اشتراط أن تكون المدّة معلومة لدى المتعاملين - حكم البيع بثمنين 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2740


وبعد ذلك يقع الكلام في أنها هل تعتبر أن تكون معلومة عند المتعاقدين ، أو

ــ[246]ــ

تكون معلومة عند عامّة الناس وإن لم يعلم بها المتعاملان ، أو لابدّ من معلوميتها عند المتعاقدين وعامة الناس ؟

ربما يقال بكفاية معلومية المدّة وانضباطها عند عامة الناس كما هو كذلك في الأوزان فإنّ أحداً إذا باع أو اشترى بوزن معلوم عند أهل البلد كان ذلك كافياً في صحة المعاملة وإن لم يعلم به المتعاقدان ، وعليه فيصح اشتراط التأخير إلى عيد النيروز أو المهرجان الذي هو من أحد أعياد الفرس ، لانضباطهما عند الناس وإن لم يعلم المتابعان بهما ، أو اشترط التأخير إلى شهر رمضان ولا يدري البائع ولا المشتري بوقته ، هذا .

ولا يخفى أنّ ارتفاع الغرر وعدمه إنما ينوط بعلم المتعاقدين وجهلهما ، وعلم عامة الناس وعدمه أجنبيان عن الغرر في المعاملة ولا يمكن أن يكون علم عامة الناس بالأمد كافياً في صحة الاشتراط وارتفاع الغرر وإلاّ فلو كان معلومية المدة عند غير المتعاملين كافية في صحة الاشتراط لصح جميع الشروط المجهولة كما إذا باع واشترط التأخير إلى موت زيد فإنّ موته معلوم عند الله تعالى ومضبوط في اللوح المحفوظ .

وأمّا دعوى كفاية المعلومية عند العامة في الأوزان فتندفع بأنّا نلتزم بالبطلان في الأوزان أيضاً فيما إذا لم يعلم بها المتعاملان ولزم منه الغرر غاية الأمر أنّا ذكرنا في الأوزان أمرين : أحدهما أنّ الغرر يرتفع بالمشاهدة فيها ، وثانيهما كون الوزن معلوماً في نفسه وعند الناس كاف في الأوزان بمعنى أنه إذا اشترى كيلواً من السكر يرتفع الغرر عنه بمشاهدته ولا يعتبر أن يكون عالماً بأنه أيّ مقدار وأنه عشرون مثقالا أو أقل أو أكثر ، وإلاّ لبطل أكثر معاملات أهل البلد أيضاً لعدم علمهم بمثاقيل الأوزان وأنّ الكيلو عشرون مثقالا أو أقل أو أكثر ، بل كونه معلوماً عند أهله وفي نفسه كاف في صحة المعاملة .

ــ[247]ــ

نعم فيما إذا اشترى كيلواً من السكر ولم يشاهده ولم يعلم بوزنه التزمنا ببطلان معاملته لمكان الغرر .

فالصحيح اعتبار المعلومية عند المتعاملين فقط .

وعن بعض العامة(1) اعتبار المعلومية عند عادلين آخرين غير المتعاقدين أيضاً ، ولعلّه من جهة رفع المنازعة عند الاختلاف وإلاّ فلا وجه لاعتبار المعلومية عند عادلين في صحة المعاملة وعدمها . مع أنّ العادلين غير لازمين في رفع المنازعة أيضاً ، لكفاية اليمين في رفع الخصومة عند فقد البيّنة .

ثم إنّ المعتبر هو علم المتعاقدين بالمدّة حين المعاملة ولا يكفي كونهما بحيث يعلمان بها بعد المعاملة بالاستخراج والحساب مع كونهما جاهلين بها حين المعاملة وإلاّ لكفى التمكّن من العلم بها بالسؤال عنها بعد المعاملة أيضاً مع كونهما جاهلين بالمدّة عند المعاملة وهذا ظاهر .

القول في البيع بثمنين

إذا باع ماله بثمن معيّن نقداً وبأكثر منه على تقدير النسيئة إلى أجل مضبوط فهل هذه المعاملة صحيحة أو باطلة ، وعلى تقدير الصحة فهل هي بيع نقد أو نسيئة وهل يجب على البائع الصبر إلى آخر الأجل أو لا يجب ؟

والكلام في ذلك تارةً يقع فيما تقتضيه القاعدة واُخرى فيما دلّت عليه الروايات ، فنقول : ربما يراد بذلك أن يبيع البائع ماله بثمن مردّد بين الدرهم والدرهمين من غير أن يكون له تعيّن عند البائع ولا عند الله تعالى بحيث لو سألناه في قبال كم ملّكت مالك ؟ يقول في الجواب لا أدري ، ومثل ذلك باطل جزماً ، لأنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب ـ للبغوي ـ 3 : 572 ، العزيز شرح الوجيز 4 : 398 .

