وجوب تفريغ المبيع عند تسليمه - امتناع البائع عن التسليم 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامس : الخيارات-3   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3067


مسألـة

قد عرفت أنّ تسليم كل من العوضين إلى مالكه أمر ثبت اشتراطه في ضمن المعاملة ، إلاّ أنّ التسليم لابدّ من أن يكون مفرّغاً بأن لا تكون العين مشغولة بمال البائع ، وهذا شرط آخر ضمني غير شرط التسليم وإن كان مدركهما ودليلهما واحداً وهو الشرط في ضمن المعاملة ، وذلك لأنّ العقلاء كما يشترطون أصل تسليم المال

ــ[296]ــ

إلى المشتري مثلا كذلك يشترطون تسليمه إليه مفرّغاً ، فلو سلّمه إليه مشغولا بأمواله يجب عليه تفريغه عن أمواله حسب الاشتراط الضمني .

نعم تترتّب على التسليم من غير إفراغ آثار التسليم شرعاً ، مثلا يرتفع به ضمان البائع فيما إذا سلّمه مشغولا بأمواله وقبل أن يفرغه تلف المبيع فإنه لا يكون مضموناً على البائع حينئذ .

ثم إنه إذا سلّمه وهو غير مفرّغ وتوقّف تفريغه على مضي مدّة يتسامح بها عرفاً كنصف يوم أو يوم في بيع الدار مثلا فلا يثبت به شيء للمشتري من الخيار ولا اُجرة إشغال المبيع في تلك المدّة ، فإنه أمر يتسامح فيه عرفاً وهو خارج عن الاشتراط الضمني.

وأمّا إذا احتاج تفريغه إلى مدّة مديدة بحيث لا يتسامح بها عند العرف كشهر مثلا أو أكثر ، وفرضنا أنّ المشتري لم يكن عالماً باشتغال المبيع بأموال البائع ، أو كان عالماً به ولكنه لم يعلم بأنه يحتاج إلى مدّة مديدة ، فلا محالة يثبت له الخيار ، فإنّ تسليمه مفرّغاً أمر اشترط في ضمن المعاملة وتخلّفه يوجب الخيار .

ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) قيّده بما إذا أوجب اشغاله بتلك المدّة تضرّر المشتري وحكم حينئذ بثبوت الخيار له ، ولكنّا لم نفهم وجه تقييده بذلك فإنّ ثبوت الخيار مستند إلى تخلّف الاشتراط الضمني لا إلى قاعدة لا ضرر ، فسواء تضرّر المشتري بذلك أم لم يتضرّر به كما هو الحال في جميع موارد تخلّف الشرط فالتقييد بضرر المشتري لا وجه له .

ثم إنّ المبيع إذا كان مشغولا بمال البائع وتوقّف تفريغه على مضي زمان فهل يتمكّن المشتري من مطالبة البائع باُجرة ملكه في المدّة المذكورة أو ليس له حق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 267 .

ــ[297]ــ

مطالبة البائع بالاُجرة ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وجهين في المقام :

أحدهما : أنه ليس له مطالبة البائع باُجرة ملكه لأنه اشترى شيئاً وتبيّن أنه مشغول بمال البائع فلا يثبت له إلاّ الخيار نظير ما إذا اشترى داراً فوجدها مستأجرة إلى مدّة فإنه لا يثبت للمشتري حينئذ إلاّ الخيار ، وليس له مطالبة البائع باُجرة الدار في مدّة الاجارة .

وثانيهما : أنّ له مطالبة الاُجرة لأنه اشترى أرضاً لا يستحقّ عليها الاشغال بمال البائع فله مطالبة الاُجرة بذلك .

والظاهر أنه لا دوران في المقام بل ثبوت الاُجرة متعيّن ، لأنه قد اشترى المبيع وملكه كما ملك جميع منافعه ، والبائع لم يسلّم إليه إلاّ نفس المبيع فأين ذهبت منافعه التي هي مملوكة للمشتري وليس إلاّ أنّ البائع فوّتها عليه باشغاله فيثبت عليه قيمتها كما لا يخفى .

