منشأ عبادية الطهارات الثلاث 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3219


ــ[232]ــ
 

[ منشأ عباديّة الطهارات الثلاث ]

ثمّ إنّه قد يشكل في الطهارات الثلاث من وجهين :
الأوّل: أ نّه لا شبهة في استحقاق الآتي بها الثواب مع أنّ الأمر المتعلق بها غيري ولا يترتب على امتثاله ثواب ، كما أ نّه لا عقاب على تركه . والجواب عنه قد ظهر ممّا تقدّم .
الثاني : أ نّه لا ريب في عبادية الطهارات الثلاث ولزوم الاتيان بها بقصد التقرب وإلاّ لم تقع صحيحة ، ومن هنا لا تكون حالها حال بقية المقدمات في كون مطلق وجودها في الخارج مقدمة، وإنّما الاشكال والكلام في منشأ عباديتها، ولا يمكن أن يكون منشؤها الأوامر الغيرية المتعلقة بها، ضرورة أنّ تلك الأوامر أوامر توصلية لا تقتضي عبادية متعلقاتها ، أضف إلى ذلك : أنّ الأمر الغيري إنّما يتعلق بما يتوقف عليه الواجب ، والمفروض أنّ الطهارات الثلاث بعنوان كونها عبادة كذلك ، وعليه فالأمر الغيري المتعلق بها بطبيعة الحال يتعلق بعنوان أ نّها عبادة ، ومعه كيف يعقل أن يكون منشأ لعباديتها .
وأجاب عن هذا الوجه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1) بأنّ منشأ عباديتها إنّما هو الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بذواتها ، فإذن لا إشكال من هذه الناحية .

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 111 .

ــ[233]ــ

ولكن أورد عليه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) بوجوه :
الأوّل : أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) لو تمّ فانّما يتم في خصوص الوضوء والغسل حيث ثبت استحبابهما شرعاً، وأمّا التيمم فلا دليل على استحبابه في نفسه . فإذن يبقى الاشكال بالاضافة إليه بحاله .
وفيه: أ نّه يمكن استفادة استحباب التيمم من قوله (عليه السلام) «التراب أحد الطهورين»(2) بضميمة ما دلّ من الاطلاقات على استحباب الطهور في نفسه . فالنتيجة : أنّ التيمم بما أ نّه طهور فهو مستحب بمقتضى تلك الاطلاقات .
الثاني : أنّ الطهارات الثلاث بما أ نّها مقدمة متّصفة بالوجوب الغيري فعلاً ، ومعه لا يمكن بقاء الأمر النفسي المتعلق بها بحاله ، لوجود المضادة بينهما ، فلا بدّ عندئذ من الالتزام باندكاكه في ضمن الوجوب، فإذن كيف يمكن أن يكون منشأ لعباديتها .
وفيه : أنّ حال هذا المورد حال غيره من موارد الاستحباب التي عرض عليها الوجوب من ناحية نذر أو شبهه ، فكما أنّ في تلك الموارد يندكّ الأمر الاستحبابي في ضمن الأمر الوجوبي فيتحصل من ذلك أمر واحد وجوبي مؤكد [ فكذلك المقام ] ويكون ذلك الأمر الواحد أمراً عبادياً ، لأنّ كلاً منهما يكتسب من الآخر صفة بعد عدم إمكان بقاء كل منهما بحدّه الخاص . على أ نّه يكفي في عباديتها محبوبيتها في أنفسها وإن لم يبق أمرها الاستحبابي باطاره الخاص . أضف إلى ذلك : أ نّه لا اندكاك ولا تبدل في البين على ضوء نظريتنا من أ نّه لا فرق بين الوجوب والاستحباب إلاّ في جواز الترك وعدم جوازه ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 254 .
(2) الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمم ب21 ح1، ولكن فيه: «فإنّ التيمّم أحد الطهورين».

