مقالة المحقق النائيني في المقام 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3401


وأمّا شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) فقد اختار مقالة شيخنا الأنصاري (قدس سره) من تقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي ، وخالف بذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) واستدلّ على ذلك باُمور ثلاثة :
الأوّل : أنّ الاطلاق الشمولي عبارة عن انحلال الحكم المعلّق على الطبيعة المأخوذة على نحو مطلق الوجود ، فيتعدد الحكم بتعدد أفرادها في الخارج أو أحوالها ، ويثبت لكل فرد منها حكم مستقل ، وذلك مثل لا تكرم فاسقاً ، فانّ الفاسق لوحظ على نحو مطلق الوجود موضوعاً لحرمة الاكرام ، فطبعاً تتعدد الحرمة بتعدد وجوده خارجاً ، فيثبت لكل فرد منه حرمة مستقلة . والاطلاق البدلي عبارة عن حكم واحد مجعول للطبيعة على نحو صرف الوجود القابل للانطباق على كل فرد من أفرادها على البدل .
وبكلمة اُخرى : أنّ الحكم في الاطلاق الشمولي بما أ نّه مجعول على الطبيعة الملحوظة على نحو مطلق الوجود ، فبطبيعة الحال ينحل بانحلالها ويتعدد بتعدد أفرادها ، وفي الاطلاق البدلي بما أ نّه مجعول على الطبيعة الملحوظة على نحو صرف الوجود ، فلا محالة لا ينحل بانحلالها ولا يتعدد بتعدد وجودها ، بل هو حكم واحد ثابت لفرد ما منها ، ونتيجة ذلك هي تخيير المكلف في تطبيق ذلك على أيّ فرد منها شاء وأراد .
وعلى هذا الأساس فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن الاطلاق البدلي والتحفّظ

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 235 .

ــ[159]ــ

على الاطلاق الشمولي وبين العكس ، تعيّن الأوّل ، والسبب فيه : هو أنّ رفع اليد عن الاطلاق البدلي لا يوجب إلاّ تضييق سعة انطباقه على أفراده وتقييدها على بعضها دون بعضها الآخر من دون تصرف في الحكم الشرعي أصلاً ، وهذا بخلاف التصرف في الاطلاق الشمولي ، فإنّه يوجب رفع اليد عن الحكم في بعض أفراده ، ومن المعلوم أ نّه إذا دار الأمر بين التصرف في الحكم ورفع اليد عنه ، وبين رفع اليد عن التوسعة مع المحافظة على الحكم تعيّن الثاني . وعلى هذا الضوء لو دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق مثل أكرم عالماً ، وإطلاق مثل لا تكرم فاسقاً ، تعيّن رفع اليد عن إطلاق الأوّل دون الثاني .
ولنأخذ بالنقد عليه ، أمّا أوّلاً : فلأنّ ما ذكره (قدس سره) من الوجه لتقديم الاطلاق الشمولي على البدلي لا يصلح لذلك ، فانّه صرف استحسان عقلي فلا أثر له في أمثال المقام ، ولا يكون وجهاً عرفياً للجمع بينهما ، فانّ الملاك في الجمع العرفي إنّما هو بأقوائية الدلالة والظهور وهي منتفية في المقام ، والسبب فيه : أنّ ظهور كل منهما في الاطلاق بما أ نّه مستند إلى مقدمات الحكمة فلا يكون أقوى من الآخر ، وبدون ذلك فلا موجب للتقديم أصلاً .
وإن شئت قلت : إنّه لا شبهة في حجية الاطلاق البدلي في نفسه ، ولا يجوز رفع اليد عنه بلا قيام دليل أقوى على خلافه ، وحيث إنّ ظهور المطلق في الاطلاق الشمولي ليس بأقوى من ظهوره في البدلي ، فلا مقتضي لتقديمه عليه أبداً .
وأمّا ثانياً : فلأنّ الاطلاق البدلي وإن كان مدلوله المطابقي ثبوت حكم واحد لفرد ما من الطبيعة على سبيل البدل ، إلاّ أنّ مدلوله الالتزامي ثبوت أحكام ترخيصية متعددة بتعدد أفرادها ، فاطلاقه من هذه الناحية شمولي ، فلا

