخيار محمول على عهدة من لا خيار له .

وهو خلاف ظاهر الخبر فإنّ الظاهر أنّ الألف واللام في قوله « حتّى ينقضي الشرط » عهدي للاشارة إلى الشرط المذكور في الرواية أعني خيار الحيوان ، وعليه فتختص هذه القاعدة بخياري الحيوان والشرط ولا تجري في تمام الخيارات وجريانها في خيار الشرط لقوله (عليه السلام) « إن كان بينهما شرط أياماً معدودة  »(2) فإنّه يصدق على خياري الحيوان والشرط ، فإنّ الشرط في كل منهما أيام معدودة أي مضبوطة غاية الأمر أنّه محدود في خيار الحيوان شرعاً ، وأمّا في خيار الشرط فهو محدود إلى وقت معيّن بالجعل ، ولا ينطبق على غيرهما حتّى على خيار المجلس لأنه ليس محدوداً بوقت معيّن وإنما علّق على افتراقهما ويختلف أمده باختلاف طول مجلس العقد وقصره فربما يكون ساعة واُخرى أقل أو أكثر منها وثالثة يطول إلى شهر أو سنة كما إذا كانا محبوسين معاً ، وكذا خيار العيب والغبن وخيار تخلّف الشرط أو الرؤية أو التأخير إذ لا تعيين في وقتها ، وكيف كان لا يمكننا التعدّي عن خياري الحيوان والشرط بوجه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب5 ح2 ، وص19 ب8 ح2 .

(2) المصدر المتقدّم آنفاً .

ــ[215]ــ

هذا كلّه بناءً على أنّ ثبوت الخيار في الخيارات المذكورة إنما هو من زمان العقد وأنّ الظهور لا مدخلية له في ثبوت الخيار ، نعم هو شرط لاعماله لأنّه ما لم يظهر له العيب أو الغبن أو تخلّف الشرط لا يتمكّن من إعماله على ما قوّيناه سابقاً وقد عرفت أنه لا يمكن التعدّي عن الخيارين إلى غيرهما بوجه ، ودعوى أنّ المناط فيهما هو تزلزل ملك المشتري وكون العقد جائزاً وهو موجود في سائر الخيارات أيضاً ، مندفعة بأنه أشبه شيء بالقياس وتعدٍّ عن مورد الحكم بالظن ، فإنّ الملك في الخيارين وإن كان جائزاً إلاّ أنّ القاعدة إنما ثبتت في الملك الجائز بهذين الخيارين لا في مطلق الملك الجائز .

وأمّا إذا بنينا على أنّ الخيار في سائر الخيارات إنما يثبت بعد ظهور العيب أو الغبن أو تخلّف الشرط ، فالتعدّي عنهما إليها أشكل ، وذلك لاختصاص قوله (عليه السلام) « حتى يصير المبيع للمشتري »(1) بما إذا كان الملك متزلزلا من الابتداء ، وفي مثله ما دام لم يصر لازماً لا يكون الضمان على المشتري ، وأمّا إذا كان الملك عند حدوثه لازماً وكان المبيع للمشتري ثمّ عرض عليه الجواز بظهور أحد الاُمور المتقدّمة فلم يدلّ على جريان القاعدة فيه دليل فهي مختصة بالخيارين ولو كان ذلك على خلاف الشهرة على ما ادّعاه في الرياض ، هذه هي الجهة الاُولى من الكلام .

الجهة الثانية : أنّ الكلام إلى هنا إنما كان في كون ضمان المبيع على البائع فيما إذا تلف في يد المشتري في زمان خياره وقد عرفت انحصار القاعدة بخياري الحيوان والشرط وعدم جريانها في غيرهما ، فهل تختص القاعدة بضمان البائع أو أنها تعمّه والمشتري فيما إذا كان الخيار للبائع مع تلف المبيع فهل يحكم بضمان المشتري للمبيع حينئذ لأنه ممّن لا خيار له ، أو أنّ ضمانه على البائع والقاعدة لا تجري حينئذ ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب5 ح2 (مع اختلاف يسير) .

