الكلام في الضد العام - القول بأنّ الأمر بشيء عين النهي عن ضده العام 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4865


ــ[331]ــ
 

الضدّ العام

وأمّا الكلام في المقام الثاني وهو الضدّ العام ، فقد اختلفت كلماتهم في كيفية دلالة الأمر بالشيء على النهي عنه بعد الفراغ عن أصل الدلالة إلى ثلاثة أقوال:
الأوّل : أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام ، فالأمر بالصلاة مثلاً عين النهي عن تركها ، فقولنا : صلّ ، عين قولنا : لا تترك الصلاة.
الثاني: أنّ الأمر بالشيء يدل على النهي عنه بالتضمن، بدعوى أ نّه مركب من طلب الفعل والمنع من الترك ، فالمنع من الترك مأخوذ في مفهـوم الأمر ، فيكون دالاً عليه بالتضمن .
الثالث : أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عنه بالدلالة الالتزامية باللزوم البيّن بالمعنى الأخص ، أو البيّن بالمعنى الأعم .
أمّا القول الأوّل : فان اُريد من العينية في مقام الاثبات والدلالة ـ أعني بها أنّ الأمر بشيء والنهي عن تركه يدلاّن على معنى واحد ، وإنّما الاختلاف بينهما في التعبير فقط ـ فهذا ممّا لا إشكال فيه ، إذ من الواضح أ نّه لا مانع من إبراز معنى واحد بعبارات متعددة وألفاظ مختلفة ، فيبرزه تارةً بلفظ واُخرى بلفظ آخر وهكذا ، مثلاً يمكن إبراز كون الصلاة على ذمة المكلف مرّة بكلمة صلّ ، ومرّة اُخرى بكلمة: لاتترك الصلاة، بأن يكون المقصود من كلتا الكلمتين إبراز وجوبها وثبوتها في ذمة المكلف، لا أنّ المقصود من الكلمة الاُولى إبراز وجوب فعلها ومن الكلمة الثانية إبراز حرمة تركها لئلاّ تكون إحدى الكلمتين عين الاُخرى في الدلالة والكشف .

ــ[332]ــ

وهذا هو المقصود من الروايات الناهية عن ترك الصلاة . وليس المراد من النهي فيها النهي الحقيقي الناشئ من مفسدة إلزامية في متعلقه ، ولذلك لم يتوهم أحد حرمة ترك الصلاة وأنّ تاركها يستحق عقابين ، عقاباً لتركه الواجب ، وعقاباً لارتكابه الحرام .
وهذا التعبير ـ أعني به التعبير عن طلب شيء بالنهي عن تركه ـ أمر متعارف في الروايات في باب الواجبات والمستحبات وفي كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) فترى أ نّهم يعبّرون عن الاحتياط الواجب بقولهم : لا يترك الاحتياط . وعليه فمعنى أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه ، هو أ نّهما متحدان في جهة الدلالة والحكاية عن المعنى ، في مقابل ما إذا كانا متغايرين في تلك الجهة .
وعلى ضوء ذلك صحّ أن يقال : إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام بحسب المعنى والدلالة عليه . فان اُريد من العينية العينية بهذا المعنى ، فهي صحيحة ولا بأس بها ، ولكنّ الظاهر أنّ العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها كما لا يخفى .
وإن اُريد بها العينية في مقام الثبوت والواقع ـ أعني بها كون الأمر بشيء عين النهي عن تركه في ذلك المقام وبالعكس ـ فيرد عليه أ نّه إن اُريد من النهي عن الترك ، طلب تركه المنطبق على الفعل ، إذ قد يراد من النهي عن الشيء طلب تركه كما هو الحال في تروك الاحرام والصوم ، حيث يراد من النهي عن الأكل والشرب ومجامعة النساء والارتماس في الماء ولمس المرأة ولبس المخيط للرجال والتكحل والنظر إلى المرآة والمجادلة ، وغيرها ممّا يعتبر عدمه في صحة الاحرام ، طلب ترك هذه الاُمور ، فانّ هذا النهي لم ينشأ عن مبغوضية تلك الاُمور وقيام مفسدة إلزامية بها ، بل نشأ عن محبوبية تركها وقيام مصلحة إلزامية به ، وعليه لم يكن مثل هذا النهي نهياً حقيقياً ناشئاً عن مفسدة ملزمة