ــ[248]ــ

البيع مبادلة مال بمال ولم يبدّل البائع ماله بمال وإنما ملّك ماله للمشتري من دون أن يعلم بما يقابله ، بل مثل ذلك ممّا لا يتعلّق به قصد العقلاء ، إذ ما لا تعيّن له لا يقصده العقلاء ، وهذه المعاملة ممّا لا يقدم عليه العقلاء وليست مراداً من الروايتين(1) أيضاً إذ لابدّ من حملهما على محمل آخر .

ويحتمل أن يراد بالمعاملة المذكورة البيع المعلّق بأن يبيع ماله بدرهم على تقدير النقد ومعلّقاً على تسليمه حالا ، وبدرهمين على تقدير النسيئة ، فالثمن متعيّن إلاّ أنّ المعاملة تعليقية والمعاملة المعلّقة أمر دارج عند العقلاء وليست أمراً على خلاف القاعدة فإنها تامة صحيحة في نفسها ولا محذور فيها إلاّ من جهة قيام الاجماع على بطلان التعليق في العقود ولولا ذلك الاجماع لحكمنا بصحة المعاملات المعلّقة إذ ليس فيها ما يخالف القاعدة كما مرّ .

ويحتمل أن يراد بالمعاملة البيع بثمن واحد بالاشتراط ، بأن أراد البيع بالثمن الزائد وهو الدرهمان ولكن اشترط عليه المشتري أنه لو دفعه نقداً لنقص عنه بمقدار درهم ويسمّى ذلك بالنزول وهو أمر سائغ شرعي في حدّ نفسه ولو بدون الاشتراط كما إذا كان عليه دين مؤجّل بوقت فإنّه يتمكّن من أن يدفعه حالا بنقص ثلثه أو ربعه أو أقل أو أكثر ، وليس هذا من الربا لأنه إنما يأتي في طرف الزيادة لا في طرف النقيصة ، والبيع بدرهمين واشتراط النزول بدرهم على تقدير النقدية أمر صحيح متعارف إلاّ أنه خارج عن مورد الروايتين فإنّ صريحهما هو البيع بثمنين لا البيع بثمن واحد مع اشتراط النزول .

ويحتمل عكس ذلك بأن يبيع بالثمن الأقل وهو الدرهم باشتراط أنه لو أخّره إلى مدة كذا يدفع درهماً آخر ، وهذه المعاملة أيضاً صحيحة في نفسها إلاّ أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيأتي مصدرهما عن قريب .

ــ[249]ــ

الاشتراط المذكور في ضمنها من أظهر أفراد الربا لأنّ الزيادة إنما جعلت في مقابل التأجيل والتأخير وهو باطل وحرام ، إلاّ أنّ بطلان الشرط وفساده لا يضرّ بصحة العقد ، لما قدّمناه من أنّ الشرط الفاسد لا يفسد العقد ، وعلى هذا ينطبق ما أفتى به جماعة من صحة المعاملة المذكورة وكونها محرّمة تكليفاً ، فإنّ اشتراط الربا مضافاً إلى أنه فاسد في نفسه محرّم تكليفاً أيضاً نظير بيع الخمر فالمعاملة مع الاشتراط محرّمة إلاّ أنّها صحيحة ، ولا ينطبق على سائر الاحتمالات بوجه .

أمّا الاحتمال الأول فلأنّ المعاملة فيه باطلة ولا حرمة فيها كما لا يخفى .

والاحتمال الثاني أيضاً لا حرمة فيه وإن قلنا ببطلانه للاجماع إلاّ أنّ التعليق في العقود ليس من المحرّمات التكليفية الموجبة للفسق وهو ظاهر .

وكذا الاحتمال الثالث فإنّ المعاملة فيه صحيحة ولا حرمة تكليفية بوجه .

وهناك احتمالات اُخر بعيدة جدّاً كاحتمال أن يكون ذلك من باب تخيير المشتري بين الصورتين بأن ينشئ من الآن ملكية ما يختاره المشتري بعد ذلك .

