أدلة استحالة الترتب 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4081


ــ[439]ــ
 

أدلّة استحالة الترتّب ونقدها

الأوّل : ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نصّه:
قلت: ما هو ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك، فانّه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما، إلاّ أ نّه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بعدُ بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لتحقق ما هو شرط فعليته فرضاً.
لا يقال : نعم، لكنّه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلاّ الطلب بالأهم، ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.
فانّه يقال : استحالة طلب الضدّين ليست إلاّ لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته لا تختص بحال دون حال، وإلاّ لصحّ فيما علّق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب، مع أ نّه محال بلا ريب ولا إشكال.
إن قلت : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك، فانّ الطلب في كل منهما في الأوّل يطارد الآخر، بخلافه في الثاني فانّ الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم، فانّه يكون على تقدير عدم الاتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه وعدم عصيان أمره.

ــ[440]ــ

قلت : ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم، وهل يكون طرده له إلاّ من جهة فعليته ومضادّة متعلقه له (1). وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده، لطلبه مع تحققه على تقدير عدم الاتيان به وعصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين، مع أ نّه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم، فانّه على هذا الحال يكون طارداً لطلب الضد ـ كما كان في غير هذا الحال ـ فلا يكون له معه أصلاً بمجال (2).
أقول : ملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ اجتماع الأمر بالمهم والأمر بالأهم في زمان واحد كما هو المفروض في محل الكلام، يقتضي الجمع بينهما في ذلك الزمان، لما عرفت من أنّ نسبة الحكم إلى متعلقه نسبة المقتضي إلى مقتضاه في الخارج، وعلى هذا فكما أنّ الأمر بالأهم يقتضي ايجاد متعلقه في الزمان المزبور، فكذلك الأمر بالمهم يقتضي إيجاده فيه، لفرض كونه فعلياً في ذلك الزمان، إذ لا معنى لفعلية الأمر في زمان إلاّ اقتضاءه إيجاد متعلقه فيه خارجاً ودعوته إليه فعلاً، وعلى هذا فلا محالة يلزم من اجتماعهما في زمان واحد المطاردة بينهما في ذلك الزمان من جهة مضادة متعلقيهما في الوجود، مع أنّ الأمر بالمهم لو لم يقتض طرد الأهم فالأمر به لا محالة يقتضي طرد الأمر بالمهم، وهذا يكفي في استحالة طلبه.
وغير خفي أنّ صدور هذا الكلام منه (قدس سره) غريب، والوجه في ذلك: هو أ نّه لا يعقل أن يكون الأمر بالمهم طارداً للأمر بالأهم، بداهة أنّ طرده له

ـــــــــــــــــــــ
(1) [ في المصدر هكذا: ومضادّة متعلقه للأهم، والمفروض فعليته ومضادّة متعلقه له ].
(2) كفاية الاُصول: 134.

 
 

ــ[441]ــ

يبتني على أحد تقديرين لا ثالث لهما.
أحدهما: أن يكون الأمر بالمهم مطلقاً وفي عرض الأمر بالأهم، فحينئذ لا محالة تقع المطاردة بينهما من ناحية مضادة متعلقيهما، وعدم تمكن المكلف من الجمع بينهما.
الثاني: أن يكون الأمر به على تقدير تقييده بعصيان الأهم مقتضياً لعصيانه وتركه في الخارج، فعندئذ تقع المطاردة والمزاحمة بين الأمرين لا محالة باعتبار أنّ الأمر بالمهم يقتضي عصيان الأهم وترك متعلقه، والأمر بالأهم يقتضي هدم عصيانه ورفعه.
ولكن كلا التقديرين خلاف مفروض الكلام.
أمّا الأوّل: فواضح، لما عرفت من أنّ محل الكلام فيما إذا كان الأمر بالمهم مقيداً بحال ترك الأهم وعصيان أمره فلا يكون مطلقاً.
وأمّا الثاني: فلما تقدّم من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه في الخارج، وناظراً إليه رفعاً ووضعاً.
وعلى ضوء هذا فالأمر بالمهم بما أ نّه لا يكون مطلقاً، ولا يكون متعرضاً لحال موضوعه وهو عصيان الأهم، بل هو ثابت على تقدير تحقق موضوعه ووجوده، فيستحيل أن يكون طارداً للأمر بالأهم ومنافياً له، فانّه لا اقتضاء له بالاضافة إلى حالتي وجوده وعدمه، ومن الواضح جداً أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء.
أو فقل: إنّ اقتضاء الأمر بالمهم لاتيان متعلقه إنّما هو على تقدير ترك الأهم وعصيان أمره، واقتضاؤه على هذا التقدير لا ينافي اقتضاء الأمر بالأهم أصلاً، ولا يكون الاتيان بمتعلقه في هذا الحال مزاحماً بأيّ شيء، غاية ما في الباب أنّ

