مقتضى الأصل العملي في المقام 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3147


وأمّا المقام الثاني : وهو التمسك بالاُصول العملية عند عدم وجود الاُصول اللفظية ، فالكلام فيه يقع من وجوه :
الأوّل : ما إذا علم المكلف بوجوب شيء إجمالاً في الشريعة المقدسة وتردد بين كونه واجباً نفسياً أو غيرياً ، وهو يعلم بأ نّه لو كان واجباً غيرياً ومقدمة لواجب آخر لم يكن ذلك الواجب فعلياً ، وذلك كما إذا علمت الحائض بوجوب الوضوء عليها وترددت بين كون وجوبه نفسياً أو غيرياً ، وهي تعلم بأ نّه لو كان واجباً غيرياً ومقدّمة للصلاة لم تكن الصلاة واجبة عليها فعلاً ، وفي مثل هذا الفرض لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عقلاً ونقلاً ، بيان ذلك : هو أنّ المكلف لا يعلم بوجوب فعلي على كل تقدير ، فانّه على تقدير وجوبه نفسياً وإن كان فعلياً إلاّ أ نّه على تقدير وجوبه الغيري فلا يكون بفعلي ، لعدم فعلية وجوب ذيه ، ومعه لا محالة يشك في الوجوب الفعلي ، ومن الطبيعي أنّ المرجع في مثله هو البراءة الشرعية والعقلية ، وهذا هو مراد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1) من الرجوع إلى البراءة فيه لا الوجه الثاني الآتي كما نسب إليه

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 110 .

ــ[223]ــ

شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) .
الثاني : ما إذا علم المكلف بوجوب شيء فعلاً وتردد بين أن يكون نفسياً أو غيرياً ، وهو يعلم أ نّه لو كان غيرياً ومقدمة لواجب آخر فوجوب ذلك الواجب فعلي يتوقف حصوله على تحقق ذلك الشيء في الخارج ، ومثاله هو ما إذا علم المكلف مثلاً بتحقق النذر منه ، ولكن تردد متعلقه بين الوضوء والصلاة، فان كان الأوّل فالوضوء واجب نفساً ، وإن كان الثاني فانّه واجب غيراً ، ففي مثل ذلك يعلم المكلف بوجوب الوضوء على كل تقدير ، ولا يمكن له الرجوع إلى البراءة عن وجوبه ، لفرض علمه التفصيلي به ، ولا أثر لشكه في النفسي والغيري أصلاً .
وإنّما الكلام في جواز الرجوع إلى البراءة عن وجوب الصلاة وعدم جوازه ، الصحيح هو الأوّل ، والسبب في ذلك : هو أنّ المكلف وإن علم إجمالاً بوجوب نفسي مردد بين تعلقه بالصلاة أو الوضوء ، إلاّ أنّ العلم الاجمالي إنّما يكون مؤثراً فيما إذا تعارضت الاُصول في أطرافه ، وأمّا إذا لم تتعارض فيها فلا أثر له ، وبما أنّ أصالة البراءة في المقام لا تجري بالاضافة إلى وجوب الوضوء ، لفرض العلم التفصيلي به ، واستحقاق العقاب على تركه على كلا التقديرين ـ أي سواء أكان وجوبه نفسياً أم كان غيرياً ـ فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الصلاة ، للشك فيه وعدم قيام حجة عليه ، ومعه لا محالة يكون العقاب على تركها عقاباً بلا بيان وحجّة .
وبكلمة واضحة : أنّ الانحلال الحقيقي في المقام وإن كان غير موجود ، إلاّ أنّ الانحلال الحكمي موجود كما هو الحال في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 249 .