ــ[160]ــ

فرق بينه وبين الاطلاق الشمولي من هذه الجهة ، غاية الأمر أنّ شموله بالدلالة المطابقية ، وشمول ذاك بالدلالة الالتزامية .
وبكلمة اُخرى : قد ذكرنا غير مرّة أنّ الاطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخلها في الحكم ، وعليه فإذا لم يقيد الشارع حكمه بفرد خاص من الطبيعة بل جعل على نحو صرف الوجود ، فلا محالة يستلزم عقلاً ثبوت الترخيص شرعاً في تطبيقها على أيّ فرد من أفرادها شاء المكلف . ومن هنا ذكرنا أنّ ثبوت حكم وجوبي بالاطلاق وعلى نحو صرف الوجود يستلزم عقلاً ثبوت الترخيص في التطبيق شرعاً بالاضافة إلى تمام الأفراد . وعلى ضوء هذا البيان فرفع اليد عن الاطلاق البدلي أيضاً يستلزم رفع اليد عن الحكم والتصرف فيه ، لفرض أنّ إطلاقه إنّما هو بدلي بالاضافة إلى الحكم الوجوبي وأمّا بالاضافة إلى الحكم الترخيصي فهو شمولي كالاطلاق الشمولي فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً . فإذن لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر ، ومجرد اختلافهما في نوع الدلالة لا يوجب الترجيح كما هو ظاهر .
الثاني : أنّ ثبوت الاطلاق في كل من الشمولي والبدلي وإن توقف على مقدمات الحكمة ، إلاّ أنّ الاطلاق البدلي يزيد على الاطلاق الشمولي بمقدمة واحدة ، وتلك المقدمة هي إحراز تساوي أفراد الطبيعة في الوفاء بغرض المولى من دون تفاوت بينها في ذلك أصلاً ، والسبب فيه : أنّ مقدمات الحكمة تختلف زيادة ونقيصـة باختلاف الموارد ، ففي موارد إثبات الاطلاق الشمولي تكفي مقدمات ثلاث : الاُولى : ثبوت الحكم للطبيعة الجامعة دون حصة خاصة منها . الثانية : كون المتكلم في مقام البيان . الثالثة : عدم نصب قرينة على الخلاف ، فإذا تمت هذه المقدمات تمّ الاطلاق ، ومقتضاه ثبوت الحكم لتمام أفرادها على اختلافها ومراتب تفاوتها .

 
 

ــ[161]ــ

وذلك كالنهي عن شرب الخمر مثلاً ، فإنّه بمقتضى إطلاقه يدل على حرمة شرب كل فرد من أفراده الطولية والعرضية على اختلافها وتفاوتها من ناحية الملاك شدّة وضعفاً . وكالنهي عن قتل النفس المحترمة ، فان قضية إطلاقه ثبوت الحرمة لقتل كل نفس محترمة مع تفاوتها من حيث الملاك ، لوضوح أنّ ملاك حرمة قتل نفس النبي أو الوصي أشدّ بمراتب من ملاك حرمة قتل نفس غيرهما، وهكذا .
وكالنهي عن الكذب ، فانّه يدل على حرمة تمام أفراده مع تفاوتها بتفاوت الملاك شدّة وضعفاً، فانّ الكذب على الله أو رسوله أشد من الكذب على غيرهما. وكالنهي عن الزنا ، فانّ الزنا بالمحارم أشد من الزنا بغيرها ، وهكذا ، فالنتيجة : أن مفاد الاطلاق الشمولي ثبوت الحكم لتمام الأفراد بشتى أشكالها وألوانها على نسبة واحدة ، ولا أثر لتفاوت الأفراد في الملاك شدّة وضعفاً من هذه الناحية أصلاً .
وهذا بخلاف الاطلاق البدلي ، فان ثبوته يتوقف على مقدمة اُخرى زائدة على المقدمات المذكورة، وهي إحراز تساوي أفراده من الخارج في الوفاء بالغرض ، ومن الطبيعي أ نّه لا يمكن إحراز ذلك مع وجود العام الشمولي على خلافه ، حيث إنّه يكون صالحاً لبيان التعيين في بعض الأفراد وأشدية الملاك فيه ، ومعه لا ينعقد الاطلاق البدلي .
والجواب عنه : أنّ إحراز التساوي في الوفاء بالغرض ليس مقدمة رابعة في قبال المقدمات الثلاث المتقدمة لكي يتوقف الاطلاق عليها ، ضرورة أ نّه يتحقق بنفس تلك المقدمات من دون حاجة إلى شيء آخر ، ومن المعلوم أ نّه إذا تحقق فهو بنفسه كاف لاثبات التساوي في ذلك بلا حاجة إلى دليل آخر . وبكلمة اُخرى : إذا كان الحكم ثابتاً على الطبيعة على نحو صرف الوجود من دون

