الكلام في غير التعلم من المقدّمات المفوّتة 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3487


ــ[187]ــ

الثاني : أ نّه لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الالزامي الفعلي وبين تفويت حقيقة التكليف وروحه ، وهو الملاك التام الملزم الذي يدعو المولى إلى اعتبار الايجاب تارة ، وإلى جعل التحريم تارة اُخرى ، فإذا أحرز العبد ذلك الملاك في فعل وإن علم بعدم التكليف به استحقّ العقاب على تفويته ، من دون فرق في ذلك بين أن يكون المانع من التكليف قصوراً في ناحية المولى نفسه ، كما إذا كان غافلاً أو نائماً واتّفق في هذا الحال غرق ولده أو حرقه وكان عبده متمكناً من إنقاذه ، فعندئذ لو خالف ولم ينقذه فلا شبهة في استحقاقه العقاب ، أو قصوراً في ناحية العبد ، كما إذا علم بأنّ الملاك تام في ظرفه وأ نّه لو لم يحفظ قدرته عليه لم يكن قابلاً لتوجيه التكليف إليه ، فعندئذ لو خالف وعجز في ظرف التكليف عن امتثاله ، فعجزه هذا وإن كان مانعاً عن توجه التكليف إليه ، لعدم القدرة ، إلاّ أ نّه يستحقّ العقاب على تفويت الغرض الملزم فيه حيث كان قادراً على حفظ قدرته واستيفائه . فالنتيجة : أ نّه لا فرق عند العقل في الحكم باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الفعلي وبين تفويت الغرض الملزم فيما لا يمكن جعل التكليف على طبقه .
وبعد ذلك نقول : الكلام هنا يقع في مقامين : الأوّل : في غير التعلم من المقدمات . الثاني : في التعلم .
أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه تارة يقع في مقام الثبوت ، واُخرى في مقام الاثبات . أمّا الكلام في مقام الثبوت فيتصور على وجوه :
الأوّل : أن يكون ملاك الواجب تاماً والقدرة المأخوذة فيه من قبل مقدماته هي القدرة العقلية وغير دخيلة في ملاكه ، وذلك كحفظ بيضة الاسلام أو حفظ النفس المحترمة أو ما شاكل ذلك ، إذا افترضنا أنّ المكلف علم بأ نّه لو تحفظ

ــ[188]ــ

على قدرته هذه أو لو أوجد المقدمة الفلانية لتمكن من حفظ بيضة الاسلام أو النفس المحترمة بعد شهر مثلاً ، وإلاّ لم يقدر عليه ، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال يستقل العقل بوجوب التحفظ عليها أو بلزوم الاتيان بها لئلاّ يفوته الملاك الملزم فيه في ظرفه ، وقد عرفت عدم الفرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة الأمر أو النهي الفعلي وتفويت الملاك الملزم .
وكذا الحال لو كان عدم فعلية التكليف من ناحية عدم دخول الوقت أو عدم حصول الشرط ، إذا افترضنا أنّ ملاك الواجب تام في ظرفه ، والقدرة فيه شرط عقلي فلا دخل لها بملاكه أصلاً ، وذلك كما إذا فرض أنّ ملاك الحج مثلاً تام في وقته وقد أحرزه المكلف ولم يكن التكليف المتعلق به فعلياً ، إمّا من ناحية استحالة الواجب التعليقي أو من ناحية عدم مساعدة الدليل عليه ، ففي مثله لا محالة يحكم العقل بوجوب الاتيان بتمام مقدماته التي لها دخل في تمكن المكلف من امتثاله في ظرفه وإلاّ لفاته الملاك الملزم باختياره ، حيث إنّه يعلم بأ نّه لو لم يأت بها لصار عاجزاً عن إتيان الواجب في وقته ، وبما أنّ عجزه مستند إلى اختياره فيدخل في كبرى القاعدة الآنفة الذكر : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً ، فعندئذ يستحقّ العقاب على ذلك .
وإن شئت قلت : إنّ ترك المقدمة في أمثال المقام حيث إنّه يؤدي إلى تعجيز المولى عن تكليفه مع ثبوت المقتضي له ، فبطبيعة الحال يحكم العقل بعدم جوازه وبقبح ذلك . فالنتيجة : أنّ في كل مورد علم المكلف بتمامية ملاك الواجب في ظرفه وعلم بأ نّه لو ترك مقدمة من مقدماته قبل وقته أو شرطه لعجز عن إتيانه فيه ، فلا محالة يحكم العقل بلزوم إتيانها لفاقدها في أوّل أزمنة الامكان ، لتحصيل القدرة على الواجب ، ووجوب حفظها لواجدها ، لا من ناحية أنّ