ــ[224]ــ

ولكنّ الانحلال الحكمي في مسألتنا هذه لا بملاك الانحلال الحكمي هناك ، بيان ذلك : أمّا في تلك المسألة فقد ذكرنا فيها أنّ العلم الاجمالي قد تعلق بالماهـية المرددة بين لا بشرط وبشرط لا ، وهذا العلم الاجمالي غير قابل للانحلال حقيقة من هذه الناحية ، حيث إنّ تعلّقه بالماهية المزبورة مقوّم له ، فكيف يعقل أن يكون موجباً لانحلاله ، ولكن حيث إنّ الأصل لا يجري في أحد طرفي هذا العلم ـ وهو الاطلاق ـ فلا مانع من جريانه في طرفه الآخر ـ وهو التقييد ـ ومعه لا أثر لهذا العلم الاجمالي ، وهذا هو معنى انحلاله هناك حكماً ، ومردّ هذا الانحلال إلى التفكيك بين أجزاء الواجب الواحد في مرحلة التنجيز بعد عدم إمكان التفكيك بينها في مرحلتي السقوط والثبوت أصلاً .
وأمّا في مسألتنا هذه : فبما أنّ المكلف يعلم بوجوب الوضوء تفصيلاً وإن لم يعلم أ نّه لنفسه أو لغيره ، فلا يمكن له الرجوع إلى البراءة عنه ، لعلمه باستحقاق العقاب على تركه على كلا التقديرين . وأمّا وجوب الصلاة فبما أ نّه لا يعلم به فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه : الشرعية والعقلية ، لعدم قيام بيان عليه ، ومعه لا محالة يكون العقاب على تركها عقاباً من دون بيان ، ولا تعارض أصالة البراءة عنه أصالة البراءة عن وجوب الوضوء نفسياً ، حيث إنّه مشكوك فيه ، وذلك لما عرفت من عدم جريانها في طرف الوضوء من ناحية العلم بوجوبه على كل تقدير واستحقاق العقاب على تركه كذلك ، فإذن لا مانع من جريانها في طرف الصلاة بناءً على ما حققناه من أنّ تنجيز العلم الاجمالي يرتكز على تعارض الاُصول في أطرافه ومع عدمه فلا أثر له ، وبما أنّ في المقام لا تعارض بين الأصلين فلا يكون منجّزاً .
وقد تحصّل من ذلك : أنّ العلم الاجمالي بوجوب نفسي مردد بين تعلقه بالوضوء أو الصلاة وإن لم ينحل حقيقة ، إلاّ أ نّه ينحل حكماً من ناحية عدم

ــ[225]ــ

جريان الأصل في أحد طرفيه ، هذا من جانب . ومن جانب آخر : أنّ ملاك عدم جريانه فيه هو كونه معلوم الوجوب على كل تقدير ، وبهذه النقطة يمتاز ما نحن فيه عن مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين ، حيث إنّ هناك عدم جريان الأصل في أحد طرفي العلم الاجمالي من ناحية عدم الأثر لا من ناحية كون التكليف به معلوماً .
ونتيجة ذلك: هي التفكيك في حكم واحد في مرحلة التنجيز، كوجوب الصلاة في المقام حيث إنّه منجّز من ناحية وجوب الوضوء ، لما عرفت من استحقاق العقاب على تركها المستند إلى ترك الوضوء ، وغير منجّز من ناحية اُخرى لما مرّ من وجود المؤمّن من غير تلك الناحية .
الثالث : ما إذا علم المكلف بوجوب كل من الفعلين في الخارج وشكّ في أنّ وجود أحدهما مقيد بوجود الآخر مع علمه بتماثل وجوبيهما من حيث الاطلاق والاشتراط من بقية الجهات ، أي أ نّهما متساويان إطلاقاً وتقييداً كوجوب الوضوء والصلاة مثلاً ، ففي مثل ذلك قد أفاد شيخنا الاُستاذ (قدس سره)(1) أنّ الشك حيث إنّه متمحض في تقييد ما علم كونه واجباً نفسياً كالصلاة بالواجب الآخر ـ وهو الوضوء ـ في مفروض المثال ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عن ذلك التقييد ، وذلك لفرض أنّ وجوب الصلاة معلوم ، وكذا وجوب الوضوء والشك إنّما هو في خصوص تقييد الصلاة بالوضوء ، ومن الطبيعي أنّ مقتضى أصالة البراءة عدمه .
وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) غير تام ، وذلك لأنّ أصالة البراءة عن التقييد المذكور معارضة بأصالة البراءة عن وجوب الوضوء بوجوب نفسي ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 248 .

ــ[226]ــ

وذلك لأنّ القدر المعلوم لنا تفصيلاً إنّما هو أصل تعلق الوجوب بالوضوء بوجوب جامع بين النفسي والغيري، وأمّا خصوصية كونه نفسياً أو غيرياً فهي مشكوكة، وبما أنّ العلم الاجمالي بإحدى الخصوصيتين موجود فهو مانع عن جريان أصالة البراءة عن كلتيهما ، فإذن لا محالة يكون المرجع هو قاعدة الاحتياط .
وإن شئت قلت : إنّ وجوب الوضوء غيرياً ـ أي كونه قيداً للصلاة ـ وإن كان مشكوكاً فيه في نفسه ولا مانع من جريان الأصل فيه في ذاته ، إلاّ أنّ وجوبه نفسياً أيضاً كذلك ، وعليه فلا مانع من جريان الأصل فيه أيضاً في ذاته ، وبما أ نّه لا يمكن جريان كلا الأصلين معاً ، لاستلزامه المخالفة القطعية العملية ، فبطبيعة الحال المرجع هو قاعدة الاحتياط ، وهو الاتيان بالوضوء أوّلاً ثمّ الاتيان بالصلاة ، ومردّ هذا بحسب النتيجة إلى أنّ وجوب الوضوء غيري لا نفسي .
الرابع : ما إذا علم المكلف بوجوب كل من الفعلين وشكّ في تقييد أحدهما بالآخر مع عدم العلم بالتماثل بينهما من حيث الاطلاق والاشتراط ، وذلك كما إذا علم باشتراط الصلاة بالوقت ، وشكّ في اشتراط الوضوء به من ناحية الشك في أنّ وجوبه نفسي أو غيري ، فعلى الأوّل لا يكون مشروطاً به ، وعلى الثاني فمشروط ، لتبعية الوجوب الغيري للنفسي في الاطلاق والاشتراط . ففي هذه الصورة الشك يكون من عدّة جهات .
وقد أفاد شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) بجريان البراءة من جميع تلك الجهات : الاُولى : الشك في تقييد الصلاة بالوضوء وهو مجرى للبرءاة ، فالنتيجة هي صحّة الصلاة بدون الوضوء . الثانية : الشك في وجوب الوضوء قبل الوقت الذي هو شرط لوجوب الصلاة ، وهو أيضاً مرجع للبراءة ، فالنتيجة من هذه

