المختار هو التفصيل بين الطريقية والسببيّة - نقد ما يقال إنّ الاجزاء مطابق للقاعدة 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4915

والصحيح : هو التفصيل بين نظرية الطريقية في باب الأمارات والحجج ونظرية السببية ، فعلى ضوء النظرية الاُولى مقتضى القاعدة عدم الإجزاء مطلقاً ـ يعني في أبواب العبادات والمعاملات وفي موارد الاُصول والأمارات ـ إلا أن يقوم دليل خاص على الإجزاء في مورد . وعلى ضوء النظرية الثانية مقتضى القاعدة الإجزاء كذلك إلا أن يقوم دليل خاص على عدمه في مورد ، فلنا دعويان : الاُولى : أنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء بناءً على نظرية الطريقية والكاشفية . الثانية : أنّ مقتضى القاعدة الإجزاء بناءً على نظرية السببية .

ــ[77]ــ

أمّا الدعوى الاُولى : فلأنّ الأمارات على ضوء هذه النظرية تكشف عن عدم إتيان المكلف بالمأمور به الواقعي في هذه الشريعة ، وأنّ ما أتى به ليس بمأمور به كذلك، والمفروض أنّ الصحة إنّما تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به في الخارج الموجبة لسقوط الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه ، كما أنّ الفساد ينتزع من عدم مطابقته له المترتب عليه وجوب الاعادة والقضاء ، ومن الطبيعي أنّ إجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليه ، وهذا معنى قولنا إنّ مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء .
ولكن قد يقال : إنّ الإجزاء هو المطابق للقاعدة، واستدلّ عليه بأنّ انكشاف الخلاف إذا كان بقيام حجة معتبرة كما هو مفروض الكلام فلا علم بكون الحجة الاُولى باطلة ومخالفة للواقع كما هو الحال فيما إذا كان انكشاف الخلاف بعلم وجداني ، بل الحجة السابقة كاللاّحقة من هذه الناحية ، فكما يحتمل أن تكون الحجة اللاّحقة مطابقة للواقع ، فكذلك يحتمل أن تكون الحجة الاُولى مطابقة له وإن كان الواجب على من قامت عنده الحجة الثانية وعلى مقلديه العمل باجتهاده الثاني المستند إلى هذه الحجة الفعلية ، دون اجتهاده السابق المستند إلى الحجة السابقة ، والسبب في ذلك هو أنّ حجية السابقة إنّما تسقط في ظرف وصول الحجة اللاّحقة ، أمّا في ظرفها فهي باقية على حجيتها ، بداهة أ نّه لا يعقل كشف الحجة اللاّحقة عن عدم حجية السابقة في ظرفها ، لأنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه ، فإذا كانت السابقة متصفة بالحجية في ظرفها كما هو المفروض فكيف يعقل كشف اللاّحقة عن عدم حجيتها فيه ، فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع لا من كشف الخلاف وعدم الثبوت في الواقع ، وعليه فلا وجه لبطلان الأعمال الماضية المستندة إلى الحجة السابقة .
وبكلمة اُخرى : أنّ الواقع كما هو مجهول له في ظرف اجتهاده الأوّل كذلك

ــ[78]ــ

هو مجهول في ظرف اجتهاده الثاني ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً ، فقيام الحجة الثانية على خلاف الاُولى لا يعيّن بمؤداها الواقع الحقيقي لكي يستلزم خطأ الاُولى وعدم مطابقتها للواقع ، بداهة أ نّه كما يحتمل خطأ الاُولى وعدم مطابقة مؤداها للواقع ، كذلك يحتمل خطأ الثانية وعدم مطابقة مؤداها له ، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : أ نّا قد ذكرنا في غير مورد أنّ الأثر إنّما يترتب على الحجية الفعلية الواصلة إلى المكلف صغرىً وكبرىً ـ وهو تنجيز الواقع عند المصادفة والتعذير عند الخطأ وصحة الاسناد والاستناد ـ وأمّا الحجية المجعولة في مرحلة الانشاء التي لم تصل إلى المكلف صغرىً وكبرىً فلا أثر لها أصلاً ، مثلاً إذا علم بحجية البينة في الشريعة المقدسة وعلم بقيامها على نجاسة شيء تترتب عليها آثارها وهي التنجيز والتعذير وصحة الاسناد والاستناد . وأمّا إذا علم بحجيتها ولكن لم يعلم بقيامها على نجاسته في الخارج أو علم بقيامها عليها ولكنّه لم يعلم بحجيتها في الشريعة المقدسة ، لم يترتب عليها تنجيز نجاسة ذلك الموضوع الخارجي ، بل تبقى مشكوكة ، فالمرجع فيها الاُصول العملية من الاستصحاب أو قاعدة الطهارة . وعلى الجملة : فالحجية متقوّمة بالوصول ، فان وصلت إلى المكلف صغرىً وكبرىً لم يبق موضوع للأصل العملي ، وإن لم تصله ولو بإحدى مقدمتيها فالموضوع للأصل العملي موجود حقيقة وهو الشك في الحكم الواقعي .
ومن ناحية ثالثة : أنّ انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول ، والتبدل فيها دائماً يكون من التبدل في الموضوع وارتفاع الحكم بارتفاعه ، لا عدم ثبوته من الأوّل كما هو واضح .
وإن شئت قلت : إنّ المقام نظير النسخ في الأحكام الشرعية ، فكما أنّ حقيقة

