شبهة الكعبي بانتفاء المباح - نتيجة الأبحاث السابقة 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4089


ــ[326]ــ
 

شبهة الكعبي بانتفاء المباح

وهذه الشبهة ترتكز على ركيزتين :
الاُولى : أنّ ترك الحرام في الخارج يتوقف على فعل من الأفعال الوجودية ، لاستحالة خلوّ المكلف من فعل ما ، وكون من الأكوان الاختيارية ، وعليه فإذا لم يشتغل بغير الحـرام وقع في الحـرام لا محالة . إذن كان الاشتغال بغير الحرام واجباً مقدمة لترك الحرام .
الثانية : أنّ الفعل الاختياري يحتاج في حدوثه وبقائه إلى المؤثر ، فلا يستغني الحادث في بقائه عن المؤثر كما لا يستغني عنه في حدوثه ، فالنتيجة على ضوء هاتين الركيزتين هي أنّ ترك الحرام حدوثاً وبقاءً متوقف على إيجاد غيره من الأفعال الاختيارية في الخارج . وبما أنّ إيجاده مقدمة لترك الحرام فيكون واجباً بوجوب مقدّمي ، إذن لا يمكن فرض مباح في الخارج . وهذا معنى القول بانتفاء المباح وانحصار الأفعال بالواجب والحرام .
ويرد عليه : أنّ الركيزة الثانية وإن كانت في غاية الصحة والمتانة كما سبق ، إلاّ أنّ الاُولى منهما واضحة البطلان ، والوجه في ذلك : هو أنّ ما ذكره الكعبي في هذه الركيزة إمّا مبتن على مانعية وجود أحد الضدّين عن الضدّ الآخر ، بدعوى أنّ فعل الحرام بما أ نّه مضاد لغيره من الأفعال الوجودية ، فلا محالة يتوقف تركه على فعل ما من تلك الأفعال من باب توقف عدم الشيء على وجود مانعه . وإمّا مبتن على دعوى الملازمة بين حرمة شيء ووجوب ضدّه .
ولكن كلا الأمرين واضح الفساد .

ــ[327]ــ

أمّا الأمر الأوّل : فقد تقدمت استحالة مانعية وجود أحد الضدّين عن الضدّ الآخر بصورة مفصّلة ، فلا يكون عدم الضد مستنداً إلى وجود ضدّه ، بل هو إما مستند إلى عدم مقتضيه ، أو إلى وجود المقتضي للضدّ الآخر . وعلى هذا فلا يكون ترك الحرام متوقفاً على فعل ما غير الحرام من الأفعال الوجودية ، بل يكفي في عدمه عدم إرادته وعدم الداعي إليه ، أو إرادة ايجاد فعل آخر . وكيف كان ، فلا يتوقف ترك الحرام على أحد تلك الأفعال . على أنّ الكبرى أيضاً غير ثابتة ، وهي وجوب مقدمة الواجب كما سبق .
وأمّا الأمر الثاني : فلما عرفت من أ نّه لا دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر .
نعم ، ربّما يمكن أن يعلم المكلف بأ نّه لو لم يأت بفعل ما غير الحرام لوقع في الحرام باختياره وإرادته ، فحينئذ وإن وجب الاتيـان به فراراً عن الوقوع في الحرام، إلاّ أنّ وجوبه عقلي لا شرعي كما تقدّم ، إذن فما أفاده الكعبي من انحصار الأفعال الاختيارية بالواجب والحرام لا يرجع إلى معنى محصّل . هذا تمام كلامنا في الضدّ الخاص .
ونتيجة جميع ما ذكرناه عدّة نقاط :
الاُولى : أنّ هذه المسألة من المسائل الاُصولية العقلية وليست من المسائل الفقهية ، ولا من المبادئ كما تقدّم .
الثانية : أنّ العلة التامة مركبة من أجزاء ثلاثة ، وهذه الأجـزاء تختلف من ناحية استناد وجود المعلول إليها واستناد عدمه إلى تلك الأجزاء ، فان وجوده مستند إلى الجميع في مرتبة واحدة فلا يمكن أن يستند إلى بعضها دون بعضها الآخر ، وهذا بخلاف عدمه ، فانّه عند عدم المقتضي أو الشرط لا يستند إلى وجود المانع كما عرفت .