ولا يقاس المقام بباب الاجارة فإنّ المنافع حينئذ لم تنتقل إلى ملك المشتري لفرض أنّها انتقلت إلى المستأجر بالاجارة السابقة ، فليس للمشتري مطالبة عوضها لعدم ملكيتها له ، نعم لمّا باعه على نحو الاطلاق ثم ظهر أنّ منافعه مستحقّة للغير فثبت له الخيار بين الردّ والامضاء ، وهذا من دون فرق بين أن يكون البائع مقصّراً في عدم تفريغه المبيع كما إذا كان عالماً بالحال وأخّر تفريغه ، وبين كونه غير مقصّر فإنّ تقصيره لا يوجب إلاّ الاثم ولا ربط له بالاُجرة . هذا .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض بمناسبة المقام لفرع آخر : وهو أنه إذا باع أرضاً وسلّمه إلى المشتري مشغولة بالزرع أو الأشجار وأفاد أنه يقلعها إذا لم يستلزم عليه الضرر ، ويحتمل أن يكون البائع مخيّراً بين إبقائها في أرض المشتري مع الاُجرة وبين قلعها ، كما يحتمل أن يكون المشتري مخيّراً بين قلعها ودفع الأرش إلى البائع وإبقائها مع الاُجرة ، هذا .

ــ[298]ــ

ولا يخفى أنّ المتعيّن هو تخيير المشتري بين قلعها مجاناً وبين ابقائها مع الاُجرة .

ودعوى أنّ القلع يستلزم الضرر على البائع ومقتضى ارتفاع الضرر جواز ابقائها في أرض الغير ، وتضرّر المشتري بذلك فيدفع بجعل الخيار له .

مندفعة بأنّ القلع وإن استلزم ضرر البائع إلاّ أنه ليس مورداً لقاعدة نفي الضرر ، فإنّ الزام المشتري ببقاء أشجار البائع في ملكه ضرر على المشتري ، وقد مرّ غير مرّة أنّ القاعدة لا تجري في الموارد التي يلزم من جريانها ضرر على شخص آخر .

وأمّا اندفاع ضرر المشتري بجعل الخيار له ، ففيه : أنّ القاعدة إنما دلّت على أنّ الأحكام الضررية مرتفعة في الشريعة المقدّسة وأنّها غير مجعولة لا أنها متداركة بجعل حكم آخر ، وفي المقام لمّا كان إلزام المشتري بابقاء أشجار البائع في ملكه ضررياً فهو مرتفع بالقاعدة ، لا أنها تجعل الخيار للمشتري ليتدارك ضرره وإلاّ فتدارك ضرر المشتري بجعل الخيار في حقّه ليس بأولى من تدارك ضرر البائع من بيت المال مثلا .

ثم إنّ القلع إذا استلزم ضرراً آخر في ملك المشتري من كسر زجاجة أو هدم بقعة ونحوهما فعلى البائع جبره ، ولكن يقع الكلام حينئذ في أنّ تلك الاضرار في المقام وفي موارد الغصب مثلية أو أنها قيمية ، بمعنى أنه يجب إعادة المكسور أو المهدوم أو يجب ردّ قيمته ، وهذا يختلف باختلاف الأضرار ففي مثل كسر الزجاج مثلي فيعاد ، وأمّا في مثل هدم البقعة قيمي لاستحالة إعادتها كما كانت عرفاً واختلافها من حيث قدم آلاته وكونها جديدة وفي مادّتها قدماً وحدوثاً ، وهكذا .

مسألـة

إذا امتنع البائع من التسليم فلا يخلو إمّا أن يكون امتناعه مستنداً إلى امتناع

ــ[299]ــ

المشتري عن تسليم الثمن وإمّا أن يكون مستنداً إلى ظلمه وعدوانه ، لأنّ المشتري باذل للثمن .