ــ[189]ــ

تركها يؤدي إلى ترك الواجب الفعلي ، لفرض أنّ الواجب ليس بفعلي لا قبل الوقت كما هو واضح ، ولا بعده لعدم تمكنه وعجزه عن القيام به ، بل من ناحية أ نّه يؤدي إلى تفويت الغرض الملزم ، وقد عرفت حكم العقل بقبحه واستحقاق العقاب عليه .
ثمّ إنّه هل يمكن استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بوجوب المقدمة بقاعدة الملازمة؟ فيه وجهان: فقد اختار شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1)الوجه الأوّل بدعوى أنّ حكم العقل بذلك دليل على جعل الشارع الايجاب للمقدمة حفظاً للغرض ، فيكون ذلك الجعل متمماً للجعل الأوّل .
والصحيح : هو الوجه الثاني ، والسبب في ذلك أنّ مثل هذا الحكم العقلي لا يعقل أن يكون كاشفاً عن جعل حكم شرعي مولوي في مورده، بداهة أ نّه لغو صرف ، فان حكم العقل باستحقاق العقوبة على تقدير المخالفة وتفويت الغرض يكفي في لزوم حركة العبد وانبعاثه نحو الاتيان بالمقدمات ، كما هو الحال في مطلق موارد حكمه بحسن الاطاعة وقبح المعصية . نعم ، الملازمة بين الحكمين في مقام الاثبات إنّما تكون فيما إذا كان العقل مدركاً لملاك الحكم من المصلحة أو المفسدة غير المزاحمة ، وأين ذلك من إدراكه استحقاق العقاب كما في المقام ، فما أفاده (قدس سره) خاطئ جداً ، وعليه فلو ورد حكم من الشارع في أمثال هذا المورد لكان إرشاداً إلى حكم العقل لا محالة .
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة : وهي أنّ في أمثال هذه الموارد لا إشكال في حكم العقل بوجوب الاتيان بالمقدمة قبل وجوب ذيها ، وعلى ضوئها يندفع الاشكال عن كثير من الموارد ، منها : وجوب الاتيان بمقدمات الحج قبل وقته .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 221 .

ــ[190]ــ

الثاني : ما إذا كانت القدرة فيه شرطاً شرعياً ودخيلة في ملاكه وهذا يتصوّر على أقسام :
الأوّل : أن يكون الشرط هو القدرة المطلقة على سعتها .
الثاني : أن يكون الشرط هو القدرة الخاصة، وهي القدرة بعد حصول شرط خاص من شرائط الوجوب .
الثالث : أن يكون الشرط هو القدرة في وقت الواجب .
أمّا القسم الأوّل : فحاله حال ما إذا كانت القدرة شرطاً عقلياً حرفاً بحرف، إلاّ في نقطة واحدة وهي أنّ القدرة إذا كانت شرطاً عقلياً لم يكن لها دخل في ملاك الواجب فانّه تام في كلتا الحالتين: التمكن وعدمه، وإذا كانت شرطاً شرعياً كان لها دخل في ملاكه ، ولا ملاك له في حال عدم التمكن . ولكن هذه النقطة غير فارقة فيما نحن فيه، وذلك لأنّ الشرط إذا كان القدرة المطلقة كما هو المفروض وجب تحصيلها في أوّل أزمنة الامكان وإن كان قبل زمن الوجوب، وحرم عليه تفويتها إذا كانت موجودة، فإنّه مع التمكن من إتيان الواجب في ظرفه ولو باعداد أوّل مقدماته قد تمّ ملاكه فلا يجوز تفويته ، وقد عرفت استقلال العقل بقبحه والعقاب عليه بقاعدة أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً . فالنتيجة : أ نّه لا فرق بين هذا القسم والقسم السابق فيما هو المهم في المقام أصلاً .
وأمّا القسم الثاني : فلا يجب فيه على المكلف تحصيل القدرة على الواجب من قبل مقدماته قبل تحقق شرطه ، بل يجوز له تفويتها إذا كانت حاصلة وذلك كمقدمات الحج مثلاً ، فإنّه لا بدّ من أن يفرّق بين حالتي حصول هذا الشرط ـ وهو الاستطاعة ـ وعدمه ، فعلى الأوّل يستقلّ العقل بوجوب الاتيان بها ليتمكّن من الاتيان بالواجب في ظرفه ، لفرض أنّ ملاكه قد تمّ فلا حالة منتظرة

