حصر النائيني الاشكال في شروط الحكم 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3003


ثمّ إنّ شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) قد خصص الاشكال المذكور بشرائط الحكم ، وذهب إلى عدم جريانه بالاضافة إلى شرائط المأمور به ، وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله : هو أنّ مرد شرطية شيء للمأمور به هو أنّ الشارع جعل متعلق أمره حصة خاصة منه وهي الحصة المتقيدة به لا مطلقاً ، مثلاً معنى كون الطهارة شرطاً للصلاة هو أنّ الأمر تعلق بحصة خاصة منها وهي

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 322 الأمر الثالث .

ــ[128]ــ

الحصة المتقيدة بها لا مطلقاً ، فيكون القيد كالجزء ، فكما أنّ الجزء متعلق للأمر النفسي ، فكذلك القيد ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية ، هذا من جانب .
ومن جانب آخر : كما أ نّه لا مانع من تأخر بعض أجزاء الواجب عن بعضها الآخر ولا محذور فيه أبداً ، وأنّ الأمر تعلق بالمجمـوع من المتقدم والمتأخر ولا يمكن امتثاله إلاّ بالاتيان بالجميع كما هو الحال في أجزاء الصلاة ، كذلك لا مانع من تأخر بعض القيود عن الواجب ، فان مرجعه إلى أنّ الواجب هو الحصة المتقيدة به ، فحاله حال الجزء الأخير من هذه الناحية ، فكما أنّ الواجب لا يحصل في الخارج إلاّ بحصول الجزء الأخير ، فكذلك لا يحصل إلاّ بحصول قيده المتأخر . ومن هنا لو قلنا باشتراط صوم النهار بالغسل المتأخر وهو الغسل في الليل فلا يمكن امتثاله بدونه ، فانّ الواجب هو حصة خاصة من الصوم وهي الحصة المتقيدة به ، ومن الطبيعي أ نّه لا يمكن حصول المقيد في الخارج بدون حصول قيده .
وإن شئت قلت : إنّ مقامنا هذا ليس مقام التأثير والتأثر ، لما عرفت من أنّ مردّ كون شيء شرطاً للمأمور به إلى كونه قيداً له ، ومن الواضح أنّ قيد المأمور به قد يكون مقارناً له ، وقد يكون متقدماً عليه ، وقد يكون متأخراً عنه ، فكما لا يمكن حصول المأمور به بدون قيده المقارن أو المتقدم فكذلك لا يمكن حصوله بدون قيده المتأخر ، فحال القيد المتأخر كالغسل المزبور مثلاً حال الجزء الأخير من الواجب كالتسليم بالاضافة إلى الصلاة فانّهما مشتركان في نقطة واحدة ، وهي توقف امتثال الواجب عليهما .
ويرد عليه أوّلاً : أنّ هذا مناقض لما أفاده (قدس سره) سابقاً (1) من الفرق

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 313 وما بعدها .

