الكلام في المقدّمات المفوّتة - بحثٌ حول قاعدة الامتناع بالاختيار 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4189


ــ[181]ــ

[ المقدّمات المفوّتة ]

ثمّ إنّ الذي دعا صاحب الفصول (قدس سره) إلى الالتزام بالواجب المعلّق هو عدّة فوائد تترتب عليه :
منها : دفع الاشكال عن إيجاب مقدمات الحج قبل الموسم ، حيث يلزم على المكلف تهيئة لوازم السفر ووسائل النقل وما شاكل ذلك قبل مجيء زمان الواجب وهو يوم عرفة، إذ لو لم نلتزم به لم يمكن الحكم بايجابها قبل موسمه، كيف حيث إنّ وجوب المقدمة معلول لايجاب ذيها ، فلا يعقل وجود المعلول قبل وجود علته . وعلى ضوء الالتزام بحالية الوجوب في أمثال هذا المورد يندفع الاشكال رأساً ، وذلك لأنّ فعلية وجوب المقدمة تتبع فعلية وجوب الواجب وإن لم يكن نفس الواجب فعلياً .
ومنها : دفع الاشكال عن وجوب الغسل على المكلف كالجنب أو الحائض ليلاً لصوم غد ، فانّه لولا الالتزام بحالية الوجوب في مثله كيف يمكن الالتزام بوجوب الغسل في الليل ، مع أنّ الصوم لا يجب إلاّ من حين طلوع الفجر .
ومنها : دفع الاشكال عن وجوب التعلم قبل دخول وقت الواجب كتعلم أحكام الصلاة ونحوها قبل وقتها ، فلولا وجوب تلك الصلوات قبل دخول أوقاتها لم يكن تعلم أحكامها واجباً .
ومنها : دفع الاشكال عن وجوب إبقاء الاستطاعة بعد أشهر الحج .
ويمكن أن نأخذ بالمناقشة فيه : وهي أنّ دفع الاشكال المزبور عن تلك الموارد وما شاكلها لا يتوقف على الالتزام بالواجب التعليقي ، إذ كما يمكن دفع

ــ[182]ــ

الاشكال به يمكن دفعه بالالتزام بوجوبها نفسياً، لكن لا لأجل مصلحة في نفسها، بل لأجل مصلحة كامنة في غيرها ، فيكون وجوبها للغير لا بالغير ، إذن تكون هذه المقدمات واجبة مع عدم وجوب ذيها فعلاً .
ومع الاغماض عن ذلك ، يمكن دفعه بالالتزام بحكم العقل بلزوم الاتيان بها بملاك إدراك العقل قبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه ، حيث إنّه لا يفرق في القبح بين تفويت الملاك الملزم في موطنه ومخالفة التكليف الفعلي ، فكما يحكم بقبح الثاني يحكم بقبح الأوّل ، وبما أ نّه يدرك أنّ الحج في ظرفه ذو ملاك ملزم ، وأ نّه لو لم يأت بمقدماته من الآن لفات منه ذلك الملاك ، يستقل بلزوم إتيانها قبل أوانه ولو بشهر أو أكثر أو أقل .
نعم ، ظواهر الأدلة في مسألتي الحج والصوم تساعد ما التزم به في الفصول من كون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، فان قوله تعالى: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(1) ظاهر في فعلية وجوب الحج عند فعلية الاستطاعة ، كما أنّ قوله عزّ وجلّ (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2) ظاهر في فعلية وجوب الصوم عند شهود الشهر ، والشهود كناية عن أحد أمرين : إمّا الحضور في مقابل السفر ، وإمّا رؤية الهلال، وعلى كلا التقديرين فالآية تدل على تحقق وجوب الصوم عند تحقق الشهود . نعم ، ظواهر الأدلة في الصلوات الخمس لا تساعده ، فان قوله (عليه السلام) «إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة» (3) ظاهر في تحقق الوجوب بعد الزوال .

ـــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران 3 : 97 .
(2) البقرة 2 : 185 .
(3) الوسائل 1 : 373 / أبواب الوضوء ب 4 ح 1. وفيه : «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة» .

