الشك في الطريقية والسببية 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3261


وأمّا إذا شكّ ولم يحرز أ نّها على أيّ الوجهين، فأصالة عدم الاتيان بما يسقط

ــ[94]ــ

معه التكليف مقتضية للاعادة في الوقت ، واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعلياً في الوقت لا يجدي ولا يثبت كون ما أتى به مسقطاً إلاّ على القول بالأصل المثبت ، وقد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها عنه بذلك المأتي به . وهذا بخلاف ما إذا علم أ نّه مأمور به واقعاً وشكّ في أ نّه يجزي عما هو المأمور به الواقعي الأوّلي ، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناءً على أن تكون الحجية على نحو السببية ، فقضية الأصل فيها كما أشرنا إليه عدم وجوب الاعادة للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقيناً ، وأصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف . وأمّا القضاء فلا يجب بناءً على أ نّه فرض جديد وكان الفوت المعلّق عليه وجوبه لا يثبت بأصالة عدم الاتيان إلاّ على القول بالأصل المثبت ، وإلاّ فهو واجب كما لايخفى على المتأمِّل ، فتأمّل جيدا (1).
وملخّص ما أفاده (قدس سره) ما يلي : أمّا وجوب الاعادة فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت ، فلأجل أنّ الذمة قد اشتغلت بتكليف فعلي يقيناً ويشك في أنّ الاتيان بمؤدى الأمارة يفيد الإجزاء عما اشتغلت به الذمة أو لا يفيد ، ومنشأ الشك هو الشك في كيفية حجية الأمارة وأ نّها هل تكون على نحو السببية أو على نحو الطريقية ، ومع هذا الشك تجرى أصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف الواقعي وهي مقتضية للاعادة ، بل يكفي في وجوبها نفس الشك في الفراغ . وأمّا القضاء فبما أ نّه بفرض جديد وقد اُخذ في موضوعه عنوان الفوت وهو في المقام غير محرز فلا يجب .
ولنأخذ بالنظر على ما أفاده (قدس سره) أمّا ما أفاده بالنسبة إلى عدم وجوب القضاء فمتين جداً ولا مناص عنه . وأمّا ما أفاده بالاضافة إلى وجوب

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 87 .

ــ[95]ــ

الاعادة في الوقت فهو قابل للنقد والمؤاخذة ، والسبب في ذلك ما قدمناه في ضمن البحوث السابقة من أنّ مقتضى القاعدة على القول بالسببية بالمعنى الأوّل والثاني هو الإجزاء ، بل لا مناص عنه ، حيث إنّه لا واقع على ضوء هذين القولين ما عدا مؤدى الأمارة ، وكذا الحال على القول بالسببية بالمعنى الثالث . وعلى القول بالطريقية هو عدم الإجزاء .
وعلى هذا الضوء فإذا شككنا في أنّ حجية الأمارة على نحو السببية والموضوعية أو على نحو الطريقية والكاشفية ، فبطبيعة الحال إذا عملنا بها وأتينا بما أدّت إليه ثمّ انكشف لنا بطلانها وعدم مطابقتها للواقع ، وإن كنّا نشك في الإجزاء وعدمه ، إلاّ أنّ المورد ليس من موارد التمسك بقاعدة الاشتغال ، بل هو من موارد التمسك بقاعدة البراءة .
والوجه فيه : هو أنّ حجية الأمارة إن كانت من باب السببية والموضوعية لم تكن ذمة المكلف مشغولة بالواقع أصلاً ، وإنّما تكون مشغولة بمؤاداها فحسب ، حيث إنّه الواقع فعلاً وحقيقـة فلا واقع غيره . وإن كانت من باب الطريقية والكاشفية اشتغلت ذمته به ، وبما أ نّه لا يدري أنّ حجيتها كانت على الشكل الأوّل أو كانت على الشكل الثاني ، فبطبيعة الحال لا يعلم باشتغال ذمته بالواقع ليكون المقام من موارد قاعدة الاشتغال ، فإذن لا مناص من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الاعادة، حيث إنّه شكّ في التكليف من دون العلم بالاشتغال به .
وبكلمة اُخرى : أنّ الشك فيما نحن فيه وإن أوجب حدوث العلم الاجمالي بوجود تكليف مردد بين تعلقه بالفعل الذي جيء به على طبق الأمارة السابقة وبين تعلقه بالواقـع الذي لم يؤت به على طبق الأمارة الثانية ، إلاّ أ نّه لا أثر لهذا العلم الاجمالي، ولا يوجب الاحتياط والاتيان بالواقع على طبق الأمارة

ــ[96]ــ

الثانية ، وذلك لأنّ هذا العلم حيث قد حدث بعد الاتيـان بالعمل على طبق الأمارة الاُولى كما هو المفروض فلا أثر له بالاضـافة إلى هذا الطرف ، وعليه فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن الطرف الآخر ، ومن هنا ذكرنا في محلّه (1) أنّ أحد طرفي العلم الاجمالي أو أطرافه إذا كان فاقداً للأثر فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر ، كما إذا افترضنا أنّ المكلف علم بوجوب الصـوم عليه في يوم الخميس مثلاً من ناحية النذر أو نحـوه فأتى به في ذلك اليوم ، ثمّ في يوم الجمعـة تردّد بين كون الصوم المزبور واجـباً عليه في يوم الخميس أو في هذا اليوم ، وحيث لا أثر لأحد طرفي هذا العلم الاجمالي ، وهو كونه واجباً عليه في يوم الخميس ، لفرض أ نّه أتى به ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوبه في هذا اليوم .
وما نحن فيه من هذا القبيل بعينه ، فانّ المكلف إذا أتى بصلاة القصر مثلاً على طبق الأمارة الاُولى ، ثمّ انكشف الخلاف في الوقت وعلم بأنّ الواجب في الواقع هو الصلاة تماماً ، فعندئذ وإن حدث للمكلف العلم الاجمالي بوجوب صلاة مرددة بين القصر والتمام ، فانّ الأمارة إن كانت حجيتها من باب السببية فالواجب هو الصلاة قصراً ، وإن كانت من باب الطريقية فالواجب هو الصلاة تماماً ، ولكن حيث لا أثر لهذا العلم الاجمالي بالاضافة إلى أحد طرفيه ـ وهو وجوب الصلاة قصراً ـ فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الصلاة تماماً .
نعم ، لو حدث هذا العلم الاجمالي قبل الاتيان بالقصر لكان المقام من موارد قاعدة الاشتغال ووجوب الاحتياط بالجمع بين الصلاتين ، إلاّ أنّ هذا الفرض

ـــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2 : 423 .

ــ[97]ــ

خارج عن مورد الكلام ، كما أنّ فرض وجود علم إجمالي آخر بين وجوب الصلاة تماماً مثلاً وبين وجوب شيء آخر خارج عنه .
إلى هنا قد استطعنا أن نصل إلى هذه النتيجة : وهي أنّ مقتضى القاعدة عند الشك في اعتبار أمارة أ نّه على نحو السببية أو على نحو الطريقية هو الإجزاء ، إعادة وقضاء ، فالتفصيل بينهما كما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) خاطئ ولا واقع له أصلاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net