ــ[79]ــ

النسخ انتهاء الحكم بانتهاء أمده ومدة عمره وثبوت الحكم حقيقة قبل انتهائه ، فكذلك حجية الأمارة الاُولى ، فانّها منتهية بانتهاء أمدها ومدة عمرها ـ وهو الظفر بالحجة الثانية ووصولها ـ حيث إنّها ثابتة حقيقة قبل ذلك ، والسبب في ذلك : هو ما عرفت من أنّ اتصاف الأمارة بالحجية متقوّم بالوصول إلى المكلف بصغراها وكبراها ، فمتى وصلت إليه كذلك اتصفت بالحجية ، وإلاّ لم يعقل اتصافها بها . وعلى هذا فالحجة الثانية ما لم تصل إلى المكلف لا يعقل كونها مانعة عن اتصاف الحجة السابقة بها ولا توجب رفع اليد عنها أصلاً ، وذلك لفرض أ نّها قبل وصولها لم تكن حجة لتكون مانعة عن حجيتها ورافعة لها ، فإذا وصلت فبطبيعة الحال كانت رافعة لحجيتها من حين الوصول ، لفرض أنّ اتصافها بالحجية من هذا الحين فلا يعقل أن تكون رافعة لها قبله ، فإذن لا مانع من اتصافها بالحجية في وقتها وقبل الظفر بحجية الحجة الثانية ، ولا مزاحم لها في هذه الفترة من الزمن ، ولا موجب لرفع اليد عنها في تلك الفترة .
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي أ نّه لا مناص من الالتزام بصحة الأعمال الماضية المطابقة مع الحجة السابقة ، ولا موجب لاعادتها أو قضائها في الوقت أو خارجه ، لفرض أ نّها صادرة عن المكلف على طبق الحجة في ظرفها واقعاً ، ومعه لا مقتضي لبطلانها أصلاً ، ومن البديهي أنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه .
ولنأخذ بالنقد عليه بيان ذلك : أنّ مقتضى الأمارة الثانية ـ سواء فيها القول باتصافها بالحجية الفعلية من الأوّل ، أو القول باتصافها بها كذلك من حين وصولها والظفر بها ـ هو عدم الإجزاء .
أمّا على التقدير الأوّل : فواضح ، حيث إنّه بعد انكشاف الخلاف ظهر أنّ الأمارة الثانية كانت حجة من الأوّل ، والأمارة الاُولى لم تكن حجة كذلك ،

ــ[80]ــ

وصرف الاعتقاد بحجيتها من دون واقع موضوعي له لا أثر له أصلاً . ونتيجة ذلك بطبيعة الحال بطلان الأعمال الماضية ووجوب إعادتها أو قضائها ، حيث إنّها لم تكن مطابقة للحجة في ظرف حدوثها ، بل كانت مخالفـة لها من ذلك الوقت على الفرض ، غاية الأمر أنّ المكلف جاهل بذلك ، ومعه كيف يمكن القول بالإجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء .
ولكن هذا التقدير مجرد فرض لا واقع له ، وذلك لما عرفت من أنّ حجية الأمارة فعلاً متقومة بالوصول فلا يعقل اتصافها بها كذلك من دون وصولها إلى المكلف صغرىً وكبرىً . وإن شئت قلت : إنّ الحجية وإن كانت كغيرها من الأحكام الشرعية ، فكما أنّ لها مرتبتين : مرتبة الانشاء، ومرتبة الفعلية ، فكذلك للحجية مرتبتان : مرتبة إنشائها ، وهي جعلها على نحو القضية الحقيقية ولا أثر لها في هذه المرتبة، ومرتبة فعليتها، وهي مرتبة ترتب الآثار عليها، ومن الطبيعي أنّ هذه المرتبة تتوقف على وصولها إلى المكلف ، حيث إنّ الآثار المرغوبة منها كالتنجيز والتعذير وصحة الاسناد والاستناد لا تترتب عليها إلاّ بعد فعليتها ووصولها ، ضرورة أ نّه لا معنى لحجية شيء فعلاً إلاّ ترتيب تلك الآثار عليه.