ــ[183]ــ

وكيف كان ، فقد ذكرنا أنّ الشرط المتأخر وإن كان ممكناً في نفسه ولا مانع من الالتزام به ، إلاّ أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل ، ففي كل مورد دلّ الدليل عليه فهو ، وإلاّ فلا نقول به . نعم ، لو قلنا باستحالته فلا بدّ من رفع اليد عن ظواهر تلك الأدلة .
وبكلمة اُخرى : ينبغي لنا أن نتكلم حول هذه المسألة في مقامين :
الأوّل : على القول بامكان الواجب التعليقي ووقوعه في الخارج .
الثاني : على القول باستحالته أو عدم وقوعه وإن قلنا بامكانه .
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في لزوم الاتيان بالمقدمات التي لو لم يأت بها لفات الواجب عنه في ظرفه ، من دون فرق فيه بين القول بوجوب المقدمة شرعاً والقول بعدم وجوبها كذلك ، أمّا على الأوّل فواضح . وأمّا على الثاني فلاستقلال العقل بذلك بعد إدراكه توقف الاتيان بالواجب عليها ، حيث إنّ وجوبه فعلي على الفرض ، ومن المعلوم أنّ العقل يستقل في مثله بلزوم امتثاله ، فلو توقف على مقدمات حكم بلزوم الاتيان بها أيضاً لأجل ذلك .
وعلى الجملة : فعلى ضوء هذا القول لا فرق بين المقدمات التي لا بدّ من الاتيان بها قبل وقت الواجب كمقدمات الحج ، والغسل في الليل ، وما شاكل ذلك ، وبين غيرها من المقدمات العامة فيما إذا علم المكلف بأ نّه لو لم يأت بها قبله عجز عنها في وقته ، فإنّه كما يحكم بلزوم الاتيان بالاُولى يحكم بلزوم الاتيان بالثانية ، ولا فرق بينهما من هذه الناحية .
وإليه أشار ما في الكـفاية (1) من أنّ الوجوب لو صار فعلياً لوجب حفظ القدرة على المقدمات في مورد يعلم المكلف أ نّه يعجز عن الاتيان بها في زمن

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 104 ، 105 .

ــ[184]ــ

الواجب . فالنتيجة : هي لزوم الاتيان بتمام مقدمات الواجب المعلّق قبل زمانه ، أو التحفظ عليها إذا كانت حاصلة فيما إذا علم المكلف بعدم تمكنه منها في وقته .
نعم ، المقدمات التي اعتبرت من قبلها القدرة الخاصة وهي القدرة في ظرف العمل فلا يجب تحصيلها قبل مجيء وقته ، بل يجوز تفويتها اختياراً ، بل ولا مانع منه في بعض الموارد بعد الوقت ، وذلك كاجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله بعد دخول وقت الصلاة وهو يعلم بعدم تمكنه من الطهارة المائية بعده ، فانّه يجوز ذلك حيث إنّ القدرة المعتبرة هنا قدرة خاصة ـ وهي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله ـ وستجيء الاشارة إلى ذلك . وأمّا إجناب نفسه بطريق آخر كالنوم أو نحوه في الوقت مع علمه بعدم التمكن من الطهارة المائية فلا يجوز .
وعلى الجملة : فالواجبات في الشريعة الاسلامية المقدسة تختلف من هذه الناحية ـ أي من ناحية اعتبار القدرة فيها من قبل مقدماتها ـ فقد تكون قدرة مطلقة ، وقد تكون قدرة خاصة ، فعلى الأوّل يجب الاتيان بها ولو قبل دخول وقتها ، دون الثاني ، هذا بحسب مقام الثبوت ، وأمّا بحسب مقام الاثبات فالمتبع في ذلك دلالة الدليل .
وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا افترضنا استحالة الواجب المعلّق أو قلنا بامكانه ولكن فرضنا عدم مساعدة الدليل على وقوعه ، وذلك كوجوب تعلم الصبيان أحكام الصلاة ونحوها قبل البلوغ ، إذ لو قلنا بعدم وجوبه عليهم ـ كما هو الصحيح وستجيء الاشارة إليه ـ فلازمه جواز تفويت الصلاة أوّل بلوغهم مقداراً من الزمن يتمكنون من التعلم فيه ، ولا يمكن الالتزام بوجوب التعلم من ناحية سبق وجوب الصلاة أو نحوها على البلوغ ، وإن قلنا بامكان الواجب المعلّق ، وذلك لفرض عدم التكليف على الصبيان ، فالنتيجة أنّ الاشكال في