ــ[234]ــ

وعليه فعند عروض الوجوب يتبدل الجواز بعدمه .
وإن شئت قلت : إنّ الأمر الغيري إن تعلق بها بداعي أمرها الاستحبابي ، كان متعلق أحدهما غير ما تعلق به الآخر ، وإن تعلق بذواتها ، فعندئذ وإن كان متعلقهما واحداً إلاّ أ نّك عرفت أ نّه لا تنافي بينهما ولا يوجب زوال الاستحباب بالمرة .
الثالث : أنّ الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بها كثيراً ما يكون مغفولاً عنه ولا سيّما للعامي ، بل ربّما يكون الشخص معتقداً عدمه باجتهاد أو تقليد أو نحو ذلك ، ومع هذا يكون الاتيان بها بداعي التوصل بأمرها الغيري صحيحاً ، فلو كان منشأ عباديتها ذلك الأمر النفسي لم تقع صحيحة .
وقد أجاب في الكفاية (1) عن هذا الاشكال : بأنّ الأمر الغيري لا يدعو إلاّ إلى ما هو المقدمة ، والمفروض في المقام أنّ ما هو المقدمة عبارة عن الطهارات الثلاث المأمور بها بالأمر النفسي، فيكون قصد امتثال هذا الأمر النفسي حاصلاً ضمناً عند قصد امتثال الأمر الغيري وإن لم يلتفت المكلف إلى هذا الأمر تفصيلاً فضلاً عن قصده .
وفيه : أنّ ما أفاده (قدس سره) من الجواب غير تام ، والسبب في ذلك هو أنّ قصد الأمر النفسي لو كان مقوّماً للمقدمية لم يعقل تحققها مع الغفلة عنه رأساً ، مع أ نّه لا شبهة في تحقق الطهارات الثلاث مع القطع بعدم الأمر النفسي لها . على أنّ لازم ذلك هو الحكم بصحة صلاة الظهر إذا أتى المكلف بها بقصد أمرها الغـيري ومقدمةً لصلاة العصر مع الغفلة عن وجوبها في نفسـه ، وهو ضروري الفساد .

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 111 .

ــ[235]ــ

فالنتيجة : أ نّه لا يمكن التفصي عن هذا الاشكال بناءً على حصر عبادية الطهارات الثلاث بأوامرها النفسية ، بل إنّ لازم ذلك هو بطلان صلاة من يعتقد بعدم استحباب الوضوء في نفسه ، فإنّه إذا كان معتقداً بعدم استحبابه امتنع قصد امتثاله ولو ضمناً وارتكازاً ، وبدونه يقع الوضوء باطلاً فتبطل الصلاة ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به .
ثمّ إنّ شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) أجاب عن أصل الاشكال ، وحاصل ما أفاده (قدس سره) هو أ نّه لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الأمر الغيري والأمر النفسي الاستحبابي ليرد الاشكال على كل منهما، بل هناك منشأ ثالث وهو الموجب لعباديتها، بيان ذلك: أنّ الأمر النفسي المتعلق بالصلاة مثلاً كما ينحل إلى أجزائها فيتعلق بكل جزء منها أمر نفسي ضمني وهو الموجب لعباديته فلا يسقط إلاّ بقصد التقرب به ، فكذلك ينحل إلى شرائطها وقيودها ، فيتعلق بكل شرط منها أمر نفسي ضمني وهو الموجب لعباديته . فالنتيجة أنّ الموجب للعبادية في الأجزاء والشرائط واحد .
ثمّ أورد على نفسه : بأنّ لازم ذلك هو القول بعبادية الشرائط مطلقاً من دون فرق بين الطهارات الثلاث وغيرها ، لفرض أنّ الأمر النفسي تعلق بالجميع على نحو واحد ، فإذن ما هو الفارق بينها وبين غيرها من الشرائط . وأجاب عن ذلك : بأنّ الفارق بينهما هو أنّ الغرض من الطهارات الثلاث ـ وهو رفع الحدث ـ لايحصل إلاّ إذا أتى المكلف بها بقصد القربة دون غيرها من الشرائط ، ولا مانع من اختلاف الشرائط في هذه الناحية ، بل لا مانع من اختلاف الأجزاء كذلك في مرحلة الثبوت وإن لم يتفق ذلك في مرحلة الاثبات .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 255 .