ــ[442]ــ

المكلف من جهة سوء سريرته عصى الأمر بالأهم ولم يعمل بمقتضاه، فلا يكون عصيانه مستنداً إلى مزاحمة الأمر بالمهم، كيف فانّ الأمر به قد تحقق في فرض عصيانه وتقدير وجوده، فلا يعقل أن يكون عصيانه مستنداً إليه، بل هو مستند إلى اختيار المكلف إيّاه، وعند ذلك ـ أي اختيار المكلف عصيانه وترك متعلقه ـ يتحقق الأمر بالمهم. وعليه فلا يمكن أن يكون مثل هذا الأمر طارداً ومزاحماً له، فالطرد من جانب الأمر بالمهم غير معقول، فإذن المطاردة من الجانبين غير متحققة.
وأمّا الطرد من جانب الأمر بالأهم فحسب فهو أيضاً غير متحقق، والوجه في ذلك: هو أنّ الأمر بالأهم إنّما يطارد الأمر بالمهم فيما إذا فرض كونه ناظراً إلى متعلقه ومستدعياً لهدمه، فحينئذ لا محالة يكون طارداً له باعتبار أ نّه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج، وذاك يقتضي هدمه، وبما أ نّه أهم فيطارده، ولكنّ الفرض أ نّه غير ناظر إليه، وإنّما هو ناظر إلى موضوعه ومقتض لرفعه.
وعلى هذا فلا تنافي بينهما أصلاً ليكون الأمر بالأهم طارداً للأمر بالمهم، إذ المفروض أنّ الأمر بالمهم لا يقتضي وجود موضوعه في الخارج وغير متعرض لحاله أصلاً لا وجوداً ولا عدماً، ومعه كيف يكون الأمر بالأهم طارداً له، بداهة أنّ الطرد لا يتصور إلاّ في مورد المزاحمة، ولا مزاحمة بين ما لا اقتضاء فيه بالاضافة إلى شيء أصلاً وما فيه اقتضاء بالاضافة إليه.
وقد تحصّل من ذلك: أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام لا يرجع إلى معنىً معقول.
نعم، ما أفاده (قدس سره) من أنّ استحالة طلب المحال لا تختص بحال دون حال متين جداً كما تعرضنا له آنفاً، إلاّ أ نّه أجنبي عن محل الكلام بالكلية.
الثاني : أيضاً ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك لفظه:

ــ[443]ــ

ثمّ إنّه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد، ولذا كان سيّدنا الاُستاذ (قدس سره) لا يلتزم به على ما هو ببالي وكنّا نورد به على الترتب وكان بصدد تصحيحه (1).
أقول : توضيح ما أفاده (قدس سره) هو أنّ غرضه من ذلك بيان نفي القول بالترتب بطريق الإن بتقريب: أ نّا لو سلّمنا أ نّه لا يلزم من فعلية خطاب المهم وخطاب الأهم في زمان واحد على نحو الترتب طلب الجمع بين متعلقيهما في الخارج، بل قلنا إنّ ترتب أحد الخطابين على عصيان الخطاب الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه يناقض طلب الجمع ويعانده، إلاّ أ نّه لا يمكن الالتزام بما هو لازم للقول بالترتب وهو تعدد العقاب عند ترك المكلف امتثال كلا الواجبين معاً ـ أعني الواجب الأهم والمهم ـ ضرورة أنّ العقاب على ما لا يقدر عليه المكلف قبيح بحكم العقل، وبما أنّ المفروض في المقام استحالة الجمع بين متعلقيهما خارجاً من جهة مضادتهما، فكيف يمكن العقاب على تركهما، أليس هذا من العقاب على ترك ما هو خارج عن قدرة المكلف واختياره.
وعلى هذا، فلا مناص من الالتزام بعدم تعدد العقاب وأنّ تارك الأهم والمهم معاً يستحق عقاباً واحداً، وهو العقاب على ترك الأهم دون ترك المهم، وهو يلازم انكار الترتب وعدم تعلق أمر مولوي إلزامي بالمهم، وإن كان في الخارج أمر إنشائي، فهو إرشاد إلى كونه واجداً للملاك والمحبوبية في هذه الحال، ضرورة أ نّه لا معنى للالتزام بوجود الأمر المولوي الالزامي وعدم ترتب استحقاق العقاب على مخالفته، لاستحالة تفكيك الأثر عن المؤثر.