ــ[191]ــ

له، وعليه فلو ترك الاتيان بها بسوء اختياره وأدّى ذلك إلى ترك الواجب في وقته استحقّ العقاب، لا من ناحية أ نّه خالف التكليف الفعلي ليقال إنّه غير فعلي ، بل من ناحية أ نّه فوّت الملاك الملزم ، وقد تقدّم أنّ العقل لا يفرّق بينهما في اسـتحقاق العقاب ، فإذن يدخل المقام تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، وعلى الثاني فلا يحكم العقل بوجوب الاتيان بها ، بل لا مانع من تفويتها إذا كانت حاصلة ، لفرض أنّ ملاك الواجب غير تام ، ومعه لا مقتضي للوجوب أصلاً .
وإن شئت قلت : إنّ ترك هذه المقدمات وإن استلزم ترك الواجب في موطنه ، إلاّ أ نّه لا قبح فيه ، وذلك لأنّ القبيح أحد أمرين : إمّا مخالفة التكليف الفعلي والمفروض عدمـه ، أو تفويت الغرض الملزم ، والفرض خـلافه ، فإذن ما هو الموجب لقبحه .
فالنتيجة : أنّ القدرة المأخوذة في الواجب ـ وهو الحج ـ من قبل مقدماته قدرة خاصة ، وهي القدرة بعد حصول هذا الشرط ـ وهو الاستطاعة ـ اتفاقاً ، ولذا لا يجب على المكلف تحصيله ، بل يجوز له تفويته بالمنع من تحققه فيما إذا وجد المقتضي له ، كما إذا أراد شخص أن يهب مالاً لآخر ليستطيع به فللآخر أن لا يقبل ، أو أراد أن يبذل له مبلغاً يكفيه لحجه فالتمس منه أن لا يبذل له ذلك وهكذا ، وعلى هذا الضوء فلا إشكال في وجوب الاتيان بمقدمات الحج بعد الاستطاعة وقبل الموسم .
وأمّا القسم الثالث : وهو ما اُخذت فيه حصة خاصة من القدرة ـ وهي القدرة في وقت الواجب ـ فلا يجب على المكلف تحصيل القدرة عليه من قبل مقدماته قبل دخول وقته ، بل يجوز له تفويتها إذا كانت موجودة ، وذلك لأنّ الواجب لا يكون ذا ملاك ملزم إلاّ بعد القدرة عليه في زمنه ، وأمّا القدرة عليه