ــ[216]ــ

للمسألة صورتان : إحداهما ما إذا تلف المبيع بعد قبضه من المشتري في يده . وثانيتهما : ما إذا تلف قبل قبضه منه في يد البائع.

أمّا الصورة الاُولى : أعني تلفه بعد قبضه في يد المشتري فالظاهر أنّه لا ثمرة في جريان القاعدة فيه وعدمه ، فإنّ ضمانه على المشتري حينئذ مطلقاً قلنا بجريان القاعدة أم لم نقل ، وذلك لأنّه مالك للمال وقد تلف في يده وضمان المالك لماله على طبق القاعدة ولا نحتاج فيه إلى جريان قاعدة ضمان المال على من لا خيار في حقّه وإنّما نحتاج إليها فيما إذا كان ضمان المشتري على خلاف القاعدة وقد عرفت أنه على القاعدة ، فلا أثر لجريان القاعدة المذكورة في هذه الصورة وإنما يرتّب عليها الأثر في الصورة الثانية كما سيأتي .

وأمّا الصورة الثانية : وهي تلفه في يد البائع قبل قبضه من المشتري ، فإن قلنا بعمومية القاعدة وجريانها في حق المشتري أيضاً ، فمقتضاها أنّ المشتري ضامن للمبيع لأنه تلف في زمان خيار البائع ، كما إذا خصّصناها بالبائع ومنعنا عن جريانها في حق المشتري يكون البائع هو الضامن لقاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه »(1).

والصحيح أنّ القاعدة لا تجري في حق المشتري وهي تختص بضمان البائع والوجه في ذلك : أنّ الأخبار الدالّة على هذه القاعدة ظاهرة كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في أنّ ضمان من ليس له الخيار إنما هو الضمان الموجود قبل قبض المبيع الثابت بقاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » وأنّ هذا الضمان باق ومستمر بعد قبضه أيضاً ، غاية الأمر بعلّة اُخرى وهي كون التلف في زمان خيار المشتري ، فهذا الضمان ليس ضماناً جديداً وإنّما هو الضمان السابق قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 ح1 .

ــ[217]ــ

القبض وعلّته حينئذ قاعدة « كل مبيع تلف » الخ وعلّته بعد القبض كون التلف في زمان خيار المشتري ، وعليه فلا يمكننا التعدّي إلى ضمان المشتري ، إذ لو حكمنا بضمانه حينئذ بتلك القاعدة لكان هذا ضماناً جديداً ، وتخصيصاً لقاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » لأنّ المشتري لم يكن ضامناً للمال قبل إقباض البائع حتى يكون ضمانه بعد القبض استمراراً للضمان السابق ، وإنما الضمان قبل القبض كان على البائع ، فالأخبار لا دلالة لها على ضمان المشتري بوجه ، وإثباتها في طرف المشتري يحتاج إلى دليل لأنّها على خلاف القاعدة فإنّ معناها انفساخ العقد بتلف المبيع(1) قبل قبضه ورجوع الثمن إلى المشتري والمبيع إلى البائع ، وانفساخ العقد بنفسه أمر على خلاف القاعدة يحتاج إلى دليل ولم يثبت إلاّ فيما إذا تلف المبيع في يد المشتري في زمان خياره ، فإنّ العقد ينفسخ حينئذ ويكون تلف المبيع في ملك البائع فيضمنه ، وهذا ظاهر.

والمتحصّل : أنّ المبيع إذا تلف في يد البائع قبل قبضه وكان له الخيار دون المشتري كما إذا ثبت له خيار التأخير (أي خيار تأخير الثمن) لا يحكم بضمان المشتري بل يكون ضمانه على البائع من دون أن يرد تخصيص على قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولا يخفى أنّ مقتضى الانفساخ رجوع كلّ من العوضين إلى مالكهما ، وحينئذ إذا تلف يتلف في ملك مالكهما ، ولازم ذلك أن يكون المبيع تالفاً في ملك البائع ويكون ضمانه عليه وهو خلاف المقصود ، لأنّا بصدد إثبات الضمان على المشتري والانفساخ في المقام لا يقتضي ذلك .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net