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول: 136.

ــ[444]ــ

أو فقل: إنّ القائل بالترتب لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يلتزم بتعدد العقاب. وإمّا أن لا يلتزم به. فالأوّل يستلزم العقاب على أمر غير مقدور وهو محال. والثاني يستلزم انكار الترتب. فبالنتيجة أ نّه لا يمكن القول بالترتب أصلاً، بل لا مناص من الالتزام باستحالته من جهة استحالة ما يترتب عليه.
وغير خفي ما فيه من الخلط بين أن يكون العقاب على ترك الجمع بين الواجبين ـ أعني بهما الواجب الأهم والمهم ـ وأن يكون العقاب على الجمع في الترك، بمعنى أ نّه يعاقب على ترك كل منهما في حال ترك الآخر، فانّ المستحيل إنّما هو العقاب على الأوّل، حيث إنّ الجمع بينهما من جهة تضادهما في الخارج غير ممكن وخارج عن قدرة المكلف واختياره، فالعقاب على تركه لا محالة يكون عقاباً على أمر غير مقدور وهو محال، إلاّ أنّ القائل بالترتب لا يقول باستحقاق العقاب على ذلك ليقال إنّه محال، فانّ القائل به إنّما يقول باستحقاق العقاب على الفرض الثاني ـ وهو الجمع بين تركي الأهم والمهم خارجاً ـ وهو مقدور للمكلف، فلا يكون العقاب عليه عقاباً على غير مقدور.
والوجه في ذلك : هو أنّ الأمر في المقام لم يتعلّق بالجمع بينهما ليقال باستحالة العقاب على تركه من جهة استحالة طلب الجمع بينهما، بل الأمر تعلق بذات كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر، ولا يرتبط أحدهما بالآخر في مقام الجعل والتعلق، غاية الأمر قد وقعت المزاحمة بينهما في مقام الامتثال والفعلية، وبما أنّ المكلف لا يقدر على الجمع بينهما في مقام الامتثال قيّدنا فعلية الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه.
ونتيجة ذلك: هي أنّ الأهم مطلوب على وجه الاطلاق والمهم مطلوب في ظرف ترك الأهم وعصيانه، وقد سبق أنّ ذلك يناقض طلب الجمع ويعانده، لا أ نّه يستلزمه.

ــ[445]ــ

وعلى هذا، فكل منهما مقدور للمكلف على نحو الترتب، فانّه عند إعمال قدرته في فعل الأهم وامتثاله، لا أمر بالمهم، والمفروض أ نّه في هذا الحال قادر على فعل الأهم تكويناً وتشريعاً، وعندئذ لا يكون العقاب على تركه وعصيان أمره عقاباً على ما لا يقدر.
وأمّا مع عدم إعمالها فيه فلا مانع من إعمالها في فعل المهم، وحينئذ لو تركه وعصى أمره فلا مانع من العقاب عليه، إذ المفروض أ نّه مقدور في هذا الحال، وهذا معنى الجمع بين تركي الواجبين والعصيانين ـ ترك المهم عند ترك الأهم وعصيانه عند عصيانه ـ وحيث إنّه باختيار المكلف فيستحق عقابين، عقاباً على ترك الواجب الأهم وعقاباً على ترك الواجب المهم.
ومن ذلك يستبين أنّ الالتزام بجواز الترتب يستلزم الالتزام بجواز تعدد العقاب، ولا يلزم من الالتزام به ـ الترتب ـ كون العقاب عند مخالفة الأمرين من العقاب على أمر مستحيل، ضرورة أنّ معنى إمكان الترتب هو جواز تعلق الأمر بالأهم على وجه الاطلاق، وبالمهم مقيداً بعصيان الأهم، لفرض أ نّهما على هذا النحو مقدوران للمكلف، فإذا كانا مقدورين فلا محالة يستحق عقابين على تركهما في الخارج وعصيان الأمرين المتعلقين بهما، ولا يكون ذلك من العقاب على المحال، فانّ المحال وما لا يقدر عليه المكلف إنّما هو الجمع بين الضدّين في الخارج، لا الجمع بين تركيهما على نحو الترتب، فانّه بمكان من الوضوح، بداهة أنّ الانسان قادر على ترك القيام مثلاً عند تركه الجلوس أو بالعكس، وقادر على ترك إيجاد السواد مثلاً عند تركه إيجاد البياض وهكذا، وما لا يتمكن منه ولا يقدر عليه إنّما هو الجمع بين فعليهما خارجاً، فلا يقدر على إيجاد القيام عند وجود الجلوس، أو إيجاد السواد عند وجود البياض وهكذا. وسنبيّن إن شاء الله تعالى عند الفرق بين باب التزاحم والتعارض أنّ