ثم إنّك إذا عرفت الاحتمالات الأربعة وظهر لك أنّ الاحتمال الأول باطل لأنّ المردّد لا يتعلّق عليه القصد ، والاحتمال الرابع والثالث خارجان عن مورد الروايتين لأنّ الثمن فيهما واحد والمذكور في الروايتين البيع بثمنين ، يظهر لك أنّ المتعيّن في الروايتين هو الاحتمال الثاني أعني البيع المعلّق أي البيع بالأقل على تقدير النقدية وبالأكثر على تقدير النسيئة ، وقد عرفت أنّ المعاملات التعليقية ليس فيها ما يخالف القواعد بحيث لا مانع من الالتزام بصحتها إلاّ الاجماع القائم على أنّ التعليق مبطل في العقود ، وعليه فلو تمّت الروايتان بحسب السند فليس فيهما ما يخالف القاعدة بل هي مطابقة للقاعدة ، فإنّ المعاملة التعليقية صحيحة في نفسها إلاّ من جهة الاجماع ولكن الاجماع كما سيأتي غير متحقّق في هذه المسألة لذهاب أكثر الأصحاب إلى صحّتها .

ــ[250]ــ

ثم إنه إذا قلنا بصحة المعاملة بثمنين فهل يجب على البائع أن يصبر إلى آخر الأجل وليس له المطالبة من المشتري قبله أو أنه غير ملزم على الصبر ؟

ظاهر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) هو لزوم الصبر وعدم جواز المطالبة بدعوى أنه قد أسقط حق مطالبته حيث رضي ببقاء ماله عنده على تقدير النسيئة أي كون الثمن هو الأكثر إلى أجل معيّن ، والثمن الزائد أي الأكثر وأن لم يسلّم له شرعاً لما سيأتي في الروايتين من أنّ الثمن هو الأقل إلاّ أنه لا ينافي إسقاطه الحق .

وقد استشهد عليه بما ذهب إليه بعض الفقهاء في المصالحة على حق القصاص بعبد الغير فإنه إذا ظهر أنه للغير لا يوجب ذلك بقاء حق القصاص ، فإنّ الحقوق إذا أسقطها صاحبها يسقط ولا يعود بعد الاسقاط ، ومع إسقاط البائع حق المطالبة لا يبقى له حق ويجب عليه أن يصبر إلى آخر الأجل وإن لم يحصل ما يقابل إسقاطه وهو الثمن الزائد ، هذا .

ولا يخفى عليك عدم إمكان المساعدة على ما أفاده (قدّس سرّه) لأنّ حقّ المطالبة ليس حقّاً من الحقوق وإنما هو حكم شرعي لا يقبل الاسقاط في نفسه كما إذا قال : أسقطت حق مطالبتي فضلا عمّا إذا وقع مورد الاشتراط ، وعليه فالظاهر أنّ البائع له مطالبة المشتري بثمنه فتكون المعاملة نقدية .

ثم إذا قلنا بعدم وجوب الصبر أو بوجوبه على البائع فهل يجوز للمشتري التأخير في ردّ ثمنه أو لا يجوز ؟ الظاهر عدمه لأنّ البائع قد ملك الثمن بالمعاملة والتصرفات في ملك الغير التي منها إبقاؤه عنده محرّمة بدون رضاه ، والبائع وإن رضي ببقائه عنده على تقدير الثمن الأكثر إلاّ أنّ رضاه معاملي إنما رضي به بتخيل صحة المعاملة بالأكثر كما إذا رضي ببقاء ماله عند أحد بتخيل صحة إجارته فإنه لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 206 .

ــ[251]ــ

يكفي في جواز التصرف فيه مع عدم تمامية المعاملة كما هو الحال في المقام ، هذا كلّه فيما تقتضيه القاعدة .

وأمّا الروايتان(1) فإحداهما أعني ما عن محمد بن قيس لا دلالة لها على لزوم الصبر على البائع إلى آخر الأجل ، وإنّما اشتملت على أنّ الثمن أقلّهما أي أقل الثمنين .