ــ[192]ــ

قبله فوجودها وعدمها بالاضافة إليه سيّان ، وذلك كالصلاة مع الطهارة المائية حيث إنّ القدرة المعتبرة فيها قدرة خاصة ـ وهي القدرة عليها بعد دخول وقتها ـ وأمّا قبله فلا يجب على المكلف تحصيلها ، بل ولا حفظها إذا كان واجداً لها ، لفرض عدم دخلها في ملاكها قبل الوقت أصلاً ، فان تمكن منها بعده وجب عليه تحصيلها وإلاّ فلا ، بداهة أنّ إيجاد الموضوع وإحداث الملاك في الفعل غير واجب على المكلف ، بل يجوز له تفويته بجعل نفسه محدثاً باختياره أو باهراق الماء عنده .
ونظير ذلك السفر بالاضافة إلى وجوب القصر في الصلاة ، وقصد الاقامة بالاضافة إلى وجوب التمام والصيام ، حيث إنّه لا ملاك لوجوب القصر قبل السفر ، ولوجوب التمام قبل قصد الاقامة ، ومن الواضح أنّ في مثل ذلك لا يجب عليه إيجاد السفر ، ولا قصد الاقامة ، إذ بتركهما لا يفوته شيء ، لا تكليف ولا ملاك ، أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني ، فلأ نّه لا ملاك لوجوب القصر قبل تحقق السفر ولا لوجوب التمام والصيام قبل قصد الاقامة .
وشيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) ذهب إلى الفرق بين تفويت القدرة قبل الوقت بجعل نفسه محدثاً باختياره بجماع أو نحوه مع علمه بعدم تمكنه من الماء بعد الوقت ، وتفويتها باهراق الماء ، فاختار الجواز في الأوّل وعدمه في الثاني ، واستند في هذه التفرقة إلى وجود رواية صحيحة . ولكن قد ذكرنا في التعليقة(2)أنّ هذا غفلة منه (قدس سره) حيث لم ترد في هذا الموضوع أيّة رواية فضلاً عن الرواية الصحيحة .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 225 .
(2) راجع تعليقته على أجود التقريرات 1 : 225 .

ــ[193]ــ

وقد تحصّل من ذلك : أ نّه لا يجب حفظ القدرة قبل الوقت ، ولا تحصيلها ، وأمّا بعد الوقت فهو واجب. نعم، وردت رواية معـتبرة (1) في جواز الجنابة مع الأهل فحسب بعد دخول الوقت مع عدم وجود الماء الكافي عنده للاغتسال، ولكن لا بدّ من الاقتصار على مورد هذه الرواية ـ وهو الجماع مع الأهل ـ ولا يمكن التعدي عنه إلى غيره ، فلا يجوز إجناب نفسه بسبب آخر من احتلام أو نحوه .
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ التفصي عن الاشكال المزبور لا يتوقف على الالتزام بالواجب التعليقي ، بل يمكن التفصي عنه على ضوء الالتزام بالقسم الأوّل من الواجب والثاني والثالث .
هذا كلّه فيما إذا علم بدخل القدرة في ملاك الواجب في وقته أو عدم دخلها فيه كذلك . وأمّا إذا شكّ ولم يحرز ذلك فهل يجب الاتيان بمقدماته قبل وقته فيما إذا علم بعدم تمكنه منها فيه ؟
الظاهر عدم وجوبه ، وذلك لما حققناه في بحث الترتب على ما يأتي إن شاء الله تعالى من أ نّه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام الواقعية من الخارج ، غاية الأمر أ نّنا نستكشف تلك الملاكات من الأمر والنهي المولويين ، وعليه فبطبيعة الحال تكون سعة الملاك في مرحلة الاثبات بقدر سعة الأمر دون الزائد ، فلو لم يكن أمر في مورد أصلاً أو كان ولكنّه سقط من ناحية عجز المكلف عن الامتثال ، لم يكن لنا طريق إلى وجود الملاك فيه ، لاحتمال أن يكون سقوط الأمر لأجل انتفاء المقتضي له في هذا الحال ، لا لوجود المانع مع ثبوته ، وقلنا هناك إنّ ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من أ نّه يمكن إحراز

ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 109 / أبواب مقدمات النكاح ب 5 ح 1 .