ــ[446]ــ

التزاحـم يختص بالضدّين اللّذين لهما ثالث، وأمّا الضدّان اللّذان لا ثالث لهما فلا يمكن وقوع التزاحم بينهما، بل هما يدخلان في كبرى باب التعارض.
وعليه فمن الواضح جداً أنّ ترك كل من الضدّين لهما ثالث عند ترك الآخر مقدور، فلا مانع من العقاب عليه.
أو فقل: إنّ استحقاق العقاب على عصيان الأهم وتركه مورد تسالم من الكل، وإنّما الكلام في استحقاق العقاب على ترك المهم، مضافاً إلى استحقاق العقاب على ترك الأهم، ومن الضروري أنّ المهم في ظرف عصيان الأهم مقدور عقلاً وشرعاً، وإنّما لايكون مقدوراً في صورة واحدة وهي صورة الاتيان بالأهم ـ لا مطلقاً ـ وعليه فلا يكون العقاب على تركه محالاً.
والغفلة عن هذا أوجبت تخيل أ نّه على تقدير القول بامكان الترتب لا يمكن الالتزام بما هو لازمه من استحقاق عقوبتين في صورة مخالفة الأمرين، لأ نّه عقاب على ما لا يقدر عليه المكلف ـ وهو الجمع بين الضدّين ـ غافلاً عن أنّ القول بامكان الترتب يرتكز على أساس يناقض طلب الجمع ويعانده. وعليه فكيف يمكن أن يقال إنّ القول بامكانه يستلزم كون العقاب على تركه ـ الجمع ـ ليقال إنّه محال، فلا يمكن الالتزام به، بل القول به يستلزم كون العقاب على عصيان الأهم على وجه الاطلاق، وعلى عصيان المهم في ظرف عصيان الأهم ـ لا مطلقاً ـ والمفروض أنّ كلا العصيانين على هذا الشكل مقدور للمكلف، فيستحق عقابين عليهما، ولا يكون ذلك من العقاب على غير المقدور.
نعم، لو كان القول بالترتب مستلزماً لطلب الجمع لكان العقاب على مخالفته قبيحاً، إلاّ أ نّه على هذا لا يمكن الالتزام بأصل الترتب لتصل النوبة إلى التكلم عن إمكان الالتزام بما هو لازمه وعدم إمكانه به.
فالنتيجة قد أصبحت أنّ القول بامكان الترتب يستلزم ضرورة الالتزام

ــ[447]ــ

بتعدد العقاب في صورة مخالفة الأمرين، ولا يكون ذلك من العقاب على غير المقدور.
فما أفاده (قدس سره) من أنّ القائل بالترتب لا يمكن أن يلتزم بما هو لازم له ـ وهو تعدد العقاب ـ لا يرجع إلى معنىً معقول أصلاً، ومنشؤه غفلته (قدس سره) عن تصور حقيقة الترتب وما هو أساس إمكانه وجوازه، وإلاّ لم يقع في هذا الاشتباه، فان تعدّد العقاب فيما نحن فيه نظير تعدّده في الواجبات الكفائية، فان صدور واجب واحد من جميع المكلفين وإن كان مستحيلاً، إلاّ أنّ تركه عند ترك الباقين مقدور له فلا مانع من العقاب عليه.
بل يمكن أن يقال : إنّ تعدد العقاب في صورة مخالفة المكلف وتركه الواجب الأهم والمهم معاً من المرتكزات في الأذهان، مثلاً إذا فرض وقوع المزاحمة بين صلاة الفريضة في آخر الوقت وصلاة الآيات، بحيث لو اشتغل المكلف بصلاة الآيات لفاتته فريضة الوقت، فعندئذ لو عصى المكلف الأمر بالصلاة ولم يأت بها فلا محالة يدور أمره بين أن يأتي بصلاة الآيات وأن يتركها، ومن الواضح جداً أ نّه إذا تركها في هذا الحال فتشهد المرتكزات العرفية على أ نّه يستحقّ العقوبة عليه أيضاً، فانّ المانع بنظرهم عن الاتيان بها هو الاتيان بفريضة الوقت. وأمّا إذا ترك الفريضة فلا يجوز له أن يشتغل بفعل آخر ويترك الآيات، وبذلك نستكشف إمكان الترتب وإلاّ لم يكن هذا المعنى مرتكزاً في أذهانهم.
الثالث : أنّ القول بالترتب بما أ نّه يبتني على فعلية كلا الأمرين في زمان واحد ـ أعني بهما الأمر بالأهم والأمر بالمهم ـ فلا محالة يستلزم طلب الجمع والمحال، ضرورة أ نّه لا معنى لكون الأمرين فعليين في زمان واحد إلاّ اقتضاءهما إيجاد متعلقيهما في ذلك الزمان، وهذا معنى طلب الجمع والتكليف بالمحال، ومن الظاهر أنّ مثل هذا التكليف لا يمكن جعله.

