صور تزاحم الواجبين - كون مسألة الترتب عقلية 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3000


الثاني : أنّ الواجبين المتزاحمين يتصوران على صور:
الاُولى: أنّ الواجبين الممتنع اجتماعهما في زمان واحد قد يكونان موسعين كالصلاة اليومية وصلاة الآيات في سعة وقتهما، أو الصلاة الأدائية مع القضاء على القول بالمواسعة، ونحو ذلك.

ــ[386]ــ

الثانية: أن يكون أحدهما موسعاً والآخر مضيقاً، وذلك كصلاة الظهر مثلاً وإزالة النجاسة عن المسجد، أو ما شاكل ذلك.
الثالثة: أن يكون كلاهما مضيقين، وذلك كالازالة والصلاة في آخر وقتها، بحيث لو اشتغل بالازالة لفاتته الصلاة.
أمّا الصورة الاُولى : فلا شبهة في أ نّها غير داخلة في كبرى باب التزاحم، لتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أيّة منافاة ومزاحمة، ويكون الأمر في كل واحد منهما فعلياً بلا تناف، ومن هنا لم يقع إشكال في ذلك من أحد فيما نعلم.
وأمّا الصورة الثانية : فقد ذهب شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) إلى أ نّها داخلة في مسألة التزاحم.
وغير خفي أنّ هذا منه (قدس سره) مبني على ما حققه في بحث التعبدي والتوصلي من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فكل مورد لا يكون قابلاً للتقييد لا يكون قابلاً للاطلاق، فإذا كان التقييد مستحيلاً في مورد كان الاطلاق أيضاً مسـتحيلاً فيه، لأنّ اسـتحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، وبما أنّ فيما نحن فيه تقييد إطلاق الواجب الموسّـع بخصوص الفرد المزاحم مستحيل، فاطلاقه بالاضافة إليه أيضاً مستحيل.
ويترتب على ذلك وقوع المزاحمة بين إطلاق الواجب الموسّع وخطاب الواجب المضيّق، فلا يمكن الجمع بينهما، إذ على تقدير فعلية خطاب الواجب المضيّق يستحيل إطلاق الواجب الموسّع بالاضافة إلى الفرد المزاحم، إذن لا بدّ إمّا أن ترفع اليد عن إطلاق الموسّع والتحفظ على فعلية خطاب المضيّق، وإمّا

ـــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أجود التقريرات 2: 23.

ــ[387]ــ

أن ترفع اليد عن خطاب المضيّق والتحفظ على إطلاق الموسّع.
فالنتيجة : أنّ هذا القسم داخل في محلّ النزاع كالقسم الثالث، غاية الأمر أنّ التزاحم في القسم الثالث بين نفس الخطابين والتكليفين، وفي هذا القسم بين إطلاق أحدهما وخطاب الآخر. وعلى هذا فان أثبتنا الأمر بالضدّين على نحو الترتب، نحكم بصحة الفرد المزاحم، وإلاّ فلا. نعم، بناءً على ما ذكره (قدس سره) (1) من اشتماله على الملاك صحّ الاتيان به من هذه الناحية أيضاً، من غير حاجة إلى الالتزام بصحة الترتب.
وأمّا بناءً على ما حققناه في ذلك البحث(2) ـ من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة، بل هو من تقابل التضاد، ومن هنا قلنا إنّ استحالة تقييد متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص تستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضرورياً ـ فتلك الصورة خارجة عن محلّ النزاع وغير داخلة في كبرى باب التزاحم.
والوجه في ذلك: ما ذكرناه غير مرّة من أنّ معنى الاطلاق هو رفض القيود وعدم دخل شيء منها في متعلق الحكم واقعاً، لا الجمع بينها ودخل الجميع فيه، وعليه فمعنى إطلاق الواجب الموسّع هو أنّ الواجب صرف وجوده الجامع بين المبدأ والمنتهى، وعدم دخل شيء من خصوصيات وتشخصات أفراده فيه، فالفرد غير المزاحم كالفرد المزاحم في عدم دخله في متعلق الوجوب وملاكه أصلاً، فهما من هذه الجهة على نسبة واحدة.
أو فقل: إنّ متعلق الحكم في الواقع إمّا مطلق بمعنى عدم دخل شيء من

ـــــــــــــــــــــ
(1) تقدّم في ص 371.
(2) راجع المجلّد الأوّل من هذا الكتاب ص 528، وتقدّم في ص 354.

