إذا اشترط في البيع الأوّل بيعه منه ثانياً 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2636


ــ[281]ــ

سرّه)(1) بالمستثنى وهي ما إذا اشترط في البيع الأول بيعه منه ثانياً فقد ذهبوا إلى بطلانه، وعلّله العلاّمة(قدّس سرّه)(2) بالدور ، وغيره علّله بعدم القصد للبيع في مثله واقعاً ، وعلّله صاحب الحدائق (قدّس سرّه)(3) بدلالة الأخبار على بطلانه .

وظاهر كلماتهم أنّ نفس المعاملة باطلة من جهة بطلان شرطها واستحالته وقد عرفت أنّ العلاّمة (قدّس سرّه) علّله بالدور لأنّ بيع المشتري من البائع يتوقّف على ملكه وهو يتوقّف على بيعه من البائع وهذا دور ظاهر .

ولا يخفى أنّ هذا التعليل من مثل العلاّمة (قدّس سرّه) بل ممن هو دونه غريب فإنّ الشرط المصطلح عليه في المعاملات ليس هو الشرط الفلسفي أعني ما يتوقّف عليه وجود الشيء المشروط به وإلاّ فلازمه بطلان المعاملات المشروطة ، فإنّ معناه أنّ المعاملة معلّقة على وجود شرطها في الخارج بحيث لولاه لما يتحقّق المعاملة في الخارج والتعليق في العقود مبطل اجماعاً ، بل الشرط على ما بيّناه سابقاً بمعنى آخر وملخّصه : أنّ المعاملات المشروطة إنما تكون معلّقة على التزام الطرف بالشرط حين المعاملة ، وبما أنّ الالتزام حاصل بالفعل فلا يكون التعليق فيه مبطلا ، كما أنّ الالتزام بالمعاملة معلّق على وجود الملتزم به في الخارج كما في مثل الخياطة بحيث لولاه لما يلتزم البائع ببيعه ، وعليه فوجود الشرط وعدمه خارجان عن البيع والمعاملة لأنها متحقّقة سواء تحقّق الخياطة أيضاً في الخارج أم لم يتحقّق ، نعم على تقدير عدم تحقّقه يثبت للبائع الخيار .

وكيف كان فليست المعاملة والملكية متوقّفة على وجود الشرط في الخارج

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 232 .

(2) التذكرة 10 : 251 .

(3) الحدائق 19 : 128 ـ 129 .

ــ[282]ــ

وهو في المقام عبارة عن بيع المشتري من البائع ثانياً ، فمقام العلاّمة (قدّس سرّه) وجلالته تقتضي إرادة غير ظاهر كلامه .

ومن هنا وجّهه شيخنا الأنصاري بأنّ مراد العلاّمة (قدّس سرّه) من الدور في المقام هو أنّ الشرط الصحيح في ضمن المعاملات لابدّ أن يكون أمراً صحيحاً ومعقولا في نفسه مع قطع النظر عن البيع والمعاملة ، ومن البديهي أنّ بيع المبيع من بائعه لولا بيعه من المشتري غير معقول ، فإنّ المالك كيف يشتري ملك نفسه فصحة الشرط ومعقوليته في المقام متوقّفتان على البيع كما هو واضح ، والمفروض أنّ صحة البيع أيضاً مشروطة ومتوقّفة على وجود شرطها فيدور .

وهذا التوجيه في نفسه لا بأس به ، لأنّ الشرط لابدّ من أن يكون معقولا في نفسه مع قطع النظر عن مشروطه ، وعليه فلا يرد عليه النقض باشتراط بيعه من غير البائع ، فإنّ البيع من غير البائع في نفسه أمر معقول بالوكالة أو بنحو البيع الفضولي وهذا بخلاف البيع من نفس البائع فإنه غير معقول لأنّ المالك لا يشتري ملك نفسه ولكنّه مع ذلك غير قابل للتصديق نقضاً وحلا .

أمّا نقضاً : فلأنّ العلاّمة (قدّس سرّه) خصّ إشكال الدور في المقام بخصوص اشتراط البيع من البائع ثانياً ، ولم يلتزم ببطلان المعاملة في مثل اشتراط الاجارة منه  ، مع أنّ هذا الإشكال بعينه وارد على الاجارة أيضاً ، لأنّ الاجارة من البائع أيضاً مع قطع النظر عن بيعه من المشتري غير معقولة ، لأنّ المالك لا يستأجر ملك نفسه ، ونظيره ما إذا اشترط البائع رهن المبيع عنده وثيقة لدين ، فإنّ الرهن عند البائع مع قطع النظر عن بيع البائع من المشتري غير معقول فإنه بمعنى الوثيقة وكيف يجعل ملك نفس البائع وثيقة له لدين شخص آخر ، مع أنّ العلاّمة لم يستشكل في صحة اشتراط الرهن بوجه ، وهذا ظاهر .

وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مقام الجواب وتصحيح

ــ[283]ــ

اشتراط الرهن فلم نفهم له وجهاً محصّلا ، فإنه (قدّس سرّه) صحّحه بأنّ الرهن من توابع الملك فلا مانع من اشتراطه .