ــ[448]ــ

والوجه في ذلك : هو أنّ الغرض الداعي إلى جعل التكليف واعتباره على ذمة المكلف ـ سواء أكان التكليف وجوبياً أو تحريمياً ـ جعل الداعي له ليحرّك عضلاته نحو الفعل وينبعث منه، ومن الواضح البيّن أنّ جعل الداعي له وإيجاده في نفسه لتحريك عضلاته إنّما يمكن فيما إذا كان الفعل في نفسه ممكناً، ولا يلزم من فرض وقوعه في الخارج أو لا وقوعه فيه محال، فإذا كان الفعل ممكناً بالامكان الوقوعي أمكن حصول الانبعاث له أو الانزجار من بعث المولى المتعلق به أو زجره عنه. وأمّا إذا كان الفعل ممتنعاً وخارجاً عن قدرة المكلف واختياره فلا يمكن حصول الانبعاث أو الانزجار له من بعثه أو زجره، فإذا لم يمكن حصوله استحال البعث أو الزجر، فانّ الغرض منه كما عرفت إمكان داعويته، فإذا استحالت استحال جعله، لكون جعله عندئذ لغواً صرفاً فلا يصدر من الحكيم، لاستحالة تكليف العاجز.
وتترتب على هذا استحالة فعلية كلا الأمرين المزبورين في زمان واحد كما هو مبنى الترتب، وذلك لأنّ معنى فعليتهما في زمان واحد هو أنّ كليهما يدعو فعلاً إلى إيجاد متعلقيهما في الخارج في ذلك الزمان، وإلاّ فلا معنى لكونهما فعليين، والحال أ نّك قد عرفت اسـتحالة جعل الداعي بجعل التكليف نحو المحال وما لا يقدر عليه المكلف، وبما أنّ الجمع بين متعلقيهما في الخارج في زمان واحد محال، فلا يمكن أن يكون كلاهما داعياً في ذلك الزمان، لاستحالة حصول الداعي للمكلف وانبعاثه عنهما في زمان واحد، إذن يسـتحيل جعل كليهما في هذا الحال، لما مرّ من أنّ استحالة داعوية التكليف تستلزم استحالة جعله.
فالنتيجة: استحالة القول بالترتب، وأنّ المجعول في الواقع هو الأمر بالأهم دون الأمر بالمهم.
والجواب عنه : يظهر ممّا تقدّم وملخصه: هو أ نّه لا يلزم من اجتماع الأمرين

