معنى الوجوب المبحوث عنه في المقام - في أنّ هذه المسألة اُصولية 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 5182


ــ[111]ــ


مقدّمة الواجب

يقع الكلام فيها عن عدّة جهات :
الاُولى : في بيان المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام ، فنقول : لا يشك أحد ولن يشك في أنّ المراد منه ليس هو الوجوب العقلي ، يعني لابدية الاتيان بالمقدمة ، بداهة أنّ العقل إذا أدرك توقف الواجب على مقدمته ورأى أنّ تركها يؤدي إلى ترك الواجب الذي فيه احتمال العقاب استقلّ بلزوم إتيانها ، امتثالاً لأمره تعالى وقياماً بوظيفة العبودية والرقية ، وتحصيلاً للأمن من العقوبة ، فثبوت الوجوب بهذا المعنى ضروري، فلا مجال للنزاع فيه أبداً، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : أنّ المبحوث عنه هنا ليس هو الوجوب المجازي بمعنى أنّ الوجـوب النفسي المتعلق بذي المقدمة حقيقة وواقعاً هل يصح إسناده إلى مقدماته مجازاً أم لا ، ضرورة أ نّه لا شبهة في صحة هذا الاسناد المجازي أوّلاً ، وعدم شأن الاُصولي البحث عن ذلك ثانياً ، وكون البحث عندئذ بحثاً لغوياً ثالثاً .
ومن ناحية ثالثة : أنّ المراد منه ليس هو الوجوب الفعلي التفصيلي ، بداهة أ نّه يقتضي التفات الآمر دائماً إلى تمام مقدمات الواجب حتّى يقال إنّه متى أوجب شيئاً أوجب مقدماته فعلاً ، مع أنّ الآمر كثيراً ما لا يلتفت إلى نفس المقدمة فضلاً عن إيجابها .
فالصحيح أن يقال : إنّ المراد منه في المقام هو وجوب غيري تبعي ، بمعنى أنّ الآمر لو كان ملتفتاً إلى نفس المقدمة لأوجبها كما أوجب ذي المقدمة ، ولا

ــ[112]ــ

بأس بأن يسمى هذا الوجوب بالوجوب الارتكازي ، لارتكازه في ذهن كل آمر وحاكم . وإن شئت قلت : إنّ النزاع في الحقيقة في ثبوت هذه الملازمة ، يعني الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدماته ، وعدم ثبوتها .
الثانية: أنّ هذه المسألة هل هي من المسائل الاُصولية أو الفقهية أو الكلامية أو المبادئ الأحكامية؟ ففيها وجوه بل أقوال :
قيل : إنّها من المسائل الفقهية ، ويظهر ذلك من عبارة جملة من المتقدمين منهم صاحب المعالم (قدس سره) (1) حيث قد استدلّ على نفي وجوب المقدمة بانتفاء الدلالات الثلاث .
ولكن هذا القول خاطئ جداً ، فلا واقع موضـوعي له أصلاً ، وذلك لما حققناه في أوّل بحث الاُصول من أنّ البحث في هذه المسألة ليس عن وجوب المقدمة ابتداءً لتكون المسألة فقهية ، بل البحث فيها إنّما هو عن ثبوت الملازمة بين الأمر بشيء والأمر بمقدمته وعدم ثبوتها ، ومن الطبيعي أنّ البحث عن هذه الناحية ليس بحثاً فقهياً ولا صلة له بأحوال فعل المكلف وعوارضه بلا واسطة هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : أنّ البحث عن ثبوت الملازمة وعدمه في هذه المسألة يعمّ الوجوب والاستحباب فلا اختصاص له بالوجوب . وأمّا تخصيص العلماء محل النزاع بالوجوب فلعلّه لأجل أهميته وإلاّ فعلى القول بالملازمة لا فرق بينه وبين الاستحباب أصلاً .
وأمّا ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من أنّ الأحكام الفقهية مجعولة للعناوين الخاصة كالصلاة والصوم والحج والزكاة وما شاكل ذلك ، والمقدمة

ـــــــــــــــــــــ
(1) معالم الدين : 62 .