ــ[162]ــ

ملاحظة وجود خاص ، وكان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف ، فبطبيعة الحال كان إطلاق كلامه قرينة على تساوي أفرادها في الوفاء بالملاك والغرض ، إذ لو كان بعض أفرادها أشدّ ملاكاً من غيره ومشتملاً على خصوصية زائدة لكان على المولى البيان ، فمن عدم بيانه نستكشف عدم الفرق وعدم التفاوت بينها في ذلك . وممّا يدلّنا على هذا: أنّ المكلف لو شكّ في صلاحية فرد في الوفاء بغرض المولى تمسك بالاطلاق لاثبات ذلك ، فإذن الاطلاقان متكافئان ومتعارضان فلا وجه لتقديم الشمولي على البدلي .
الثالث : أنّ حجية الاطلاق البدلي بالاضافة إلى جميع الأفراد تتوقف على أن لا يكون هناك مانع عن انطباقه على بعضها دون بعضها الآخر ، بداهة أ نّه لو كان هناك مانع عن ذلك فلا بدّ من رفع اليد عنه وتقييده بغيره ، ومن المعلوم أنّ الاطلاق الشمولي في مورد التصادق والاجتماع صالح لأن يكون مانعاً منه ، فلو توقف عدم صلاحيته للمانعية على وجود الاطلاق البدلي وانطباقه على ذلك لزم الدور ، فالنتيجة : أنّ المطلق الشمولي صالح لأن يكون مانعاً عن المطلق البدلي في مورد المعارضة والاجتماع ، دون العكس .
والجواب عنه : قد ظهر مما تقدّم وحاصله : هو أنّ ثبوت الاطلاق في كليهما يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة كما عرفت ، ولا مزية لأحدهما على الآخر من هذه الناحية أصلاً ، هذا من جانب . ومن جانب آخر : أنّ حجية إطلاق المطلق فعلاً والتمسك به كذلك في مورد تتوقف على عدم وجود معارض له ، ولا فرق من هذه الناحية بين الاطلاق البدلي والشمولي ، بداهة كما أنّ حجية الأوّل في مورد تتوقف على عدم وجود مانع ومعارض له ، كذلك حجية الثاني . فما أفاده (قدس سره) من أنّ حجية الاطلاق البدلي تتوقف على عدم وجود مانع ، إن أراد به توقفها على مقدمة زائدة على مقدمات الحكمة فقد عرفت