ــ[333]ــ

في متعلقه ، بل هو في الواقع أمر ولكن اُبرز بصورة النهي في الخارج .
إن اُريد ذلك ، فلا معنى له أصلاً ، وذلك لأنّ ترك الترك وإن كان مغايراً للفعل مفهوماً ، إلاّ أ نّه عينه مصداقاً وخارجاً ، لأ نّه عنوان انتزاعي له ، وليس له ما بازاء في الخارج ما عداه .
أو فقل : إنّ في عالم التحقق والوجود أحد شيئين لا ثالث لهما ، أحدهما الوجود ، والثاني العدم البديل له . وأمّا عدم العدم فهو لا يتجاوز حدّ الفرض والتقدير ، وليس له واقع في قبالهما وإلاّ لأمكن أن يكون في الواقع أعدام غير متناهية ، فانّ لكل شي عدماً ، ولعدمه عدم ، وهكذا إلى أن يذهب إلى ما لا نهاية له . نعم ، إنّه عنوان انتزاعي منطبق على الوجود ، وعليه فالقول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه في قوة القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي الأمر بذلك الشيء ، وهو قول لا معنى له أصلاً .
فالنتيجة : أ نّه لا يمكن أن يراد من النهي عن الترك طلب تركه ، لاستلزام ذلك النزاع في أنّ الأمر بالشيء يقتضي نفسه ، وهذا النزاع لا محصّل له أبداً .
وإن اُريد بالنهي عن الترك النهي الحقيقي الناشئ عن مبغـوضية متعلقه ، وقيام مفسدة ملزمة به ، فالنهي بهذا المعنى وإن كان أمراً معقولاً في نفسه ، إلاّ أ نّه لا يمكن أن يراد فيما نحن فيه ، وذلك لاستحالة أن يكون بغض الترك متحداً مع حبّ الفعل أو جزئه ، وذلك لاستحالة اتحاد الصفتين المتضادتين في الخارج .
وبعبارة واضحة : أ نّه لا شبهة في أنّ الأمر الحقيقي يباين النهي الحقيقي تبايناً ذاتياً ، فلا اشتراك بينهما لا في ناحية المبدأ ولا في ناحية الاعتبار ولا في ناحية المنتهى . أمّا من ناحية المبدأ ، فلأنّ الأمر تابع للمصلحة الإلزامية في متعلقه ، والنهي تابع للمفسدة الإلزامية فيه . وأمّا من ناحية الاعتبار ، فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ حقيقة الأمر ليست إلاّ اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف وإبرازه

ــ[334]ــ

في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو نحوها . وحقيقة النهي ليست إلاّ اعتبار المولى حرمة الفعل عليه وجعله محروماً عنه ، وإبرازه في الخارج بمبرز من صيغة النهي أو ما شـاكلها ، ومن الواضح أنّ أحد الاعتبارين أجنبي عن الاعتبار الآخر بالكلية . وأمّا من ناحية المنتهى ، فلأنّ الأمر يمتثل باتيان متعلقه والنهي يمتثل بترك متعلقه .
وعلى هذا الضوء فكيف يمكن القول بأنّ الأمر عين النهي ، فهل هو عينه في ناحية المبدأ أو في ناحية المنتهى أو في ناحية الاعتبار ، كل ذلك غير معقول . فالنتيجة إذن هي أنّ القول بالعينية قول لا محصّل له . ومن ذلك يظهر بطلان :




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net