ــ[113]ــ

حيث إنّها تصدق في الخارج على العناوين المتعددة والحقائق المختلفة وليست عنواناً لفعل واحد ، فبطبيعة الحال لم يكن المجعول عليها من الأحكام الفقهية لتكون المسألة فقهية (1) .
فخاطئ جداً ، والسبب في ذلك : هو أنّ الضابط في المسائل الفقهية هو أ نّها مجعولة للموضوعات والعناوين الخاصة من دون فرق بين كونها منطبقة في الخارج على حقيقة واحدة كالأمثلة المتقدمة ، أو على حقائق متعددة كعنوان النذر والعهد واليمين وإطاعة الوالد والزوج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما شابه ذلك ، حيث لا شبهة في أنّ الأحكام المجعولة لهذه العناوين من الأحكام الفقهية .
قيل : إنّها من المسائل الكلامية ، بدعوى أنّ البحث عنها بحث عقلي فلا صلة لها بعالم اللفظ أصلاً .
وفيه : أنّ مجرد كون البحث عنها عقلياً لايوجب دخولها في المسائل الكلامية، ضرورة أنّ المسائل الكلامية وإن كانت عقلية إلاّ أنّ كل مسألة عقلية ليست منها ، بل هي صنف خاص منها وهي المسائل التي يبحث فيها عن أحوال المبدأ والمعاد فحسب، ورجوع البحث عنها إلى البحث عن أحوالهما وإن كان بمكان من الامكان ، إلاّ أ نّه ليس من جهة اختصاص البحث عنها بذلك ، بل من ناحية قابلية المسألة في نفسها لذلك ، وحيث إنّ انعقادها اُصولية ممكن هنا فلا موجب لتوهم كونها منها أصلاً .
قيل : إنّها من المبادئ الأحكامية .
ويدفعه : أنّ المبادئ لا تخلو من التصورية والتصديقية ولا ثالث لهما ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 310 .

ــ[114]ــ

والمبادئ التصورية هي لحاظ ذات الموضوع والمحمول وذاتياتهما في كل علم ، ومن البديهي أنّ البحث عن مسألة مقدمة الواجب لا يرجع إلى ذلك . والمبادئ التصـديقية هي المقدمات التي يتوقف عليها تشـكيل القياس ، ومنها المسائل الاُصولية فانّها مبادئ تصديقية بالاضافة إلى المسائل الفقهية ، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها تلك المسائل والأحكام ، ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية .
نعم ، قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره ، إلاّ أ نّه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية وليس شيئاً آخر في مقابلها وهو ظاهر ، كما أنّ تصوره بذاته وذاتياته داخل في المبادئ التصورية . على أنّ البحث في هذه المسألة ليس عن حالات الحكم وآثاره ، بل هو عن إدراك العقل الملازمة بين حكمين شرعيين : النفسي والغيري ، وعدمه .
وعلى هذا الضوء ، فإن أراد القائل بالمبادئ الأحكامية أ نّها من المبادئ التصـديقية لعلم الفقه ، فيرد عليه : أنّ جميع المسائل الاُصولية بشتى أنواعها كذلك ، فلا اختصاص لها بتلك المسألة . وإن أراد أ نّها من المبادئ التصديقية لعلم الاُصول ، فهو خاطئ جداً ، لما سنشير إليه من أنّ هذه المسألة من المسائل الاُصولية التي تقع في طريق الاستنباط بلا توسط مسألة اُصولية اُخرى .
والصحيح : أ نّها من المسائل الاُصولية العقلية ، فلنا دعويان : الاُولى : أ نّها من المسائل الاُصولية . الثانية : أ نّها من المسائل العقلية .
أمّا الدعوى الاُولى : فلما حققناه في أوّل بحث الاُصول (1) من أنّ المسائل الاُصولية ترتكز على ركيزتين : 1 ـ أن تكون استفادة الأحكام الشرعية من

ـــــــــــــــــــــ
(1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 4 ـ 10 .

ــ[115]ــ

الأدلة من باب الاستنباط لا من باب التطبيق . 2 ـ أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى ، وقد تقدّم الكلام حول هاتين الركيزتين بشكل موسع في أوّل بحث الاُصول ، وبما أنّ هاتين الركيزتين قد توفرتا في مسألتنا هذه ، فهي من المسائل الاُصولية لا محالة .
وأمّا الدعوى الثانية : فلأنّ الحاكم بالملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته إنّما هو العقل ، ولا صلة لها بدلالة اللفظ أبداً .
ومن ذلك يظهر أنّ ما ظهر من صاحب المعالم (قدس سره) من كون هذه المسألة من المسائل اللفظية حيث قد استدلّ على عدم وجوب المقدمة بانتفاء الدلالات الثلاث في غير محلّه ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : أنّ الاُصوليين قد قسّموا الحكم العقلي إلى قسمين : أحدهما : حكم عقلي مستقل وهو التحسين والتقبيح العقليان . وثانيهما : حكم عقلي غير مستقل وهو مباحث الاستلزامات العقلية ، وإنّما سمي الأوّل بالمستقل والثاني بغير المستقل من ناحية أنّ استنتاج الحكم الشرعي من الأوّل لا يتوقف على مقدمة خارجية ، ومن الثاني يتوقف عليها كما فصّلنا الحديث من هذه الناحية في مبحث اجتماع الأمر والنهي ، ومسألتنا هذه من القسم الثاني .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net