الواجب النفسي والغيري \ تعريف الواجب النفسي والغيري 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 6384


ــ[214]ــ
 

الواجب النفسي والغيري

قد عرّف الواجب النفسي : بأ نّه ما وجب لا لأجل التوصل به إلى واجب آخر ، والواجب الغيري : بأ نّه ما وجب لأجل التوصل به إلى واجب آخر .
وقد اُورد على تعريف الواجب النفسي : بأنّ لازم ذلك صيرورة جلّ الواجبات لولا كلّها غيرية ، بداهة أ نّها إنّما تجب لأجل مصالح وفوائد تترتب عليها اللاّزمة تحصيلها بحيث لولاها لم تكن واجبة . وعلى الجملة : فعلى ضوء هذا التعريف لا يكون واجب نفسي ما عدا معرفة الباري (عزّ وجلّ) حيث إنّها غاية الغايات فلا غاية فوقها، وأمّا غيرها من الواجبات بشتى ألوانها وأشكالها واجبات لأجل التوصل إلى غايات مترتبة عليها ، بناءً على المسلك الصحيح وهو مسلك العدلية .
واُجيب عنه كما حكى في الكفاية(1) : بأنّ تلك الغايات المترتبة عليها خارجة عن الاختيار فلا تتعلق القدرة بها ، وعليه فلا يعقل وجوبها وتعلق الخطاب بها . وأورد عليه صاحب الكفاية (قدس سره) بأ نّها وإن كانت في حد أنفسها وبلا واسطة خارجة عن إطار القدرة ، إلاّ أ نّها مع الواسطة مقدورة لدخول أسبابها تحت القدرة ، ومن الطبيعي أنّ القدرة على السبب قدرة على المسبب ، وإلاّ لم يصح وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق إلى غير

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 108 .

ــ[215]ــ

ذلك من المسببات مورداً لحكم من الأحكام التكليفية الشرعية كما هو واضح .
هذا وقد أجاب (قدس سره) (1) عن الاشكال المزبور بوجه آخر وإليك نصّه : فالأولى أن يقال : إنّ الأثر المترتب عليه وإن كان لازماً ، إلاّ أن ذا الأثر لمّا كان معنوناً بعنوان حسن يستقلّ العقل بمدح فاعله بل وبذم تاركه ، صار متعلّقاً للايجاب بما هو كذلك ، ولا ينافيه كونه مقدّمةً لأمر مطلوب واقعاً ، بخلاف الواجب الغيري لتمحض وجوبه في أ نّه لكونه مقدمة لواجب نفسي ، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه إلاّ أ نّه لا دخل له في إيجابه الغيري ، ولعلّه مراد من فسّرهما بما اُمر به لنفسه ، وما اُمر به لأجل غيره ، فلا يتوجه عليه بأنّ جلّ الواجبات لولا الكل يلزم أن يكون من الواجبات الغيرية، فانّ المطلوب النفسي قلّما يوجد في الأوامر ، فان جلّها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها .
وملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ ملاك الواجب النفسي ما كان وجوبه لأجل حسنه في حد ذاته ، سواء أكان مع ذلك مقدمة لواجب آخر أم لم يكن ، وملاك الواجب الغيري ما كان وجوبه لأجل حسن غيره ، سواء أكان في نفسه أيضاً حسناً كالطهارات الثلاث أم لم يكن .
ويرد عليه أوّلاً : ما أورده المحقق النائيني (قدس سره) (2) من أنّ حسن الأفعال الواجبة المقتضي لايجابها ، إن كان ناشئاً من مقدميتها لما يترتب عليها من المصالح والفوائد اللاّزمة فالاشكال باق على حاله ، وإن كان ثابتاً في حد ذاتها مع قطع النظر عمّا يترتب عليها، فلازم ذلك أن لايكون شيء من الواجبات

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 108 .
(2) أجود التقريرات 1 : 244 .