ــ[236]ــ

ولنأخذ بالنقد عليه وهو ما ذكرناه في أوّل بحث مقدمة الواجب ، وحاصله : هو أنّ الأمر النفسي المتعلق بالصلاة مثلاً إنّما تعلق بأجزائها وتقيدها بشرائطها ، وأمّا نفس الشرائط والقيود فهي خارجة عن متعلق الأمر وإلاّ لم يبق فرق بين الجزء والشرط أصلاً . وعلى الجملة : فلا شـبهة في أنّ الشرائط خارجة عن متعلق الأمر ، ولذا قد يكون الشرط غير اختياري . على أ نّها لو كانت داخلة في متعلقه فكيف تتصف بالوجوب الغيري ، وقد تقدّم أ نّه لا مقتضي لاتصاف المقدمات الداخلية بالوجوب الغيري، فما أفاده (قدس سره) من التحقيق خاطئ جدّاً ولا واقع موضوعي له أصلاً .
والصحيح في المقام أن يقال : إنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث أحد أمرين على سبيل منع الخلو :
أحدهما : قصد امتثال الأمر النفسي المتعلق بها مع غفلة المكلف عن كونها مقدمة لواجب أو مع بنائه على عدم الاتيان به ، كاغتسال الجنب مثلاً مع غفلته عن إتيان الصلاة بعده أو مع قصده عدم الاتيان بها ، وهذا يتوقف على وجود الأمر النفسي ، وقد عرفت أ نّه موجود .
وثانيهما : قصد التوصل بها إلى الواجب ، فانّه أيضاً موجب لوقوع المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها شرعاً ، لما عرفت في بحث التعبدي والتوصلي من أ نّه يكفي في تحقق قصد القربة إتيان الفعل مضافاً به إلى المولى وإن لم يكن أمر في البين . وعليه فالآتي بالطهارات الثلاث بقصد التوصّل بها إلى الصلاة أو نحوها، فقد أوجد المقدمة في الخارج وإن لم يكن ملتفتاً إلى الأمر النفسي المتعلق بها وقاصداً لامتـثاله ، كما أنّ الآتي بها بقصد أمرها النفسي موجد للمقدمة وإن لم يكن ملتفتاً إلى المقدمية . وقد تحصل من ذلك : أنّ لزوم الاتيان بالطهارات الثلاث عبادة لم ينشأ من ناحية أمرها الغيري ، بل من ناحية كون المقدمة