وثانيتهما : ما عن السكوني وقد اشتملت على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى وحكم في مثل البيع بثمنين على أنه ليس له أي للبائع إلاّ أقل النقدين إلى أبعد الأجلين ، وظاهرها أنّ البائع مجبور في الصبر إلى آخر الأجل لأنه الذي حكم به (عليه السلام) وقد مرّ أنّ الروايتين تدلاّن على صحة المعاملة المعلّقة غاية الأمر في إحدى المعاملتين لا في كلتيهما ، وليس فيها ما يخالف القاعدة إلاّ الاجماع وقد عرفت أنّ الاجماع غير متحقّق في المسألة لذهاب كثير من الأصحاب إلى صحتها فلابدّ من الأخذ بالروايتين على تقدير صحة سنديهما .

نعم ، الروايتان مشتملتان على خلاف القاعدة من جهة اُخرى وهي دلالتها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاُولى :محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) « قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من باع سلعة فقال : إنّ ثمنها كذا وكذا يداً بيد ، وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها بأيّ ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة ، فليس له إلاّ أقلّهما وإن كانت نظرة » .

والثانية : وباسناده عن أحمد بن محمد عن البرقي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) : « أنّ علياً (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا ، فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال : هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين ، يقول : ليس له إلاّ أقل النقدين إلى الأجل الذي أجّله بنسيئة » الوسائل 18 : 36 / أبواب أحكام العقود ب2 ح1 ، 2 .

ــ[252]ــ

على أنّ العقود غير تابعة للقصود ، فإنّ البائع قصد البيع بأقلّ الثمنين على تقدير النقد وبأكثرهما على تقدير النسيئة ، والروايتان دلّتا على وقوع المعاملة بأقلّ الثمنين على تقدير النسيئة وهو غير ما قصده البائع ، ومن الظاهر أنّ العقود تابعة للقصود ، لأنّ أدلّة الامضاء شرعاً إنما وردت على طبق ما قصده المتعاقدان ، هذا .

ولكنّه لا يضرّ بالروايتين بعد صحتهما سنداً ، فإنه حكم تعبّدي فنأخذ به وللشارع أن يتصرف في بعض خصوصيات مقاصد المتعاملين ، وقد التزموا نظير ذلك في باب النكاح وإن لم نلتزم به وهو أنه إذا قصد المتعة ونسي ذكر الأجل في عقدها ينقلب إلى الدوام مع أنه غير ما قصده الزوجان ، فالمهمّ هو المراجعة إلى سند الروايتين ، والسيد (قدّس سرّه) في حاشيته(1) وصف رواية السكوني بالصحة والاعتبار حيث قال : مع أنّ الثانية تعدّ من الحسن أو الصحيح .

وهناك طائفة اُخرى(2) دلّت على نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن شرطين في بيع أو بيعين في بيع ، ويحتمل انطباقها على المقام كما يحتمل إرادة معنى آخر .

وكيف كان فقد قال في الحدائق(3) أنّ الأصحاب لعلّهم لم يطّلعوا إلاّ على ما رواه السكوني وضعّفوها وذهبوا إلى بطلان البيع بثمنين ، مع أنّ هناك روايتين اُخريين وهما صحيح وكالصحيح وكلتاهما مروّيتان عن محمد بن قيس روى إحداهما في الفقيه(4) وسندها فيه صحيح ، وروى الاُخرى في الكافي(5) والسند فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 177 مبحث النقد والنسيئة .

(2) الوسائل 18 : 37 / أبواب أحكام العقود ب2 ح3 ، 4 ، 5 .

(3) الحدائق 19 : 123 .

(4) الفقيه 3 : 179 / 812 .

(5) الكافي 5 : 206 / 1 .

ــ[253]ــ

كالصحيح ، ومن هنا عبّر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عنهما بمعتبرة محمد بن قيس ومقتضاهما أنّ المعاملة صحيحة بأقلّ الثمنين وأبعد الأجلين فيما إذا باع ماله بثمنين .