فإن كان الامتناع مستنداً إلى امتناع المشتري عن التسليم فلا كلام في عدم إثمه وعصيانه ، وإنّما الكلام في حكمه الوضعي من جهتين :

إحداهما : في أنّ البائع هل يضمن اُجرة منافع المبيع التالفة في مدّة الامتناع أو لا يضمنها ؟

ربما يحتمل ضمانها على البائع من جهة أنّ المبيع ومنافعه مملوكان للمشتري وقد تلفت منافعه تحت يد البائع فيضمنها .

إلاّ أنّ الصحيح عدم الضمان كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)والوجه في ذلك أنّ امتناع البائع عن تسليم المبيع إلى المشتري في المقام أي منعه عن استيفاء المشتري منافع ملكه مستند إلى التزام نفس المشتري بذلك ، وأنّ له أن يمنعه عن ذلك ما لم يقبضه الثمن حسب الاشتراط الضمني بينهما ، وظاهره أنّ منع البائع عن استيفاء المشتري منافع ملكه في مدّة امتناعه عن تسليم الثمن مجّاني ، لا أنه يمنعه عنه في مقابل العوض وهذا ظاهر .

ثانيتهما : أنّ المبيع إذا احتاج إلى نفقة لكونه حيواناً أو إنساناً فهل نفقته على البائع في مدّة الامتناع أو أنها على المشتري .

مقتضى القاعدة أنّ نفقته على المشتري ، لأنّ نفقة المملوك على مالكه ، ولكنه ربما يحتمل أن تكون نفقته على البائع .

وعن جامع المقاصد(2) أنّ النفقة في المقام أشبه بنفقة الزوجة فيما إذا امتنعت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 269 .

(2) جامع المقاصد 4 : 412 .

ــ[300]ــ

عن التمكين حتى تقبض مهرها ، فكما أنّ وجوب نفقتها على زوجها حينئذ محل الخلاف وفيه احتمالان فكذلك في النفقة في المقام ، هذا .

والظاهر أنّ بين النفقتين فرقاً ظاهراً فإنّ مقتضى العمومات الدالّة على أنّ نفقة الزوجة على زوجها وجوب النفقة على الزوج مطلقاً ، وقد خرجنا عنه فيما إذا كانت ناشزة ، والنشوز إنما يتحقّق فيما إذا لم يكن امتناعها عن التمكين مستنداً إلى حق كما إذا كانت مريضة ويضرّها المواقعة وكما في المقام ، وأمّا إذا كان مستنداً إلى حق لها في الامتناع فلا دليل على عدم وجوب النفقة على زوجها .

وهذا بخلاف المقام فإنّ مقتضى القاعدة هو كون ضمان نفقة المملوك على مالكه مطلقاً ، ولم يرد على هذه الاطلاقات مخصّص بوجه ، هذا كلّه فيما إذا كان امتناع البائع عن التسليم مستنداً إلى امتناع المشتري عن تسليم الثمن إليه .

وأمّا إذا استند إلى ظلمه وعدوانه لفرض أنّ المشتري باذل للثمن فلا إشكال في عصيانه وإثمه ، وأمّا ضمانه اُجرة المنافع التالفة في مدّة الامتناع تحت يد البائع فهو أيضاً ممّا لا ينبغي التأمّل فيه ، لأنه الذي فوّت المنافع المملوكة للمشتري عليه فيضمنها .

وأمّا النفقة فمقتضى القاعدة المستفادة من صحيحة أبي ولاّد(1) المتقدّمة في بحث الضمان أنّ حفظ المغصوب واجب على غاصبه ، وهو إنما يكون بالانفاق عليه في مدّة الغصب ، وعليه فلابدّ من الحكم بوجوب الانفاق على البائع في المقام لأنه غاصب .

ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) على ما عندنا من نسخة الكتاب ذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الاجارة ب17 ح1 .

(2) المكاسب 6 : 269 .

 
 

ــ[301]ــ

أنّ مقتضى القاعدة كون نفقته على المشتري . والعبارة إمّا فيها سقط وهو كلمة «ليست» أي ليست النفقة على المشتري ، وإمّا أنّا لا نفهم مراده كما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net