ــ[449]ــ

في زمان واحد طلب الجمع، ليستحيل داعوية كل منهما لايجاد متعلقه في هذا الزمان، والوجه فيه: هو أنّ الأمر بالمهم بما أ نّه كان مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه خارجاً، فلا نظر له إلى عصيانه رفعاً ووضعاً، لما عرفت من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه أو عدمه، والأمر بالأهم بما أ نّه كان محفوظاً في هذا الحال فهو يقتضي هدم عصيانه ورفعه، باعتبار اقتضائه إيجاد متعلقه في الخارج، ومن الواضح أنّ الجمع بين ما لا اقتضاء فيه وما فيه الاقتضاء لا يستلزم طلب الجمع بل هو في طرف النقيض معه.
ومن هنا قلنا إنّه لو تمكن المكلف من الجمع بينهما خارجاً فلا يقعان على صفة المطلوبية، بل الواقع على هذه الصفة خصوص الواجب الأهم دون المهم، وبما أنّ المفروض قدرة المكلف على الاتيان بالمهم في ظرف ترك الأهم، فلا مانع من تعلق التكليف به على هذا التقدير وحصول الانبعاث منه، ضرورة أنّ المانع عن ذلك إنّما هو عدم قدرة المكلف عليه، وحيث إنّ المطلوب لم يكن عند اجتماع الطلبين هو الجمع بين متعلقيهما وحصول الانبعاث منهما معاً، فلا مانع منه أبداً.
وقد ذكرنا أنّ طلب الجمع إنّما يلزم على أحد تقادير [ ثلاثة ] لا رابع لها.
الأوّل: أن يكون كلا الخطابين على وجه الاطلاق.
الثاني: أن خطاب المهم على تقدير اشتراطه بعصيان خطاب الأهم يكون ناظراً إلى حال عصيانه وضعاً ورفعاً.
الثالث: أنّ الخطاب بالمهم مشروط باتيان الأهم، بأن يكونا مطلوبين على نحو الاجتماع في آن واحد، ومن المعلوم أنّ ما نحن فيه ليس من شيء منها.
أمّا أ نّه ليس من قبيل الأوّل فواضح، لفرض أنّ الأمر بالمهم مقيد بعصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً.

ــ[450]ــ

وأمّا أ نّه ليس من قبيل الثاني، فلمّا عرفت غير مرّة من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه في الخارج ويكون ناظراً إلى حاله وضعاً أو رفعاً.
وأمّا أ نّه ليس من قبيل الثالث فظاهر، بل هو في طرف النقيض معه، إذ المفروض في المقام أنّ الأمر بالمهم مقيد بعدم الاتيان بالأهم على عكس ذلك تماماً.
فالنتيجة على ضوء ذلك: أنّ مقتضى ـ بالفتح ـ مثل هذين الخطابين يستحيل أن يكون هو الجمع بين متعلقيهما، بداهة أنّ مقتضى ـ بالفتح ـ أحدهما رافع لموضوع الآخر وهادم له، إذن لا يلزم من اجتماع الخطابين في زمان واحد طلب الجمع، ليقال باستحالة ذلك وعدم إمكان الانبعاث عنهما. نعم، هو جمع بين الطلبين، لا طلب للجمع بين الضدّين.
وبذلك ظهر أنّ انبعاث المكلف عن كلا الأمرين في عرض واحد وإن كان لا يمكن، إلاّ أنّ انبعاثه عنهما على نحو الترتب لا مانع منه أصلاً، فانّه عند انبعاثه عن الأمر بالأهم لا بعث بالاضافة إلى المهم ليزاحمه في ذلك ويقتضي انبعاث المكلف نحوه، وعلى تقدير عدم انبعاثه عنه باختياره وإرادته لا مانع من انبعاثه عن الأمر بالمهم، بداهة أنّ المهم مقدور للمكلف في هذا الحال عقلاً وشرعاً، فإذا كان مقدوراً فلا مانع من تعلق الأمر به الموجب لانبعاث المكلف عنه نحو إيجاده، فهذا الوجه أيضاً لا يرجع إلى معنى محصّل.
وقد أجاب عنه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) بما ملخّصه: أنّ الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن كانا فعليين حال العصيان معاً، إلاّ أنّ اختلافهما في الرتبة أوجب عدم لزوم طلب الجمع من فعليتهما، لما عرفت من أنّ الأمر

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2: 85.

ــ[451]ــ

بالأهم في رتبة يقتضي هدم موضوع الأمر بالمهم وعدمه، وأمّا هو فلا يقتضي وضع موضوعه، وإنّما يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج على تقدير وجود موضوعه، وحيث إنّه لم يكن بين الأمرين اتحاد في الرتبة، يستحيل أن تقتضي فعليتهما طلب الجمع بين متعلقيهما.
ومن هنا قال: إنّ ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) من أنّ الأمر بالمهم مشروط بالعزم على عصيان الأمر بالأهم غير صحيح، فانّه على هذا لا يكون الأمر بالأهم رافعاً لموضوع الأمر بالمهم وهادماً له تشريعاً، فانّ الأمر بالأهم إنّما يقتضي عدم عصيانه، لا عدم العزم على عصيانه.
فالنتيجة أنّ ما أفاده (قدس سره) هنا أمران:
الأوّل: أنّ ملاك عدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، إنّما هو اختلافهما في الرتبة.
الثاني: أنّ ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) غير صحيح.
ولنأخذ بالمناقشة في كلا الأمرين:
أمّا الأمر الأوّل فيردّه أوّلاً : ما ذكرناه مراراً من أنّ الأحكام الشرعية ثابتة للموجودات الزمانية، ولا أثر لاختلافها في الرتبة، وعلى هذا فلا أثر لتقدم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم رتبة بعد ما كانا متقارنين زماناً، بل القول بالاستحالة أو الامكان يبتني على أنّ قضية اجتماع الأمرين في زمان هل هي طلب الجمع بين متعلقيهما في الخارج أم لا، ولا يفرق في ذلك بين كونهما مختلفين في الرتبة أم لا، ضرورة أنّ اختلافهما في الرتبة لا يوجب اختلافهما في الزمان، فانّ من الواضح أنّ المحال إنّما هو طلب الجمع بين الضدّين في الخارج لا في الرتبة، لما عرفت من أنّ التضاد والتماثل والتناقض وما شاكلها جميعاً من