ويحتمل في هاتين الروايتين معنيان أحدهما : أن يبيع البائع ماله بالثمن الأقل إلاّ أنه يشترط الزيادة على تقدير تأخير المشتري في ردّه ، فيبيعه بدرهم ولكنه يشترط درهماً آخر بازاء تأخيره إلى مدّة كذا ، والزيادة في هذه الصورة محرّمة لأنّها ربا ظاهر واشتراطها باطل ، إلاّ أنّ فساد الشرط لا يمنع عن صحة المشروط فالمعاملة صحيحة والشرط فاسد فيكون الثمن هو الأقل لا محالة ، إلاّ أنه يقع الكلام حينئذ في وجه جواز التأخير للمشتري إلى أبعد الأجلين وعدم جواز المطالبة للبائع قبله مع أنه باعه بأقلّ الثمنين ولا أجل فيه بعد إسقاط الاشتراط والحكم ببطلان اشتراط الزيادة على تقدير التأخير . وقد وجّهه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ عدم جواز المطالبة للبائع وجواز التأخير للمشتري مع كون المعاملة نقدية إنما هو من جهة إسقاط البائع حق المطالبة باشتراط الزيادة على تقدير التأخير بمعنى أنه رضي بالتأخير في مقابل عوض معيّن وهو الزيادة وأسقط حق مطالبته بازائه وكون العوض محرّماً شرعاً وعدم وصوله إليه لا يمنع عن إسقاطه لأنه فعل فعله وأسقط حقّه ، وعدم وصوله إليه شرعاً لا يرفع إسقاطه السابق نظير ما إذا أسقط حقه في القصاص في مقابل عوض غير شرعي كما إذا أسقطه في مقابل عبد أخذه من القاتل وكان العبد ملك الغير واقعاً  ، أو كان حرّاً فإنه لا يضرّ بإسقاطه الحق وهو ظاهر ولهذا صحّت المعاملة بأقلّ الثمنين إلى أبعد الأجلين ، هذا .

ولا يخفى عليك عدم تمامية ما أفاده لوجهين ، أحدهما : أنّ إرادة هذا الاحتمال من الروايات خلاف الظاهر ، فإنّ ظاهرها أنّ هناك ثمنين وقد باع ماله بثمنين وعلى تقدير هذا الاحتمال الثمن واحد والزيادة في مقابل تأخير المشتري في أدائه لا أنّ هناك ثمنين .

ــ[254]ــ

وثانيهما : على تقدير الاغماض عن ذلك ، أنّ جواز المطالبة ليس من الحقوق حتى يقبل الاسقاط ، وإنما هو من الأحكام الشرعية فلا يسقط تبرّعاً أيضاً فضلا عمّا إذا كان بعوض ، ولا يقاس ذلك بحق القصاص فإنه من الحقوق .

فالصحيح أن يراد من الأخبار المعنى الثاني وهو الذي ذهب بعضهم إلى صحته وبعضهم إلى فساده كما ذكرناه سابقاً وهو أن يقال : إنّ البائع باع بثمنين على تقديرين فهناك معاملتان تقديريتان إحداهما البيع بالثمن الأقل على تقدير النقدية والبيع بالثمن الأكثر على تقدير التأخير والنسيئة ، فهما معاملتان معلّقتان فلا مانع فيهما إلاّ من جهة التعليق إلاّ أنّ التعليق لا يضرّ في المقام ، فإنّ الدليل على بطلانه هو الاجماع ولا إجماع على بطلان التعليق في المقام بعد ذهاب جماعة إلى الصحة ودلالة الروايتين الصحيحتين على صحّتهما ، فالمعاملة صحيحة .

نعم يبقى هناك إشكال آخر في الروايتين ذكره الأردبيلي (قدّس سرّه)(1)وملخّصه : أنّهما على خلاف العمومات الدالّة على عدم جواز أكل مال الغير إلاّ برضاه ، وعلى خلاف العقل المستقل بقبح التصرف في مال الغير بغير رضاه ، وذلك فإنّ البائع إنما رضي بالمعاملة بأبعد الأجلين في مقابل أكثر الثمنين ولم يرض بها في الأجل الأبعد بأقل الثمنين فكيف دلّت الروايات على صحتها .

وبالجملة : أنّ المنشأ ليس هو المعاملة بأبعد الأجلين وأقلّ الثمنين ، مع أنّ المعاملات إمضائية ، وكونها كذلك أي إمضائية ينافي الامضاء المخالف لما أنشأه المتعاقدان ، فإنه تأسيس على خلاف رضاهما وليس إمضاء لانشائهما .

وما أفاده (قدّس سرّه) متين إلاّ أنّ الأحكام الشرعية ليست كالأحكام العقلية غير قابلة للتخصيص ، فلا مانع من تخصيص ما دلّ على حرمة التصرف في مال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الفائدة 8 : 329 .