ــ[237]ــ

عبادة ، سواء فيه القول بوجوب المقدمة والقول بعدم وجوبها .
وبكلمة اُخرى : أنّ مقدمية الطهارات الثلاث تنحل إلى ذوات الأفعال وقصد التقرب بها ، فإذا جاء المكلف بالأفعال في الخارج ولم يقصد بها التقرب إلى المولى فلم يوجد المقدمة خارجاً ، فلا تصح عندئذ العبادة المشروطة بها ، وأمّا إذا قصد بها التقرب ـ سواء أكان من ناحية قصد الأمر النفسي المتعلق بها ، أو من ناحية قصد التوصل بها إلى الواجب ـ فالمقدمة قد وجدت في الخارج ، ومعه تصحّ العبادة المشروطة بها ، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه . فالنتيجة : أنّ الأمر الغيري لا يعقل أن يكون منشأ لعباديتها .
وقد ظهر ممّا ذكرناه أمران :
الأوّل : أ نّه لا إشكال في صحة الاتيان بالوضوء والغسل بداعي أمرهما النفسي ومحبوبيتهما كذلك ، أو بداعي التوصل إلى الواجب النفسي قبل الوقت ، لما عرفت من أنّ إتيانهما كذلك لا يتوقف على عروض الوجوب الغيري عليهما ، كما أ نّه لا إشكال في الاكتفاء بهما بعد دخول الوقت ، لفرض أنّ المقدمة ـ وهي الوضوء والغسل العباديان ـ قد تحققت . وكذا لا إشكال في صحة التيمم بداعي أمره النفسي قبل دخول الوقت والاكتفاء به بعده إذا بقي موضوعه وهو عدم وجدان الماء ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى : أ نّه لا شبهة في صحة الاتيان بها ـ أي الطهارات الثلاث ـ بقصد التوصل إلى الواجب بعد الوقت ، وإنّما الكلام في صحة الاتيان بها بعده بقصد أمرها الاستحبابي ، لما قد يتوهم من اتصافها بالوجوب الغيري بعد دخول الوقت ، ولازمه اندكاك الأمر الاستحبابي النفسي في ضمن الأمر الوجوبي الغيري وعدم بقائه حتّى يكون داعياً للاتيان بها .

ــ[238]ــ

وأجاب عن ذلك السيِّد الطباطبائي(قدس سره) في عروته (1) بأ نّه لا مانع من اجتماع الوجوب الغيري والاستحباب النفسي في شيء واحد من جهتين بناءً على ما اختاره (قدس سره) من جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد من جهتين ، وبما أنّ في المقام الجهة متعددة ، فان جهة الوجوب الغيري وهي المقدمية غير جهة الاستحباب النفسي ـ وهي ذوات الأفعال ـ وعليه فلا مانع من اجتماعهما ، ولا يوجب ذلك اندكاك الاستحباب في الوجوب .
وغير خفي أن تعدد الجهة إنّما يجدى في جواز اجتماع الأمر والنهي إذا كانت الجهة تقييدية ، وأمّا إذا كانت تعليلية كما في المقام فلا أثر لتعددها أصلاً .
والصحيح في الجواب : هو ما أشرنا إليه في ضمن البحوث السالفة من أنّ عروض الوجوب الغيري على ما كان مستحباً في نفسه بناءً على نظريتنا لا يوجب اندكاك الاستحباب وتبدله بالوجوب ، بل هو باق على محبوبيته وملاكه الكامنين في الفعل ، وإنّما يرفع حدّه ـ وهو الترخيص في الترك ـ وعليه فإذا أتى المكلف بها بداعي المحبوبية فقد تحققت العبادة .
الثاني : أنّ المكلف إذا جاء بالطهارات الثلاث بداعي التوصل إلى الواجب النفسي وكان غافلاً عن محبوبيتها النفسية ثمّ بدا له في الاتيان بذلك الواجب ، فهل تقع الطهارات عندئذ عبادة ؟ فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ ذلك لا يكون مانعاً عن وقوعها عبادة ، أمّا بناءً على وجوب المقدمة مطلقاً فواضح ، وأمّا بناءً على عدم وجوبها كذلك كما هو المختار أو بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة، فهي وإن لم تتصف بالوجوب الغيري إلاّ أ نّك عرفت أنّ وقوعها عبادة لا يتوقف على وجوبها الغيري حيث يكفي في ذلك الاتيان بها بداعي التوصل

ـــــــــــــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1 : 169 المسألة [ 572 ] .

ــ[239]ــ

أو بداعي الأمر الاستحبابي النفسي ، والمفروض في المقام هو أنّ المكلف قد أتى بها بداعي التوصل .
فالنتيجة في نهاية الشوط هي : أنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث أحد أمرين على سبيل منع الخلو :
1 ـ قصد امتثال الأمر الاستحبابي النفسي .
2 ـ قصد التوصل بها إلى الواجب النفسي ، ولا صلة للأمر الغيري بعباديتها أصلاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net