ــ[163]ــ

خطأها .
وإن أراد به توقفها على عدم وجود معارض ، فحجية الاطلاق الشمولي أيضاً كذلك ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً . فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي أنّ في مورد اجتماع الاطلاقين وتصادقهما كما أنّ الشمولي صالح لأن يكون مانعاً عن البدلي ومقيداً له بغير ذلك المورد ، كذلك البدلي صالح لأن يكون مانعاً عن الشمولي ومخصصاً له فلا ترجيح لأحدهما على الآخر أصلاً . ومن هنا يظهر أنّ هذا الوجه في الحقيقة ليس وجهاً آخر في قبال الوجه الثاني ، بل هو تقريب له بعبارة اُخرى .
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ الكبرى المتقدمة أي تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي غير تامة ولا دليل عليها .
ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا الكبرى المذكورة ، وهي تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي ، إلاّ أنّ المقام ليس من صغرياتها ، والسبب في ذلك هو أنّ تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي في مورد الاجتماع والتصادق إنّما هو فيما إذا كان التنافي والتكاذب بينهما بالذات بحيث لا يمكن كشفهما معاً عن مراد المولى في مرحلة الاثبات ، فعندئذ يمكن أن يقال بتقديمه عليه بأحد الوجوه المتقدمة .
وإن شئت قلت : إنّ التنافي بين الاطلاقين إذا كان بالذات في مقام الاثبات فبطبيعة الحال يكشف عن التنافي بينهما في مقام الثبوت بقانون التبعية ، وعليه فلا بدّ من تقديم ما هو الأقوى والأرجح على الآخر ، وهذا بخلاف محل الكلام هنا فانّه لا تعارض ولا تكاذب بين الاطلاقين بالذات أصلاً ، بداهة أ نّه لا مانع من أن يكون كل من الهيئة والمادة مطلقاً من دون أيّة منافاة بينهما ، والمنافاة إنّما جاءت من الخارج وهو العلم الاجمالي برجوع القيد إلى إحداهما ، ومن الطبيعي أنّ هذا العلم الاجمالي لا يوجب تقديم ما هو أقوى دلالة وظهوراً على غيره ،

ــ[164]ــ

كيف حيث إنّ نسبته إلى كل واحدة منهما على حد سواء ، فلا توجب أقوائية إطلاق إحداهما ليقدّم على الاُخرى كما هو واضح .
وبكلمة اُخرى : أنّ العلم الاجمالي تعلق برجوع القيد إلى إحداهما ، ومن البديهي أنّ كون إطلاق الهيئة شمولياً وإطلاق المادة بدلياً لا يوجب ذلك رجوع القيد إلى الثاني دون الأوّل، لأنّ إحدى الحيثيتين تباين الاُخرى ، فانّ الجمع العرفي بينهما بتقديم الشمولي على البدلي إنّما هو فيما إذا كانت المعارضة بينهما ذاتاً وحقيقة ، وأمّا إذا لم تكن كذلك كما هو المفروض في المقام ، فمجرد العلم الاجمالي برجوع القيد من الخارج إلى أحدهما لا يوجب تعين رجوعه إلى البدلي ، لعدم الموجب لذلك أصلاً لا عرفاً ولا عقلاً ، بل لو افترضنا حصول العلم الاجمالي بعروض التقييد من الخارج لأحد دليلي الحاكم أو المحكوم لم توجب أقوائية دليل الحاكم لارجاع القيد إلى دليل المحكوم ، وهذا لعلّه من الواضحات الأوّلية .
فالنتيجة في نهاية الشوط هي : أ نّه حيث لا تنافي بين إطلاق الهيئة وإطلاق المادة بالذات والحقيقة، بل هو من ناحية العلم الخارجي بعروض التقييد على أحدهما ، فلا وجه لتقديم إطلاق الهيئة على المادة وإن فرض أ نّه بالوضع فضلاً عمّا إذا كان بمقدمات الحكمة ، وعليه فإذا كان التقييد المزبور بدليل متصل فأوجب العلم الاجمالي الاجمال وعدم انعقاد أصل الظهور لفرض احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية ، وإذا كان بدليل منفصل فأوجب سقوط الاطلاقين عن الاعتبار .
وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه : أنّ ما أفاده (قدس سره) خاطئ صغرى وكبرى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net