سقوط الخيار بتلف العين - ضمان العين في يد المفسوخ عليه 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3146


القول في عدم سقوط الخيار بتلف العين

هل تلف العين يوجب سقوط الخيار أو لا ؟

وموضوع الكلام في هذه المسألة ما إذا لم يكن تلف العين موجباً لانفساخ العقد كما إذا تلفت في زمان الخيار أو قبل القبض ونحوهما ، إذ مع انفساخ العقد لا


ــ[231]ــ

يبقى للخيار موضوع .

كما أنّ الكلام في المقام يختص بغير الخيار المجعول للمتبايعين المقيّد بردّ العين فإنّهما إذا جعلا لنفسهما الخيار لأجل ردّ العين عند الفسخ فلا يبقى للخيار موضوع بعد تلف العين ، إذ المفروض أنّ الخيار بحسب الجعل والاشتراط مختص بما إذا أمكن ردّ العين ومع تلفها لا مقتضي له كما هو ظاهر ، ومن هنا ذهب بعضهم إلى ارتفاع الخيار في بيع الخيار المشروط برد مثل الثمن عند تلف العين فإنّهما اشترطا ردّ العين عند ردّ مثل الثمن وإذا تلفت العين فلا عين حتى ترد ويسقط الخيار لا محالة ولا كلام لنا فيه على تقدير كون اشتراطهما كذلك .

ومن هذا القبيل ما إذا كان الخيار ثابتاً بجعل شرعي ولكنّه أيضاً كان مقيّداً بتراد العين كما ذكروا ذلك في باب المعاطاة فإنّ الجواز فيها بمعنى ردّ العين ومع تلفها لا يبقى للرد مجال .

وكذا البحث مختص بما إذا لم يكن تلف العين مسقطاً تعبّدياً للخيار كما في خيار العيب لأنّ حدوث الحدث في العين يسقط الخيار بمعنى الرد والامضاء ويوجب تعيّن الأرش كما تقدّم في محلّه .

فالكلام يقع في غير تلك الموارد كما إذا باع مرابحة على أنّ رأس ماله عشرة والربح اثنان والمجموع اثنا عشر درهماً ثم ظهر أنّ البائع كذب في إخباره برأس المال وأنه كان ثمانية فيثبت للمشتري الخيار ، فهل يختص بما إذا كانت العين باقية ويرتفع بتلفها أو أنّها تلفت أم لم تتلف الخيار باق على حاله ، أو إذا ثبت له خيار المجلس وقد تلفت العين قبل تفرّقهما فهل يبقى خياره أو يرتفع ، أو إذا اشترى حيواناً وفي خلال ثلاثة أيام تلف الثمن عند البائع فهل يسقط خياره أو لا ؟

وأمّا إذا تلف الحيوان في أيام الخيار فهو يوجب انفساخ المعاملة كما مرّ وهو خارج عن محل الكلام ، فمن يرى أنّ الخيار متعلّق بالعين يختار سقوطه في الموارد

ــ[232]ــ

المذكورة لارتفاع متعلّقه ، كما أنّ من يرى أنه متعلّق بالعقد كما تقدّم أنه ملك فسخ العقد وإمضائه وأنه كالاقالة فكما أنها تتعلّق بالعقد وتوجب ارتفاعه مع تراضي المتبايعين ، كذلك الفسخ بالخيار يوجب ارتفاع العقد مطلقاً تراضيا معاً أم لم يرض به الآخر ، فلا محالة يلتزم ببقاء الخيار لعدم مدخلية بقاء العين في بقاء الخيار .

والصحيح هو الثاني وأنّ تلف العين لا يوجب سقوط الخيار ، والوجه في ذلك أمّا في الخيارات الثابتة بالدليل كخياري المجلس والحيوان فهو إطلاق الدليل ، لأنه (عليه السلام) قد جعل غاية جواز العقد عبارة عن الافتراق وقبله العقد جائز تلفت العين أم لم تتلف .

ومنه يظهر ضعف ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ الخيار المستعمل في الأخبار لم يعلم أنه بمعنى ملك فسخ العقد وامضائه ولعلّه بمعنى الترادّ المختص بصورة بقاء العين ، والوجه في ضعف ما أفاده هو أنّ الخيار في قوله (صلّى الله عليه وآله) « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا »(2) أو « حتى يتفرّقا »(3) على الروايتين في مقابل اللزوم أعني قوله « فإذا افترقا وجب البيع » ومتعلّق اللزوم والخيار هو البيع والعقد ، فهو خياري أي جائز في مقابل اللازم ، فهما متعلّقان بالعقد ولا ربط لهما ببقاء العين وترادّها ، وهذا من مثل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بعيد .