ــ[452]ــ

صفات الموجودات الخارجية فلا تتصف الأشياء بتلك الصفات مع قطع النظر عن وجوداتها في الخارج.
ومن هنا قلنا إنّه لا مضادة ولا مناقضة في المرتبة أصلاً، ومن هنا جاز اجتماع الضدّين أو النقيضين في رتبة واحدة، كما جاز ارتفاعهما عنها. أمّا الأوّل، فلمّا حققناه من أنّ النقيضين وكذا الضدّين في مرتبة واحدة، وهذا معنى اجتماعهما في المرتبة. وأمّا الثاني، فلأنّ النقيضين قد ارتفعا من الماهيات من حيث هي، فانّها بما هي لا موجودة ولا معدومة.
فالنتيجة هي أ نّه لا يمكن القول بأنّ ملاك عدم لزوم طلب الجمع من فعلية الأمر بالأهم والأمر بالمهم معاً هو اختلافهما في الرتبة.
فالصحيح في الجواب: هو ما تقدّم من أنّ الملاك الرئيسي لعدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين هو تقييد الأمر بالمهم بعدم الاتيان بالأهم وعصيانه، وعدم تعرضه لحاله أصلاً كما تقدّم ذلك بشكل واضح.
وثانياً : ما سبق من أنّ الأمر بالأهم لا يتقدم على الأمر بالمهم رتبة، فانّ تقدّم شيء على آخر بالرتبة يحتاج إلى ملاك كامن في صميم ذات المتقدم، فلا يتعدّى منه إلى ما هو في مرتبته فضلاً عن غيره، ومن الواضح أ نّه لا ملاك لتقدّم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم.
ودعوى أنّ الأمر بالأهم مقدّم على عصيانه وعدم امتثاله الذي اُخذ في موضوع الأمر بالمهم، والمفروض أنّ الموضوع مقدّم على الحكم رتبة، فلازم ذلك تقدّم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم برتبتين، يدفعها ما أشرنا إليه من أنّ التقدّم أو التأخّر بالرتبة يحتاج إلى ملاك راجع إلى ذات الشيء وطبعه، وتقدّم الأمر بالأهم على عصيانه بملاك لايقتضي تقدّمه على ما هو متأخر عن العصيان رتبة كما لا يقتضي تقدمه على ما هو في مرتبته بعد ما كان الجميع متّحدة في

ــ[453]ــ

الزمان، وموجودات في زمان واحد، ومن هنا قلنا إنّ العلة مقدّمة على المعلول دون عدمه، مع أ نّه في مرتبته.
وأمّا الأمر الثاني : فيظهر فساده ممّا ذكرناه من أنّ ملاك استحالة الترتب وإمكانه هو لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، وعدم لزومه، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم أو بالعزم عليه، فانّه كما يقتضي هدم تقدير عصيانه يقتضي هدم تقدير العزم عليه أيضاً، فلا فرق بينهما من هذه الناحية. وعلى الجملة فملاك جواز الترتب على تقدير اشتراط الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم موجود بعينه في صورة اشتراطه بالعزم على عصيانه.
نعم، الذي يرد عليه هو أنّ العزم ليس بشرط، والوجه فيه: هو أنّ هذا الاشتراط قد ثبت بحكم العقل، ومن الواضح أنّ العقل لا يحكم إلاّ بثبوت الأمر بالمهم في ظرف عصيان الأمر بالأهم خارجاً وعدم الاتيان بمتعلقه.
وإن شئت فقل : إنّ مقتضى المزاحمة بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم هو سقوط إطلاق الأمر بالمهم حال العجز وعدم القدرة على امتثاله، وبقاؤه في حال القدرة على امتثاله، لعدم موجب لسقوطه حينئذ، ومقتضى ذلك هو اشتراط الأمر بالمهم بنفس العصيان الخارجي، لا بالعزم على عصيانه.
الرابع : أنّ العصيان الذي هو شرط لفعلية الأمر بالمهم، إن كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، فهو هادم لأساس الترتب، إذ الترتب عند القائل به مبتن على وجود كلا الأمرين ـ أعني بهما الأمر بالأهم والأمر بالمهم ـ في زمان واحد، ولكن في الفرض المزبور يسقط الأمر بالأهم، فانّ الأمر كما يسقط بالامتثال والاتيان بمتعلقه خارجاً، كذلك يسقط بالعصيان وعدم الاتيان به في الخارج.