ــ[255]ــ

الغير بغير رضاه في المقام والحكم تعبّداً بجواز الأكل عند البيع بثمنين مع عدم رضا البائع به ، وهذا غير عديم النظير ونظائره كثيرة كما في حقّ المارّة والهبة والوقف وبيع الصرف والسلم فإنّ ما أنشأه الواهب أو الواقف أو البائع هو الملكية من حين المعاملة والشارع لم يمضه وإنما حكم بالملكية بعد القبض ، وهذا ظاهر ولا إشكال فيه بعد صحة الروايتين وعمل جملة من الأصحاب على طبقهما ، ولا يمكن طرحهما بمجرد أنّهما على خلاف العمومات المتقدّمة ، هذا فيما إذا باعه بثمنين وعامل معاملتين إحداهما نقدية والاُخرى نسيئة .

وأمّا إذا باعه بثمنين وكان كلا المعاملتين نسيئتين كما إذا باعه بدرهم إلى شهر وبدرهمين إلى شهرين ، فهل هي كسابقتها أو أنّها باطلة ؟

ذكر صاحب الحدائق(1) أنّها كسابقتها فالمعاملة صحيحة بأقلّ الثمنين إلى أبعد الأجلين ، وظاهره أنّ هناك ملازمة فكل من ذهب إلى الصحة في سابقتها لابدّ من أن يحكم بالصحة فيها أيضاً .

إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك ، بل الصحيح هو البطلان في هذه الصورة ، لما عرفت من أنّ الصحة ووقوع المعاملة بأقلّ الثمنين إلى أبعد الأجلين على خلاف القواعد والعمومات ، وفي مثله يقتصر على مورد اليقين والنصّ وهو ما إذا كان أحد البيعين نقدياً والآخر نسيئة دون ما إذا كان كلاهما نسيئة .

وإشكال التعليق وإن كان يندفع بعدم ثبوت الاجماع على بطلانه في المقام إلاّ أنّ كون الثمن أقلّهما بأبعد الأجلين كما مرّ على خلاف القواعد لا دليل على ثبوته في المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 19 : 122 .

ــ[256]ــ

ثم إنّ مقتضى الروايتين(1) المنقولتين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإن كان هو البطلان عند البيع بثمنين ، إلاّ أنّ الصحيح هو الأخذ بما دلّت عليه الروايات المتقدّمة ، ولا تكون الروايتان المذكورتان معارضة لها ، بل يتعيّن التصرف فيهما برفع اليد عن ظهورهما ، وذلك لأنّهما ظاهرتان في بطلان البيع بثمنين ، وهذه الأخبار صريحة في صحته ، فلابدّ من رفع اليد عن ظهورهما بصراحة الروايات المتقدّمة ورفع اليد عن ظهورهما بأحد وجهين :

أحدهما : حملهما على النهي التكليفي ورفع اليد عن ظهورهما في النهي الوضعي ، فتكون المعاملة صحيحة ولكنّها محرّمة شرعاً وهي توجب الفسق .

ويدفعه : أنّا بعد ما رفعنا اليد عن ظهور النهي فيهما في الفساد فالحكم بالحرمة التكليفية يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام .

وثانيهما : حملهما على الكراهة وهذا هو المتعيّن ، ولا وجه لما احتمله صاحب الحدائق من حملهما على الحرمة التكليفية بوجه .

بقي الكلام في صحة جعل الثمنين في الاجارة وقد وردت هناك روايات(2)متعدّدة ودلّت على صحة مثل قوله : إذا خطته فارسياً فكذا وإن خطته رومياً فكذا ويحتمل إرادة الجعالة بذلك دون الاجارة الموجبة لجعل الاُجرة على ذمّة الموجر فإنّ الجعالة ليست إلاّ إخباراً وهي لا يمنع عن التعليق بل هي متقوّمة بالتقدير والتعليق كقوله إن رددت عليّ ولدي أو من ردّ عليّ ولدي ، وعلى تقدير عدم إرادة الجعالة من الأخبار فلنا كلام في حملها على الاجارة لعدم انطباقها عليها وقد بيّناه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم مصدرهما آنفاً .

(2) راجع الوسائل 19 : 116 / كتاب الإجارة ب13 ح2 ، 111 / ب8 ح1 .

ــ[257]ــ

محله(1) وكيف كان فبما أنّ الحكم على خلاف القاعدة فلابدّ من الاقتصار فيه على مورده وهو البيع ولا يمكن التعدّي عنه إلى الاجارة إلاّ فيما إذا دلّ على جريانه فيها دليل .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net