وأمّا على التقدير الثاني : فلأنّ صفة الحجـية وإن كانت تحدث للأمارة المتأخرة بعد الظفر بها ووصولها ، ولا معنى لاتصافها بها قبل ذلك ، ومن هنا قلنا إنّ انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول ، والتبدل فيها إنّما هو من التبدل في الموضوع ، إلاّ أنّ مدلولها أمر سابق ، حيث إنّها تحكي عن ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من دون اختصاصه بزمن دون آخر وبعصر دون عصر، وذلك كما إذا افترضنا أنّ المجتهد أفتى بطهارة شيء من جهة قاعدة الطهارة ثمّ وجد ما يدل على نجاسته ، كالاستصحاب مثلاً كما إذا علم أنّ حالته السابقة هي النجاسة ، فهذا لا يكشف عن عدم حجية القاعدة في ظرفها ، وإنّما يوجب

 
 

ــ[81]ــ

سقوطها من حين قيامه عليها ، حيث إنّه لا يكون حجة إلاّ بعد العلم بها ، فانّ موضوعه وهو الشك في البقاء لا يتحقق إلاّ من هذا الحين ، فكيف يعقل أن يكون رافعاً لحجية القاعدة في وقتها وكاشفاً عنه كذلك . نعم ، مفاده أمر سابق ولذا وجب ترتيب الأثر عليه من السابق .
ومثله ما إذا أفتى على طبق عموم بعد الفحص عن مخصصه وعدم الظفر به ، فلا يكون الظفر به بعد ذلك كاشفاً عن عدم حجية العام قبله ، حيث إنّه لا يكون حجة إلاّ بعد وصوله لا مطلقاً ، نعم مدلوله كان مطلقاً وهو يحكي عن ثبوته في الشريعة المقدسة كذلك . ومن الطبيعي أنّ مقتضى حجية ذلك ثبوت مدلوله من الابتداء ، ولازم هذا هو أنّ العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة حيث كان مخالفاً لمدلولها باطل ، لعدم كونه مطابقاً لما هو المأمور به في الواقع وهو مدلولها .
وكون الحجتين تشتركان في احتمال مخالفة مدلولهما للواقع لا يضر بذلك ، بعد إلغاء هذا الاحتمال بحكم الشارع في الحجة الثانية حسب أدلة اعتبارها ، وعدم إلغائها في الاُولى ، لفرض سقوطها عن الاعتبار بقاءً . ومن الطبيعي أنّ صرف هذا الاحتمال يكفي في الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء ، بداهة أ نّه لا مؤمّن معه من العقاب ، فانّ الحجة السابقة وإن كانت مؤمّنة في ظرف حدوثها ، إلاّ أ نّها ليست بمؤمّنة في ظرف بقائها ، لفرض سقوطها عن الحجية والاعتبار بقاءً بعد الظفر بالحجة الثانية وتقديمها عليها بأحد أشكال التقديم من الحكومة أو الورود أو التخصيص أو التقييد أو غير ذلك ، وعليه فلا مؤمّن من العقاب على ترك الواقع ، ولأجل ذلك وجب بحكم العقل العمل على طبق الحجة الثانية وإعادة الأعمال الماضية حتّى يحصل الأمن .
وأمّا القضاء ، فلأجل أنّ ما أتى به المكلف على طبق الحجة الاُولى غير

ــ[82]ــ

مطابق للواقع بمقتضى الحجة الثانية ، وعليه فلا بدّ من الحكم ببطلانه ، ومعه حيث يصدق عنوان فوت الفريضة فبطبيعة الحال يجب القضاء بمقتضى ما دلّ على أنّ موضوعه هو فوت الفريضة ، فمتى تحقق ، تحقق وجوب القضاء .
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة : وهي أنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء في جميع موارد كشف الخلاف وعدم مطابقة العمل المأتي به للواقع ، سواء أكانت من موارد التبدل في الرأي أو من موارد الرجوع إلى مجتهد آخر ، بلا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات ، والأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، وموارد الاُصول والأمارات، وموارد كشف الخلاف بالعلم الوجداني وكشف الخلاف بالعلم التعبدي، إلاّ فيما قام دليل خاص على الإجزاء، كما قام في خصوص الصلاة حيث دلّ حديث لا تعاد على عدم وجوب الاعادة في غير الخمسة المذكورة فيها ، كما ستجيء الاشارة إلى ذلك من هذه الناحية إن شاء الله تعالى . هذا كلّه بناءً على حجية الأمارات على ضوء نظرية الطريقية والكاشفية .
وأمّا بناءً على حجيتها على ضوء نظرية السببية والموضوعية ، فينبغي لنا التكلّم فيها في مقامين :
الأوّل : في بيان حقيقة السببية وأقسامها .
الثاني : في بيان ما يترتب على تلك الأقسام .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net