ــ[185]ــ

المقدمات المفوّتة في أمثال هذه الموارد ، وأ نّه كيف يمكن الحكم بوجوبها مع عدم وجوب ذيها . وقبل التعرض لدفع الاشكال وبيان الأقوال فيه ينبغي تقديم أمرين :
الأوّل : أنّ ما اشتهر بين الأصحاب من أنّ الامتناع بالاختـيار لا ينافي الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً في غاية الصحة والمتانة ، فلو اضطرّ الانسان نفسه باختياره إلى ارتكاب محرّم كما لو دخل في الأرض المغصوبة أو ألقى نفسه من شاهق أو ما شاكل ذلك ، فعندئذ وإن كان التكليف عنه ساقطاً ، لكونه لغواً صرفاً بعد فرض خروج الفعل عن اختياره ، وأمّا عقابه فلا قبح فيه أصلاً ، وذلك لأنّ هذا الاضطرار حيث إنّه منته إلى الاختيار فلا يحكم العقل بقبحه أبداً .
وناقش في هذه القاعدة طائفتان : فعن أبي هاشم المعتزلي (1) أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وخطاباً ، وكان للمولى في المثالين المذكورين أن ينهى عن التصرف في مال الغير بدون إذنه ، ويأمر بحفظ نفسه ، بدعوى أ نّه لا مانع من التكليف بغير المقدور إذا كان مستنداً إلى سوء اختياره . ويظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي (قدس سره) أيضاً (2) . وفي مقابل هذا القول ادّعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً وخطاباً . أمّا الخطاب فهو واضح ، لأ نّه لغو صرف . وأمّا العقاب فلأ نّه عقاب على غير مقدور وهو قبيح عقلاً .
ولنأخذ بالنقد على كلا القولين :
أمّا القول الأوّل : فلأنّ الغرض من التكليف هو إحداث الداعي للمكلف

ـــــــــــــــــــــ
(1) البرهان في اُصول الفقه 1 : 208 ، المنخول : 129 .
(2) قوانين الاُصول 2 : 153 .

ــ[186]ــ

بالاضافة إلى المكلف به ، وعليه فإن كان المكلف به مقدوراً لم يكن التكليف به لغواً ، حيث إنّه يمكن أن يصير داعياً إليه ، وإن لم يكن مقدوراً كان التكليف به لغواً محضاً ، لعدم إمكان كونه داعياً ، ومن الواضح أ نّه لا فرق في هذه النقطة بين أن يكون مستند عدم القدرة سوء الاختيار أو غيره، بداهة أنّ عدم القدرة المسبب عن سوء الاختيار لايصحح تكليف المولى لغير القادر وإلاّ لجاز للمولى أن يأمر عبده بالجمع بين الضدّين معلّقاً على أمر اختياري كالصعود على السطح أو نحو ذلك ، وهو باطل قطعاً حتّى عند القائل بهذا القول .
وأمّا القول الثاني : فلأنّ الخطاب وإن كان لغواً كما عرفت إلاّ أ نّه لا مانع من العقاب ، وذلك لأنّ المكلف حيث كان متمكناً في بداية الأمر أن لا يجعل نفسه مضطراً إلى ارتكاب الحرام ومع ذلك لو جعل نفسه كذلك بسوء اختياره وارتكب الحرام حكم العقل باستحقاقه العقاب لا محالة ، لأ نّه منته إلى اختياره، ومن الطبيعي أنّ العقل لا يفرّق في استحقاق العقاب على فعل الحرام بين كونه مقدور الترك بلا واسطة أو معها ، وإنّما يحكم بقبح استحقاقه على ما لا يكون مقدوراً له أصلاً . فالنتيجة : أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً .
نعم ، قد تستعمل هذه القاعدة في مقام نقد نظرية الجبر وعدم الاختيار للعبد، ولكنّه بمعنى آخر ، والفرق بين المعنيين هو أنّ المراد من الامتناع هنا الامتناع الوقوعي ، والمراد من الامتناع هناك هو الامتناع بالغير وهو اختيار العبد وإرادته . وقد تقدّم الكلام فيها من هذه الناحية بشكل موسع عند ما تعرضنا لنظرية الجبر ونقدها (1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 398 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net