ــ[328]ــ

الثالثة : أنّ كبرى كون عدم المانع من المقدمات مسلّمة ، إلاّ أنّ عدم أحد الضدّين ليس مقدمة لوجود الضدّ الآخر ، لما تقدّم من استحالة مانعية وجود أحد الضدّين للضدّ الآخر بالوجهـين السابقين : الدور والتفتيش عن حال المقتضيات ، وعدم إمكان فرض صورة يستند عدم الضد في تلك الصورة إلى وجود الضدّ الآخر .
الرابعة : أنّ المانع إنّما يكون متصفاً بالمانعية عند ثبوت المقتضي مع بقية الشرائط، ليزاحم المقتضي في تأثيره . وهذا معنى دخل عدمه في وجود المعلول .
الخامسة : إمكان ثبوت المقتضي لكل من الضدّين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر ، وقد عرفت أنّ هذا غير داخل في الكبرى المتسالم عليها ، وهي أنّ اقتضاء المحال محال ، خلافاً لشيخنا الاُستاذ (قدس سره) حيث إنّه قد أصرّ على استحالة ثبوت المقتضي لكل منهما ، وأنّ ذلك من مصاديق تلك الكبرى ، ولكن قد سـبق أنّ الأمر ليس كذلك ، فانّ تلك الكبرى إنّما تتحـقق في أحد موردين : 1 ـ اقتضاء شيء واحد بذاته أمرين متنافيين في الوجود . 2 ـ فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدّين بقيد الاجتماع والتقارن . والمقام ليس منهما في شيء .
السادسة : أنّ التقدم أو التأخر الرتبي يحتاج إلى ملاك وجودي كامن في صميم ذات الشيء لا في أمر خارج عنه ، دون المعية في الرتبة ، فانّه يكفي في تحققها عدم تحقق ملاك التقدم أو التأخر ، خلافاً لشيخنا المحقق (قدس سره) حيث قال : إنّ المعية في الرتبة أيضاً تحتاج إلى ملاك وجودي . وقد تقدّم فساده فلاحظ .
السابعة : أ نّه لا مقتضي لكون المتلازمين متوافقين في الحكم ، بل قد سبق أنّ ذلك لغو فلا يترتب عليه أثر شرعي أصلاً . نعم ، الذي لا يمكن هو اختلافهما

ــ[329]ــ

في الحكم كما مرّ .
الثامنة : أنّ قياس المسـاواة إنّما ينتج في المتقدم والمتأخر بالزمان ، فانّ ما كان متحداً مع المتقدم أو المتأخر زماناً متقدم أو متأخر لا محالة ، لا في المتقدم والمتأخر بالرتبة والطبع ، وسرّ ذلك : أنّ ملاك التقدم والتأخر في الأوّلين أمر خارج عن مقتضى ذاتهما ، وهو وقوعهما في الزمان المتقدم والمتأخر ، ومع قطع النظر عن ذلك فلايقتضي أحدهما بذاته التقدم على شيء آخر ولا الآخر التأخر، فانّ المتقدم والمتأخر بالذات نفس أجزاء الزمان وما يشبهها كالحركة ونحوها ، والحوادث الاُخر إنّما تتصف بهما بالعرض لا بالذات . ونتيجة ذلك : هي أنّ كل ما كان واقعاً في الزمان المتقدم واجد لملاك التقدم ، وكل ما كان واقعاً في الزمان المتأخر واجد لملاك التأخر ، وكل ما كان واقعاً في الزمان المقارن واجد لملاك التقارن من دون اختصـاص بحادث دون آخر . وملاك التقدم والتأخر في الأخيرين أمر راجع إلى مقتضى ذاتهما ، فكل ما كان في صميم ذاته من الوجود أو العدم اقتضاء التقدم على شيء أو التأخر متقدّم عليه أو متأخر لا محالة ، وكل ما لم يكن فيه اقتضاء كذلك فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر ولو كان في رتبة ما فيه الاقتضاء .
التاسعة : بطلان التفصيل بين الضدّ المعدوم والضدّ الموجود ، بتوقف وجود الأوّل على ارتفاع الثاني دون العكس . وقد عرفت أنّ منشأ هذا التفصيل توهم استغناء الباقي عن المؤثر . وقد تقدّم الكلام فيه مفصلاً فراجع .
العاشرة : بطلان ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من تسليم الدلالة على الملازمة بين الأمر بشيء والنهي عن ضدّه في النقيضين ، والمتقابلين بتقابل العدم والملكة ، بل في الضدّين اللذين لا ثالث لهما . وقد عرفت عدم الدلالة في الجميع .

ــ[330]ــ

الحادية عشرة : قد تقدّم أ نّه على تقدير تسليم الملازمة فيما إذا لم يكن للضدّين ثالث ، فلا بدّ من تسليمها فيما إذا كان لهما ثالث أيضاً ، لأنّ ملاك الدلالة كما مرّ وهو استلزام فعل الشيء لترك ضدّه، أمر يشترك فيه جميع الأضداد، فلا وجه للتفصيل بينهما كما عن شيخنا الاُستاذ (قدس سره) .
الثانية عشرة : أنّ ما ذهب إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح لا يرجع إلى معنى محصّل كما سبق .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net