لو كان أحد العوضين مؤجّلا - لو قبض الممتنع من دون رضا صاحبه 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4115


الفرع الثالث : إذا كان أحد العوضين مؤجّلا (لعدم صحة التأجيل في كليهما لأنه من بيع الكالي بالكالي) كما في بيع النسيئة فإنّ العوض فيه مؤجّل أو بيع السلم لتأجيل المعوّض فيه ، لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تسليم المؤجّل في طرف الثمن أو المثمن قبل حلول أجله ، لأنه معنى اشتراط التأجيل وجعل حق لنفسه في تأخير أداء مال الغير ، وهذا ممّا لا إشكال فيه .

وأمّا الآخر فيجب عليه تسليم ماله إليه قبل حلول الأجل ، ووجهه أنّ غير المؤجّل قد التزم بتسليمه من دون تعليق على تسليم المؤجّل واشتراطه به أصلا وهذا ممّا لا كلام فيه أيضاً .

ــ[293]ــ

وإنما الكلام في موردين : أحدهما فيما إذا أخّر البائع في بيع النسيئة أداء المثمن إلى المشتري عصياناً أو نسياناً إلى زمان حلول الأجل فهل يجب على المشتري ردّ الثمن عند حلول الأجل إلى البائع مطلقاً وإن لم يدفع البائع حينئذ ، أو أنه لا يجب عليه إلاّ فيما إذا دفعه البائع إليه ؟

وثانيهما : ما إذا عصى البائع أو نسي حتى حلّ الأجل فهل يجب على البائع دفع المثمن إلى المشتري حينئذ وإن امتنع المشتري عن الأداء ، أو أنه مشروط بردّ المشتري الثمن إليه ولا يجب الدفع على البائع ولو مع امتناع المشتري ، بدعوى أنّ البائع قد أسقط اشتراط تسليمه بتسليم المشتري وألزم على نفسه التسليم وإن لم يسلّمه المشتري .

أمّا الأول : فلا ينبغي التأمّل في أنّ المشتري يجب عليه تسليم الثمن إلى البائع بعد انقضاء الأجل مشروطاً بتسليم البائع المثمن إيّاه وأمّا مع امتناعه وعدم تسليمه فلا كما ذكرناه آنفاً ، وهذا ممّا لا كلام فيه وإنما الكلام في المورد الثاني .

وأمّا الثاني : فالصحيح أنّ البائع لا يجب عليه التسليم مع امتناع المشتري عن التسليم ، فإنّ وجوب تسليم كل منهما مشروط بتسليم الآخر كما مرّ ، ودعوى أنّ البائع قد أوجب على نفسه التسليم من غير اشتراطه بتسليم المشتري كما هو معنى تأجيل الثمن ، مندفعة بأنه وإن رضي بذلك إلاّ أنه لا على نحو الاطلاق بل إلى زمان معيّن وهو الأجل ، وأمّا بعده فلم يرض ولا أوجب على نفسه التسليم على نحو الاطلاق حتى مع عدم تسليم المشتري إلى الأبد ، بل الارتكاز العقلائي قائم على أنّ البائع لا يدفع ماله إلى المشتري فيما إذا لم يسلّم المشتري الثمن إليه ، فإنّ بناء المعاملات على الاعطاء والأخذ كما يعبّرون عنها في الفارسية بـ (داد وستد) وليس بناؤها على إعطاء أحدهما من دون أخذ ، فتسليمه مشروط ضمني بتسليم المشتري بعد الأجل ، فما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام من وجوب

ــ[294]ــ

التسليم على البائع ولو مع امتناع المشتري فممّا لا يمكن المساعدة عليه .

الفرع الرابع : أنّ البائع إذا امتنع عن إقباض المبيع وكان امتناعه عن حق من جهة امتناع المشتري عن إقباض الثمن ولكن المشتري قد قبض المبيع من دون رضا البائع بقبضه ـ ولابدّ من فرض الكلام فيما إذا كان الثمن شخصياً فإنّ الكلّي لا يتعيّن بقبض المشتري بوجه ـ لا يترتّب على ذلك القبض آثاره .

وآثار القبض مختلفة فربما يرتّب عليه أصل حصول الملكية كما في الهبة وبيع الصرف والسلم ، فإذا قبض المشتري المبيع في مثلها لا عن رضا البائع فذاك القبض كلا قبض فلا تترتّب عليه الملكية ، فإنّ الملكية إنما تترتّب على القبض الشرعي الصحيح وذاك القبض غير شرعي كما هو ظاهر .

واُخرى يترتّب على القبض ارتفاع ضمان البائع عن المبيع ومع فرض تحقّقه لا عن رضا المالك فهو كلا قبض ولا يوجب ارتفاع الضمان عن البائع لأنه إنما يرتّب على القبض الصحيح(1).

وثالثة تترتّب على القبض أحكام اُخر كجواز البيع في المكيل والموزون على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، فإنّ من شروطه صحة بيع المكيل والموزون أو من شروط عدم كراهته قبضهما فبيعهما قبل القبض مكروه أو حرام ، ولكن القبض إذا تحقّق لا عن رضا المالك فهو كلا قبض فلا يجوز معه بيع المكيل والموزون ، وأمّا تصرّفات المشتري في المبيع الذي قبضه من دون رضا البائع في غير ما يتوقّف عليه حصول الملكية كما إذا كان المبيع أمة وقد نظر إليها المشتري مثلا فلا وجه لحرمتها لأنّ المبيع ملكه على الفرض والتصرف في ملك نفسه جائز .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسيأتي في الأحكام المترتّبة على القبض ] في الصفحة 304 [ أنّ مدرك ضمان التلف قبل القبض لو كان هو السيرة العقلائية فهو يرتفع بمطلق القبض ولو على وجه غير شرعي .

ــ[295]ــ

ودعوى أنّ التصرف في ملك الغير كما أنه محرّم كذلك فيما إذا كان الملك متعلّقاً لحق الغير ، فإنّ التصرف فيه أيضاً غير جائز شرعاً ، واضحة الفساد فإنه لم يتعلّق بالعين حق البائع بوجه إلاّ من جهة أنّ له إبقاءها لا من سائر الجهات كما لا يخفى فتصرفاته فيها غير محرّمة ، نعم لا يرتّب عليه آثاره الشرعية كجواز البيع في مثل المكيل والموزون لأنها مترتّبة على القبض الشرعي الصحيح ، هذا فيما إذا كان امتناع البائع عن التسليم عن حق .

وأمّا إذا فرضنا أنه ليس عن حق كما إذا سلّم المشتري الثمن إليه ولكنه امتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري والمشتري قد قبضه من دون رضا البائع فهو قبض صحيح وترتّب عليه آثاره الشرعية ، فصحة القبض بأحد أمرين : إمّا إقباض ما في يده لصاحبه ، فله حينئذ قبض ما في يد صاحبه ولو بغير إذنه ، وإمّا إذن صاحبه .

ثم إنه إذا فرضنا أنّ امتناع البائع عن التسليم ليس عن حق لأنّ المشتري قد سلّم إليه الثمن ، فهل يجوز للبائع أن يتصرف في الثمن أي مع عدم إقباضه المبيع للمشتري ، أو أنه يحجر عن التصرف في ذلك ؟ الصحيح أنه لا يحجر عليه في الثمن كما في غير الثمن من أمواله غاية الأمر أنّ المشتري له الخيار وله أن يفسخ المعاملة وإذا فسخها ينتقل الثمن إلى ملكه ، فلا يجوز للبائع أن يتصرف في مال المشتري حينئذ بغير إذنه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net