ــ[194]ــ

الملاك من التمّسك باطلاق المتعلق عند سقوط الأمر خاطئ جداً ، ضرورة أنّ مجرد إطلاق المتعلق لايكون دليلاً على وجود الملاك فيه كذلك على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى .
وبما أنّ فيما نحن فيه لم نحرز أنّ ترك المقدمة قبل الوقت مستلزم لتفويت ملاك الواجب في ظرفه، لاحتمال أنّ القدرة من قبلها دخيلة في ملاكه في وقته، وعليه فلو لم يأت بها قبل الوقت والمفروض عدم تمكنه بعده لم يحرز فوت شيء منه لا الأمر الفعلي ولا الملاك الملزم ، أمّا الأوّل فواضح . وأمّا الثاني فلاحتمال دخل القدرة الخاصة فيه ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : قد تقدّم أنّ ملاك حكم العقل بالقبح أمران : أحدهما : تفويت التكليف الفعلي . وثانيهما : تفويت الملاك الملزم . فالنتيجة على ضوئهما : هي أ نّه لا ملاك لحكم العقل بالقبح في المقام ، لفرض عدم إحرازه الملاك ، ومن هذا القبيل ما إذا علم شخص أ نّه إذا نام في الساعة المتأخرة من الليل لفاتته صلاة الصبح ، كما إذا لم يبق فرضاً من الصبح إلاّ ساعة واحدة مثلاً فإنّه يجوز له ذلك ، لفرض أنّ الأمر غير موجود قبل الوقت ، وأمّا الملاك فغير محرز ، لاحتمال دخل القدرة الخاصة فيه .
وأمّا الكلام في مقام الاثبات : فقد ذكرنا غير مرّة أ نّه لا طريق لنا إلى ملاكات الأحكام ما عدا نفس تلك الأحكام ، إلاّ فيما قامت قرينة خارجية على ذلك ، وعلى هذا الضوء فان أحرزنا من الخارج اشتمال الواجب على ملاك ملزم في ظرفه ، فبطبيعة الحال وجب الاتيان بمقدماته قبل وقته إذا علم بعدم تمكنه منها في ظرفه ، وإن لم نحرز ذلك من الخارج ، فإن كان وجوبه فعلياً كشف عن أنّ ملاكه تام ، وإلاّ فلا طريق لنا إليه ، ومن هنا قلنا إنّ الأمر إذا سقط في مورد لم يمكن إحراز الملاك فيه ، لاحتمال أن يكون سقوطه لأجل عدم

ــ[195]ــ

المقتضي له لا لأجل وجود المانع مع ثبوته ، وعلى هذا الأساس فلو أنكرنا الوجوب التعليقي وقلنا بعدم إمكان تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب لم يمكن إحراز ملاكه قبل وقته .
وبكلمة اُخرى: أنّ التفصي عن الاشكال المتقدم وإن أمكن بحسب مقام الثبوت بأحد الوجوه السالفة، إلاّ أنّ إثبات تلك الوجوه جميعاً بدليل مشكل جداً .
ودعوى أنّ الظاهر من قوله تعالى : (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1) هو أنّ ملاك الحج تام في ظرفه بعد حصول الاستطاعة ، كما أنّ الظاهر من قوله تعالى : (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (2) هو أنّ الصوم تام الملاك بعد دخول الشهر ، فهي وإن كانت صحيحة إلاّ أ نّه من جهة ظهور الآية في فعلية الوجوب بعد الاستطاعة ، وكذا الآية الثانية ، ومن المعلوم أ نّه يكشف عن وجود ملاك ملزم فيه في وقته ، وأمّا لو رفعنا اليد عن هذا الظهور وقلنا بعدم فعلية وجوبه بعدها فلم يكن لنا طريق إلى أنّ ملاكه تام في ظرفه، فعندئذ كيف يمكن الحكم بوجوب مقدّماته قبل زمانه . فالنتيجة : أنّ الاشكال إنّما هو على ضوء نظرية القائلين باستحالة الواجب التعليقي والشرط المتأخر ، وأمّا على ضوء نظريتنا من إمكانه بل وقوعه خارجاً كما في أمثال هذين الموردين فلا إشكال من أصله .

ـــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران 3 : 97 .
(2) البقرة 2 : 185 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net