ــ[129]ــ

بين المقدمات الداخلية بالمعنى الأخص وهي الأجزاء والمقدمات الداخلية بالمعنى الأعم وهي الشرائط حيث قال بخروج الاُولى عن محل النزاع لعدم ملاك الوجوب الغيري فيها ، دون الثانية . ووجه المناقضة هو أنّ الشرائط لو كانت متصفة بالوجوب النفسي فهي كالأجزاء فلا مقتضي عندئذ لاتصافها بالوجوب الغيري .
وثانياً : ما أشرنا إليه في ضمن البحوث السابقة من أنّ الشرائط بأجمعها خارجة عن المأمور به والداخل فيه إنّما هو تقيده بها ، فإذن كيف يعقل أن تكون متعلقة للأمر النفسي كالأجزاء ، مع أنّ بعضها غير اختياري كالقبلة أو ما شاكلها . وعلى الجملة : فالملاك في صحة التكليف هو كون المقيد بما هو مقيد تحت قدرة المكلف واختياره ، وإن كان القيد خارجاً عنه . فالنتيجة : أنّ إشكال تأخر الشرط في شرائط المأمور به لا يندفع بما ذكره (قدس سره) .
والذي ينبغي أن يقال في المقام : هو أ نّه لا شأن للشرط هنا إلاّ كونه قيداً للطبيعة المأمور بها الموجب لتعنونها بعنوان خاص وتخصصها بحصة مخصوصة التي يقوم بها ملاك الأمر ، فالمأمور به هو تلك الحصة من الكلي من دون دخل لذلك القيد في الملاك القائم بها أصلاً ، ومن الطبيعي أ نّه لا فرق فيه بين كون ذلك القيد من الاُمور المتقدمة أو المقارنة وبين كونه من الاُمور المتأخرة ، بداهة كما أنّ تقييد الطبيعة المأمور بها بالاُمور المتقدمة كتقييد الصلاة مثلاً بالطهارة ـ بناءً على ما هو الصحيح من أ نّها عبارة عن الأفعال الخارجية ـ أو بالاُمور المقارنة كتقييدها باستقبال القبلة وبالستر والقيام وما شابه ذلك ، يوجب تخصصها بحصة خاصة بحيث لا يمكن الاتيان بتلك الحصة إلاّ مع هذه القيود ، ومع انتقائها تنتفي ، كذا تقييدها بالاُمور المتأخرة يوجب تخصصها كذلك بحيث لو لم يحصل ذلك الأمر المتأخر في موطنه كشف عن عدم تحقق تلك الحصة .

ــ[130]ــ

وذلك كالصوم الواجب على المستحاضة بناءً على كونه مشروطاً بشرط متأخر وهو الغسل في الليل اللاّحق ، فان معنى كونه مشروطاً به هو أنّ الواجب عليها حصة خاصة من الصوم وهي الحصة المقيدة به بحيث يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً ، ومن الواضح أ نّه لا يمكن حصول تلك الحصة في الخارج بدون الاتيان به ، فلو صامت المستحاضة في النهار فان أتت بالغسل في الليل كشف ذلك عن حصول تلك الحصة من الصوم الواجبة عليها، وإن لم تأت به كشف عن عدم حصولها وأنّ ما أتت به هو حصة اُخرى مباينة للحصة المأمور بها .
وعلى الجملة : فباب الأحكام الشرعية باب الاعتبارات وهو أجنبي عن باب التأثير والتأثر ، ولا صلة لأحد البابين بالآخر أبداً ، فلا مانع من تقييد الشارع متعلقها بأمر متأخر ، كما أ نّه لا مانع من تقييدها بأمر مقارن أو متقدم ، لما عرفت من أنّ مردّ تقييده بأمر متأخر هو أ نّه بوجوده المتأخر يكشف عن وجود الواجب في ظرفه ، كما أنّ عدم وجوده كذلك يكشف عن عدم تحققه فيه باعتبار أنّ تقيده به كان جزءه.
فالنتيجة : أ نّه لا فرق بين القيد المقارن والمتقدم والمتأخر من هذه الناحية أصلاً ، ولا وجه لتوهم استحالة القيد المتأخر إلاّ من ناحية إطلاق لفظ الشرط عليه ، زاعماً أنّ المراد منه ما كان له دخل في تأثير المقتضي فيكون من أجزاء العلة التامة ، فلا يعقل تأخره عن وجود المعلول ، ولكن قد تبين مما تقدّم أنّ المراد من الشرط هنا معنى آخر وهو ما يكون تقيده دخيلاً في الواجب دون نفس القيد ، وعليه فبطبيعة الحال لا يضر تقدمه عليه وتأخره عنه خارجاً .
ومن ذلك يظهر أنّ المغالطة في المقام إنّما نشأت من الاشتراك اللفظي ، حيث قد اُخذ الشرط في الصغرى ـ وهي قوله هذا شرط ـ بمعنى ، وفي الكبرى

ــ[131]ــ

ـ وهي قوله كل شرط مقدّم على المشروط ـ بمعنى آخر ، فلم يتكرر الحد الوسط وبدونه فلا نتيجة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net