وكذا قوله (عليه السلام) « صاحب الحيوان بالخيار »(4) لأنه مطلق يشمل حالتي بقاء الثمن عند البائع وتلفه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 192 .

(2) الوسائل 18 : 6 / أبواب الخيار ب1 ح3 .

(3) الوسائل 18 : 11 / أبواب الخيار ب3 ح6 .

(4) الوسائل 18 : 10 / أبواب الخيار ب3 ح2 .

ــ[233]ــ

وأمّا في الخيارات الثابتة بالاشتراط كما في خيار العيب والغبن وتخلّف الشرط وغيرها فالوجه في عدم سقوط الخيار بالتلف هو نفس الاشتراط ، فإنّ الشارط مثلا اشترط تساوي الثمن والقيمة السوقية ومعناه عدم الالتزام بالعقد على تقدير عدم تساويهما كانت العين باقية أم تالفة ، نعم في خيار العيب تلف العين يسقط الخيار لأجل دلالة الدليل على أنّ تلفها يوجب السقوط ، وعليه فلا وجه لسقوط خيار المشتري عند ظهور كذب البائع في الأخبار عن رأس ماله لأنه في الحقيقة أقدم على البيع بشرط عدم زيادة رأس المال عمّا أخبر به وأنه على تقدير تخلّفه لا يلتزم بالعقد والمعاملة ، فالعقد خياري تلفت العين أم كانت باقية .

والمتحصّل : أنّ تلف العين لا يوجب سقوط الخيار في غير الموارد المتقدّمة .

القول في ضمان من عليه الخيار فيما إذا فسخ ذو الخيار

إذا فسخ ذو الخيار ـ ونفرضه المشتري ـ العقد وكان الثمن عند من عليه الخيار أعني البائع فهل يكون البائع ضامناً له لأنه ملك المشتري وأنّ يده يد ضمان ولو فيما إذا لم يستند تلفه إلى تفريطه وإفراطه أو لا ضمان عليه ؟

استشكل في الضمان شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) وذهب شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(2) إلى الضمان من جهة أنّ يد البائع على الثمن بحسب الحدوث وإن لم يكن يد ضمان لأنه كان ملكه ، إلاّ أنه بعد فسخ المشتري يضمنه لأنه في يده ومقتضى عموم « على اليد ما أخذت » الخ(3) أنّ اليد مطلقاً توجب الضمان ، وإنّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 193 .

(2) منية الطالب 3 : 351 .

(3) المستدرك 14 : 8 / كتاب الوديعة ب1 ح12 .

ــ[234]ــ

خرجنا عنه في موارد الأمانات بدليل .

والصحيح أنّ ما أفاده ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، أمّا أولا : فلأنّ حديث على اليد كما نبّهنا عليه في محلّه لم يرد في رواياتنا وكتب الأصحاب خالية عنه وإنما هو حديث نبوي لم تثبت صحته فهو ضعيف السند والاستناد إليه غير صحيح .

وأمّا ثانياً : فلأنّ الأخذ ظاهر في الأخذ عن غلبة وقهر وجبر كما ذكرناه في باب الضمان واستظهره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه) أيضاً كما في قوله تعالى (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ)(1) أي لا يغلبه ، وهذا المعنى من الأخذ لا يصدق على يد البائع في المقام لأنه لم يأخذ الثمن جبراً وقهراً على المشتري وإنما كان عنده من جهة المعاملة ثم فسخ العقد المشتري بنفسه وهو لا يوجب صدق الأخذ عليه ، فصدق « على اليد ما أخذت » غير ظاهر في المقام .

فلابدّ من المراجعة إلى سيرة العقلاء التي هي المدار في باب الضمان ، والعقلاء لا يبنون على كون الثمن في عهدة البائع في أمثال المقام ولا يرونه ضامناً له ، وعليه فلو تلف فيذهب من كيس مالكه وهو المشتري من دون أن يكون البائع ضامناً له فلا حاجة معه إلى الاستصحاب في المقام حتى يستشكل فيه بما ناقشنا به مراراً وهو عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 255 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net