ــ[216]ــ

النفسية متمحضاً في الوجوب النفسي ، وذلك لاشتمالها على ملاكين : النفسي ـ وهو حسنها ذاتاً ـ والغيري ـ وهو كونها مقدمة لواجب آخر ـ نظير صلاة الظهر حيث إنّها واجبة لنفسها ومقدمة لواجب آخر وهو صلاة العصر ، وصلاة المغرب فانّها مع كونها واجبة لنفسها مقدمة لصلاة العشاء أيضاً، وأفعال الحج فانّ المتقدم منها واجب لنفسه ومقدمة للمتأخر . فالنتيجة : أ نّه لا وقع لهذا التقسيم أصلاً على ضوء ما أفاده (قدس سره) .
وثانياً : أنّ دعوى الحسن الذاتي في جميع الواجبات النفسية دعوى جزافية ولا واقع موضوعي لها أصلاً، والسبب في ذلك : هو أنّ جلّ الواجبات النفسية لم تكن حسنة بذاتها وفي نفسها كالصوم والحج والزكاة والخمس وما شاكل ذلك ، فان ترك الأكل والشرب مثلاً في نهار شهر رمضان ليس في نفسه حسناً ، بداهة أ نّه لا فرق بينه فيه وبين الأكل والشرب في غيره ذاتاً مع قطع النظر عن الأمر ، وكذا الحال في مناسك الحج . نعم ، الأمر المتعلق بها يكشف عن وجود مصلحة ملزمة فيها إلاّ أ نّها أجنبية عن حسنها الذاتي . نعم ، بعض الواجبات حسن ذاتاً كالسجود والركوع وما شاكلهما مع قطع النظر عن تعلق الأمر به ، وأمّا الحسن العقلي فهو أجنبي عن حسن الفعل ذاتاً ، حيث إنّه من باب حسن الاطاعة فيعرض عليه بعد الأمر به باعتبار أنّ إتيانه يكون إطاعة للمولى .
ومنع شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) عن تعلق الأمر بمثل هذه الغايات والمسببات ، بيان ذلك : أ نّه (قدس سره) قسّم الغايات إلى أصناف ثلاثة :
الأوّل : ما يترتب على الفعل الخارجي من دون توسط أمر اختياري أو غير اختياري بينه وبين ذلك الفعل، وذلك كالزوجية المترتبة على العقد، والطهارة

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 57 ، 167 ، 243 .

ــ[217]ــ

المترتبة على الغسل ، والقتل المترتب على ضرب أو نحوه ، وما شاكل ذلك ، فإذا كانت الغاية من هذا القبيل فلا مانع من تعلق التكليف بها ، لأ نّها مقدورة بواسطة القدرة على سببها .
الثاني : ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسط أمر اختياري خاصة ، وذلك كالصعود على السطح وطبخ اللحم وما شاكلهما ، حيث إنّ وجود كل منها في الخارج يتوقف على عدّة من المقدمات الاختيارية . وفي هذا الصنف أيضاً لا مانع من تعلق التكليف بنفس الغاية والغرض ، بملاك أنّ الواسطة مقدورة .
الثالث : ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسـط أمر خارج عن اختيار الانسان ، فتكون نسبة الفعل إليه نسبة المعدّ إلى المعد له ، لا نسبة السبب إلى المسبب والعلة إلى المعلول ، وذلك كحصول الثمر من الزرع ، فانّه يتوقف زائداً على زرع الحب في الأرض وجعل الأرض صالحة لذلك وسقيها على مقدمات اُخرى خارجة عن اختيار الانسان ، فالمقدمات الاختيارية مقدمات إعدادية فحسب ، ومثل ذلك شرب الدواء للمريض ، فانّ تحسّن حاله يتوقف على مقدمة اُخرى خارجة عن اختياره ، وفي هذا الصنف لا يمكن تعلق التكليف بالغاية القصوى والغرض الأقصى لخروجها عن الاختيار .
وما نحن فيه من هذا القبيل ، فانّ نسـبة الأفعال الواجبة بالاضافة إلى ما يترتب عليها من المصالح والفوائد نسبة المعدّ إلى المعدّ له ، حيث تتوسط بينهما اُمور خارجة عن اختيار المكلف ، وعليه فلا يمكن تعلق التكليف بتلك المصالح والغايات ، لفرض خروجها عن إطار القدرة .
ولنأخذ بالنقد عليه وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) بالاضافة إلى الغرض الأقصى والغاية القصوى وإن كان صحيحاً ولا مناص عنه ، لوضوح أنّ الأفعال الواجبة بالنسبة إليها من قبيل العلل المعدّة إلى المعدّ لها ، لفرض أ نّها خارجة