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 248 .

ــ[227]ــ

الجهة نتيجة الغيرية من ناحية عدم ثبوت وجوب الوضوء قبل الوقت في مفروض المثال . الثالثة : الشك في وجوب الوضوء بعد الوقت بالاضافة إلى مَن أتى به قبله ، ومرجع هذا الشك إلى أنّ وجوب الوضوء بعد الوقت مطلق أو مشروط بما إذا لم يؤت به قبله ، وبما أنّ وجوبه مشكوك فيه بالاضافة إلى مَن أتى به قبله ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه .
فالنتيجة هي : أنّ المكلف مخيّر بين الاتيان بالوضوء قبل الوقت وبعده قبل الصلاة وبعدها .
ولنأخذ بالنظر في هذه الجهات بيان ذلك : أنّ وجوب الوضوء في مفروض المثال المردد بين النفسي والغيري إذا كان نفسياً ، فلا يخلو من أن يكون مقيداً بايقاعه قبل الوقت أو يكون مطلقاً . وأمّا وجوبه الغيري فهو مقيد بما بعد الوقت على كل تقدير .
وعلى الأوّل : فلا يمكن جريان البراءة عن تقييد الصلاة بالوضوء ، لمعارضته بجريانها عن وجوبه النفسي قبل الوقت ، وذلك للعلم الاجمالي بأ نّه إمّا واجب نفسي أو واجب غيري ، وجريان البراءة عن كليهما مستلزم للمخالفة القطعية العملية ، وقد ذكرنا في محلّه(1) أ نّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي وسقوط الاُصول عن أطرافه بين أن تكون أطرافه من الدفعيات أو التدريجيات ، وعلى ذلك فلا بدّ من الاحتياط والاتيان بالوضوء قبل الوقت ، فان بقي إلى ما بعده أجزأ عن الوضوء بعده ، ولا يجب عليه الاتيان به ثانياً ، وإلاّ وجب عليه ذلك بمقتضى حكم العقل بالاحتياط . فالنتيجة هي نتيجة الحكم بالوجوب النفسي والغيري معاً من باب الاحتياط .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2 : 429 .

ــ[228]ــ

وعلى الثاني : فلا معنى لاجراء البراءة عن وجوب الوضوء قبل الوقت ، وذلك لعدم احتمال تقيده به ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ مفاد أصالة البراءة رفع الضيق عن المكلف لا رفع السعة والاطلاق . وأمّا بعد الوقت فيحكم العقل بوجوب الوضوء ، وذلك للعلم الاجمالي بوجوبه إمّا نفسياً أو غيرياً ، ولا يمكن إجراء البراءة عنهما معاً ، ومعه يؤثر العلم الاجمالي فيجب الاحتياط .
نعم ، لو شككنا في وجوب إعادة الوضوء بعد الوقت على تقدير كونه غيرياً ، أمكن رفعه بأصالة البراءة ، وذلك لأنّ تقييد الوضوء بوقوعه بما بعد الوقت على تقدير كون وجوبه غيرياً بما أ نّه مجهول، فلا مانع من إجراء البراءة عنه ، وذلك لأنّ وجوبه إن كان نفسياً فهو غير مقيد بذلك كما هو واضح ، وإن كان غيرياً فالمقدار المعلوم إنّما هو تقيد الصلاة به ، وأمّا تقيدها به بخصوصية أن يؤتى به بعد الوقت فهو مجهول فيدفع بالبراءة .
وقد تحصل من ذلك : أنّ ما أفاده (قدس سره) من الرجوع إلى أصالة البراءة في الجهات المزبورة لا يتم إلاّ في الجهة الأخيرة خاصّة .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي : أنّ المرجع في جميع الصور المتقدمة هو قاعدة الاحتياط دون قاعدة البراءة ، إلاّ في خصوص الصورة الاُولى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net