الامتثال بعد الامتثال 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3348


ــ[17]ــ
 

[ الامتثال بعد الامتثال ]

وإنّما الاشكال والنزاع في إتيان المأمور به ثانياً بعد إتيانه أوّلاً ، ويُسمّى ذلك بالامتثال بعد الامتثال ، فهل يمكن ذلك أم لا ؟ فيه وجوه ، ثالثها : التفصيل بين بقاء الغرض الأقصى وعدمه، وقد اختار المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) هذا التفصيل وقد أفاد في وجه ذلك ما إليك نصّه :
والتحقيق أنّ قضية الاطلاق إنّما هو جواز الاتيان بها مرّة في ضمن فرد أو أفراد ، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال كايجادها في ضمن الواحد ، لا جواز الاتيـان بها مرّة أو مرّات ، فانّه مع الاتيان بها مرّة لا محالة يحصل الامتثال ويسقط به الأمر فيما إذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرّده ، فلا يبقى معه مجال لاتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر أو بداعي أن يكون الاتيانان امتثالاً واحداً، لما عرفت من حصول الموافقة باتيانها وسقوط الغرض معها وسقوط الأمر بسقوطه فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً .
وأمّا إذا لم يكن الامتثال علّة تامّة لحصول الغرض ، كما إذا أمر بالمـاء ليشرب أو يتوضأ فأتى به ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلاً ، فلا يبعد صحة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر أحسن منه بل مطلقاً ، كما كان له ذلك قبله على ما يأتي بيانه في الإجزاء (1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 79 .

ــ[18]ــ

والصحيح هو عدم جواز الامتثال بعد الامتثال ، وذلك لأنّ مقتضى تعلق الأمر بالطبيعة بدون تقييدها بشيء كالتكرار أو نحوه حصول الامتثال بايجادها في ضمن فرد ما في الخارج ، لفرض انطباقها عليه قهراً ، ولا نعني بالامتثال إلاّ انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المأتي به في الخارج ، ومعه لا محالة يحصل الغرض ويسقط الأمر ، فلا يبقى مجال للامتثال مرّة ثانية ، لفرض سقوط الأمر بالامتثال الأوّل وحصول الغرض به ، فالاتيان بها بداعيه ثانياً خلف . ومن هنا سنذكر إن شاء الله تعالى في مبحث الإجزاء أنّ الاتيان بالمأمور به بجميع أجزائه وشرائطه علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر ، فعدم الاجزاء غير معقول ، بل لو لم يكن الامتثال الأوّل مسقطاً للأمر وموجباً لحصول الغرض لم يكن الامتثال الثاني أيضاً كذلك ، لفرض أ نّه مثله فلا تفاوت بينهما ، على أ نّه لا معنى لجواز الامتثال ثانياً بعد فرض بقاء الأمر والغرض .
وإن شئت قلت : إنّ لأمر واحد ليس إلاّ امتثالاً واحداً ، فعندئذ إن سقط الأمر بالامتثال الأوّل لم يعقل امتثاله ثانياً وإلاّ وجب ذلك ، ضرورة أنّ حدوث الغرض كما يوجب حدوث الأمر ، كذلك بقاؤه يوجب بقاءه ، فجواز الامتثال بعد الامتثال عندئذ لا يرجع إلى معنى معقول . نعم ، إذا أتى المكلف بما لا ينطبق عليه المأمور به خارجاً وجب عليه الاتيان به مرّة ثانية ، إلاّ أ نّه ليس امتثالاً بعد الامتثال ، لفرض أنّ الأوّل ليس امتثالاً له .
ومن ضوء هذا البيان يظهر نقطة الخطأ في كلام صاحب الكفاية (قدس سره) وهي الخلط بين الغرض المترتب على وجود المأمور به في الخارج من دون دخل شيء آخر فيه ، وبين غرض الآمر كرفع العطش مثلاً ، حيث إنّ حصوله يتوقف على فعل نفسه وهو الشرب زائداً على الاتيان بالمأمور به ، ومن الطبيعي

ــ[19]ــ

أنّ المكلف لا يكون مأموراً بايجاده وامتثاله ، لخروجه عن قدرته واختياره ، فالواجب على المكلف ليس إلاّ تمكين المولى من الشرب وتهيئة المقدمات له ، فانّه تحت اختـياره وقدرته وهو يحصل بصرف الامتثال الأوّل . وكيف كان ، فان حصل الغرض من الامتثال الأوّل وسقط الأمر لم يعقل الامتثال الثاني إلاّ تشريعاً ، وإن لم يحصل وجب ذلك ثانياً ، وعلى كلا التقديرين فلا معنى لجوازه أصلاً .
نعم ، قد يتوهم جواز ذلك في موردين :
أحدهما : في صلاة الآيات ، حيث قد ورد فيها أنّ من صلّى صلاة الآيات فله أن يعيد صلاته مرّة ثانية ما دامت الآية باقية (1) ، وهذا يدل على جواز الامتثال مرّة ثانية بعد الامتثال الأوّل .
وثانيهما : في الصلاة اليومية ، حيث قد ورد فيها أنّ من صلّى فرادى واُقيمت الجماعة فله أن يعيد صلاته مرّة اُخرى فيها (2) ، وهذا أيضاً يدل على جواز الامتثال بعد الامتثال .
ولكن هذا التوهم خاطئ في كلا الموردين ولا واقع له .
أمّا في المورد الأوّل : فهو لا يدل على أزيد من استحباب الاعادة مرّة ثانية بداعي الأمر الاستحبابي ، بداهة أنّ الأمر الوجوبي قد سقط بالامتثال الأوّل فلا تعقل الاعادة بداعيه .
وبكلمة اُخرى : أنّ صلاة الآيات متعلقة لأمـرين : أحدهما أمر وجوبي والآخر أمر استحبابي، غاية الأمر أنّ الأوّل تعلق بصرف طبيعة الصلاة والثاني

ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 7 : 498 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 8 ح 1 .
(2) الوسائل 8 : 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1 .

ــ[20]ــ

تعلق بها بعنوان الاعادة ، ويستفاد الأمر الثاني من الروايات الواردة في المقام ، وعليه فالاعادة بداعي الأمر الاستحبابي لا بداعي الأمر الأوّل ، لتكون من الامتثال بعد الامتثال ، كيف فلو كانت بداعي الأمر الأوّل لكانت بطبيعة الحال واجبة ، وعندئذ فلا معنى لجوازها .
فالنتيجة : أ نّه لا إشعار في الروايات على ذلك فما ظنك بالدلالة .
وأمّا في المورد الثاني : فأيضاً كذلك، ضرورة أ نّه لايستفاد منها إلاّ استحباب الاعادة جماعة ، فإذن تكون الاعادة بداعي الأمر الاستحبابي لا بداعي الأمر الأوّل ، وإلاّ لكانت واجـبة وهذا خلف . نعم ، هنا روايتان صحيحتان ففي إحداهما أمر الإمام بجعل الصلاة المعادة فريضة ، وفي الاُخرى يجعلها فريضة إن شاء . ولكن لا بدّ من رفع اليد عن ظهورهما أوّلاً بقرينة عدم إمكان الامتثال ثانياً بعد الامتثال ، وحملهما على جعلها قضاءً عما فات منه من الصلاة الواجبة ثانياً ، أو على معنى آخر ، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الإجزاء(1) إن شاء الله تعالى .

ـــــــــــــــــــــ
(1) في ص 40 .

 
 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net