ــ[218]ــ

عن اختيار المكلف وقدرته ، مثلاً النهي عن الفحشاء الذي هو الغاية القصوى من الصلاة فلا يترتب عليها ترتب المعلول على العلة التامة ، بل ترتبه عليها متوقف على مقدمة اُخرى خارجة عن اختيار المكلف وإطار قدرته ، إلاّ أ نّه لا يتم بالاضافة إلى الغرض القريب وهو حيثية الاعداد للوصول إلى الغرض الأقصى ، حيث إنّه لا يتخلف عنها ، فيكون ترتبه عليها من ترتب المعلول على العلة التامة والمسبب على السبب ، وبما أنّ السبب مقدور للمكلف فلا مانع من تعلق التكليف بالمسبب ، فيكون المقام نظير الأمر بزرع الحب في الأرض ، فانّ الغرض الأقصى منه ـ وهو حصول النتاج ـ وإن كان خارجاً عن اختيار المكلف ، إلاّ أنّ الغرض المترتب على الزرع من غير تخلف ـ وهو إعداد المحل للانتاج ـ مقدور له بالقدرة على سببه لا محالة ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : بما أنّ هذا الغرض المترتب على تلك الأفعال ترتب المسبب على السبب لزومي على الفرض، فبطبيعة الحال يتعين تعلق التكليف به، لكونه مقدوراً من جهة القدرة على سببه، وعلى ذلك يبقى إشكال دخول الواجبات النفسية في تعريف الواجب الغيري بحاله .
فالصحيح في المقام أن يقال: أمّا بناءً على نظرية صاحب المعالم (قدس سره)(1) من أنّ الأمر بالمسبب عين الأمر بالسبب، فيكون جميع الأفعال واجباً بالوجوب النفسي ، فليس هنا واجب آخر ليكون وجوبها لأجل ذلك الواجب ، لفرض أنّ الأمر بالغاية عين الأمر بتلك الأفعال ، إلاّ أنّ هذه النظرية خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً .
وأمّا بناءً على نظرية المشهور كما هو الحق ، وهي أنّ حال السبب حال بقية

ـــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ معالم الدين : 61 .

ــ[219]ــ

المقدمات فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً ، فلأنّ المصالح والغايات المترتبة على الواجبات ليست قابلة لتعلق التكليف بها ، فانّ تعلق التكليف بشيء يرتكز على أمرين : الأوّل : أن يكون مقدوراً للمكلف. الثاني : أن يكون أمراً عرفياً وقابلاً لأن يقع في حيّز التكليف بحسب أنظار العرف ، وتلك المصالح والأغراض وإن كانت مقدورة له للقدرة على أسبابها ، إلاّ أ نّها ليست ممّا يفهمه العرف العام، لأ نّها من الاُمور المجهولة عندهم وخارجة عن أذهان عامّة الناس، فلا يحسن توجيه التكليف إليها ، ضرورة أنّ العرف لا يرى حسناً في توجه التكليف بالانتهاء عن الفحشاء أو باعداد النفس للانتهاء عن كل أمر فاحش .
فالنتيجة في نهاية الشوط هي : أ نّه لا مناص من الالتزام بتعلق الوجوب النفسي بنفس الأفعال دون الغايات المترتبة عليها ، فإذن يصدق عليها أ نّها واجبة لا لأجل واجب آخر ، وعليه فلا إشكال . نعم ، تلك الغايات داعية للمولى على إنشاء وجوب تلك الأفعال واعتبارها على ذمة المكلف .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net