وفيه : أنّ الرهن وإن لم تعتبر فيه الملكية لصحة أن يكون الرهن ملك شخص آخر غير الراهن بإذنه وإجازته إلاّ أنّ الكلام في المرتهن فإنه لا يعقل أن يكون المرتهن مالكاً للرهن إذ لا يبقى معه الوثاقة كما هو ظاهر ، وكون الرهن من توابع الملك لا يجعل المستحيل ممكناً .

وأوضح منه ما إذا اشترط البائع وقف المبيع عليه على المشتري فإنّ الوقف مع قطع النظر عن بيع البائع غير صحيح ، لأنّ المالك لا يصح أن يقف ملك نفسه على نفسه لأنّ الوقف على النفس باطل ، مع أنّ العلاّمة (قدّس سرّه) لا يستشكل في شيء من هذه الفروع .

وأمّا الحل : فهو أنّ الشرط وإن كان يعتبر فيه أن يكون صحيحاً وسائغاً في نفسه مع قطع النظر عن مشروطه ، إلاّ أنّ الشرط في المقام بمعنى الالتزام ، والتزام المشتري على أن يبيع المبيع من البائع ممّا ليس فيه مرجوحية ولا استحالة عقلا ومن هنا لو حلف المشتري على بيعه منه يقع حلفه صحيحاً وسائغاً إذ لا مرجوحية فيه أبداً ، وأمّا الملتزم به أعني البيع من البائع فهو أيضاً أمر معقول في نفسه وليس فيه استحالة . ودعوى أنه متوقّف على بيع البائع ولولاه لما يتمكّن المشتري من بيعه مدفوعة بأنه وإن كان كذلك إلاّ أنّا ذكرنا في باب الشروط أنّ القدرة على الشرط إنما يعتبر في ظرفه ولا مانع من اشتراط أمر غير معقول ولا مقدور حين المعاملة فيما إذا كان مقدوراً له في ظرفه ، فالانصاف أنّ هذا التعليل عليل غايته .

وأغرب من ذلك : ما ذكره الشهيد (قدّس سرّه)(1) في وجه بطلان المعاملة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غاية المراد 2 : 78 .

ــ[284]ــ

المقام : من أنّ البائع غير قاصد فيه للبيع حقيقة ، إذ لو كان قاصداً لاخراج ملكه عن تحت سلطنته لم يكن وجه لاشتراطه البيع منه ثانياً .

وفيه : أنه لو لم يقصد البيع حقيقة لوقعت المعاملة باطلة ، سواء اشترط في ضمنها البيع منه ثانياً أم لم يشترط ، مع أنّ هذا الاشتراط نظير اشتراط البيع عند مجيء البائع بمثل الثمن في بيع الخيار بلا فرق بينهما ، فهذا الوجه أيضاً ساقط .

وأمّا ما أفاده صاحب الحدائق (قدّس سرّه) من أنّ بطلان المعاملة حينئذ مستند إلى رواية الحسين بن منذر(1) حيث يُسأل (عليه السلام) فيها عن بيع الشيء واشترائه من المشتري ثانياً وهو في مكانه ، فأجاب (عليه السلام) بأنه إن كان بحيث له أن يبيعه وله أن لا يبيعه وكان البائع بحيث له أن يشتريه وله أن لا يشتريه لا بأس به . ونظيرها بل أظهر منها رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال « سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم اشتراه منه بخمسة دراهم أيحلّ ؟ قال (عليه السلام) إذا لم يشترطا ورضياه فلا بأس »(2) فراجع . وقد استدلّ بهما على بطلان المعاملة فيما إذا لم يكن المشتري متمكّناً من عدم بيعه لأجل الاشتراط .

ففيه : أنّا لو أغمضنا النظر عمّا في سند الروايتين فدلالتهما على بطلان المعاملة غير تامّة ، فإنّ ظاهرهما أنّ الباطل هو البيع الثاني الذي هو مورد السؤال فيهما وهو الذي اختلف فيه أهل المسجد وأفتوا ببطلانه ، مع أنّ محل الكلام في المقام هو صحة البيع الأول وبطلانه دون البيع الثاني كما لا يخفى .

ثم إنّ الظاهر من الروايتين أنّ الاشتراط المذكور فاسد بمعنى أنه منهي عنه وضعاً لا أنه محرّم تكليفي فقط ، وعليه إن قلنا بأنّ الشرط الفاسد يفسد المشروط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 41 / أبواب أحكام العقود ب5 ح4 .

(2) الوسائل 18 : 42 / أبواب أحكام العقود ب5 ح6 .

ــ[285]ــ

لكان البيع الأول أيضاً في المقام فاسداً ، إلاّ أنّك عرفت خلافه ، وعليه فلا مانع من اشتراط البيع من البائع ثانياً كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ، هذا كلّه .

على أنّ سند الروايتين ضعيف ، أمّا رواية علي بن جعفر فلاشتمال سندها على عبدالله بن الحسن وهو ممّن لم يتعرّضوا له في الرجال لا بقدح ولا بمدح ، فلم تثبت وثاقة الرجل بعد التتبّع الأكيد .

وأمّا رواية الحسين بن منذر فلأنّه مردّد بين شخصين كل منهما لم تثبت وثاقته  ، هذا تمام الكلام في النقد والنسيئة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net