ــ[388]ــ

الخصوصيات فيه واقعاً من الخصوصيات المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة، أو مقيّد بإحداها، فلا ثالث، لاستحالة الاهمال في الواقعيات، فالملتفت إلى هذه الخصوصيات والانقسامات إمّا أن يلاحظه مطلقاً بالاضافة إليها أو مقيّداً بها، لأنّ الاهمال في الواقع غير معقول، فلا يعقل أن يكون في الواقع لا مطلقاً ولا مقيداً. وعلى هذا فمعنى إطلاق الواجب المزبور هو عدم دخل شيء من تلك الخصوصيات فيه، بحيث لو تمكن المكلف من إيجاده في الخارج عارياً عن جميع الخصوصيات والمشخصات المزبورة لكان مجزئاً، لأ نّه أتى بالمأمور به في الخارج، وهذا معنى الاطلاق كما ذكرناه في بحث تعلّق الأوامر بالطبائع. ونتيجة ذلك هي أنّ الواجب الموسّع مطلق بالاضافة إلى الفرد المزاحم، كما هو مطلق بالاضافة إلى غيره من الأفراد.
وعلى ذلك الأساس، فلا تنافي بين إطلاق الموسّع وفعلية خطاب المضيق. ومن هنا ذكرنا سابقاً أ نّه لا منافاة بين وجوب الصلاة مثلاً في مجموع وقتها ـ وهو ما بين الزوال والمغرب ـ وبين وجوب واجب آخر كانقاذ الغريق أو إزالة النجاسة عن المسجد في بعض ذلك الوقت، إذ المفروض أنّ الوجوب تعلّق بصرف وجود الصلاة في مجموع هذه الأزمنة، لا في كل زمان من تلك الأزمنة لينافي وجوب واجب آخر في بعضها. فبالنتيجة: أ نّه لا مضادة ولا ممانعة بين إطلاق الموسّع ووجوب المضيّق أصلاً، ولذلك صحّ الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر المتعلق بصرف وجود الواجب، فلا حاجة عندئذ إلى القول بالترتب أصلاً، فإذن لا وجه لدخول هذا القسم في محلّ الكلام والنزاع. وقد تقدّم الحديث من هذه الناحية بصورة أوضح من ذلك فلا حاجة إلى الاعادة.
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا كان التزاحم بين واجبين مضيقين: أحدهما أهم من الآخر، فهي القدر المتيقن من مورد النزاع والكلام بين الأصحاب كما

ــ[389]ــ

هو ظاهر.
الثالث : أنّ مسألة الترتب من المسائل العقلية، فانّ البحث فيها عن الامكان والاستحالة بمعنى أنّ الأمر بالضدّين على نحو الترتب هل هو ممكن أم لا، ومن الواضح جداً أنّ الحاكم بالاستحالة والامكان هو العقل لا غيره، ولا دخل للفظ في ذلك أبداً.
الرابع : أنّ إمكان تعلّق الأمر بالضدّين على طريق الترتب كاف لوقوعه في الخارج، فلا يحتاج وقوعه إلى دليل آخر، والوجه في ذلك: هو أنّ تعلّق الأمر بالمتزاحمين فعلاً على وجه الاطلاق غير معقول، لأ نّه تكليف بما لا يطاق وهو محال، ضرورة استحالة الأمر بازالة النجاسة عن المسجد والصلاة معاً في آخر الوقت، بحيث لا يقدر المكلف إلاّ على إتيان إحداهما. ولكن هذا المحذور، أي لزوم التكليف بالمحال كما يندفع برفع اليد عن أصل الأمر بالواجب المهم، سواء أتى بالأهم أم لا، كذلك يندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر به، إذن يدور الأمر بين أن ترفع اليد عن أصل الأمر بالمهم على تقدير امتثال الأمر بالأهم، وعلى تقدير عصيانه، وأن ترفع اليد عن إطلاقه لا عن أصله، يعني على تقدير الامتثال لا على تقدير العصيان، ومن الواضح جدّاً أنّ المحذور في كل مورد إذا كان قابلاً للدفع برفع اليد عن إطلاق الأمر فلا موجب لرفع اليد عن أصله، فانّه بلا مقتض وهو غير جائز. وفي المقام بما أنّ المحذور المزبور يندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهم، فلا مقتضي لرفع اليد عن أصله أصلاً، إذ الضرورة تتقدر بقدرها وهي لا تقتضي أزيد من رفع اليد عن إطلاقه. وعليه فالالتزام بسقوط الأمر عنه رأساً بلا مقتض وسبب وهو غير ممكن.
وبتعبير ثان: أنّ المكلف لا يخلو من أن يكون عاصياً للأمر بالأهم أو مطيعاً له ولا ثالث، وسقوط الأمر بالمهم على الفرض الثاني وهو فرض إطاعة الأمر

ــ[390]ــ

بالأهم واضح، وإلاّ لزم المحذور المتقدم. وأمّا سقوطه على الفرض الأوّل وهو فرض عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه فهو بلا سبب يقتضيه، فان محذور لزوم التكليف بما لا يطاق يندفع بالالتزام بالسقوط على فرض الاطاعة والامتثال، فلا وجه للالتزام بسقوطه على الاطلاق.
وعلى الجملة: أنّ وقوع الترتب بعد الالتزام بامكانه لا يحتاج إلى دليل، فإذا بنينا على إمكانه فهو كاف في وقوعه، فمحط البحث في المسألة إنّما هو عن جهة إمكان الترتب واستحالته.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net