ــ[454]ــ

وعلى هذا فلا يمكن فرض اجتماع الأمرين في زمان واحد، فانّ في زمان فعلية الأمر بالمهم قد سقط الأمر بالأهم من جهة العصيان، وفي زمان ثبوت الأمر بالأهم لا أمر بالمهم، لعدم تحقق شرطه، وقد تقدّم أنّ تعلق الأمر بالمهم بعد سقوط الأمر عن الأهم خارج عن محل الكلام ولا إشكال في جوازه، فان محل الكلام هو ما إذا كان كلا الأمرين فعلياً في زمن واحد، وهذا غير معقول مع فرض كون معصية الأمر بالأهم علة لسقوطه، إذ عندئذ لا ثبوت له حال العصيان ليجتمع مع الأمر بالمهم في ذلك الحال.
وأمّا إذا كان العصيان شرطاً على نحو الشرط المتأخر، أو كان وجوده الانتزاعي ـ وهو كون المكلف متصفاً بأ نّه يعصي فيما بعد ـ شرطاً في فعلية الأمر بالمهم، فلا محالة يلزم منه طلب الجمع بين الضدّين، وذلك لأنّ الأمر بالمهم يصير فعلياً في زمان عدم سقوط الأمر بالأهم، إذ المفروض أنّ العصيان شرط متأخر، أو أنّ الشرط في الحقيقة هو عنوان تعقبه بالعصيان المتأخر، وعلى كل حال فالأمر المتعلق به فعلي، كما أنّ الأمر بالأهم فعلي، وهو لم يسقط بعد، لأنّ مسقطه ـ وهو العصيان على الفرض ـ لم يتحقق، فإذن يتوجه إلى المكلف تكليفان فعليّان في زمان واحد، ولا محالة يقتضي كل منهما لايجاد متعلقه في الخارج في ذلك الزمان، ضرورة أ نّه لا معنى لفعلية تكليف إلاّ اقتضاؤه إيجاد متعلقه خارجاً ودعوته إليه فعلاً، وفي المقام بما أنّ كلاً من الأمر بالأهم والأمر بالمهم فعلي في زمن واحد، فلا محالة يدعو كل منهما إلى إيجاد متعلقه في ذاك الزمن، وهذا معنى لزوم طلب الجمع بين الضدّين.
وصفوة هذا الوجه : هي أنّ العصيان إن كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، فلا يمكن عندئذ فرض اجتماع الأمر بالمهم والأمر بالأهم في زمان واحد، لأنّ بتحقق العصيان خارجاً وإن صار الأمر بالمهم فعلياً، إلاّ

ــ[455]ــ

أ نّه في هذا الزمان يسقط الأمر بالأهم، فزمان ثبوت أحدهما هو زمان سقوط الآخر، فلا يمكن فرض اجتماعهما في زمان واحد.
وقد تقدّم أنّ هذا خارج عن محل الكلام في المسألة ولا إشكال في جوازه، فانّ ما كان محلاً للكلام هو ما إذا كان الأمران مجتمعين في زمان واحد، وأمّا إن كان شرطاً بنحو الشرط المتأخر، أو كان الشرط في الحقيقة هو عنوانه ـ العصيان ـ الانتزاعي المنتزع منه باعتبار وجوده في زمان متأخر، فحينئذ وإن كان الأمران مجتمعين في زمان واحد، إلاّ أنّ لازم اجتماعهما فيه هو طلب الجمع بين إيجاد متعلقيهما في الخارج، بداهة أ نّه لا معنى لتعلق التكليف بشيء إلاّ اقتضاؤه إيجاده خارجاً، وبما أ نّهما متضادان على الفرض فيلزم طلب الجمع بينهما، وهو محال. فالنتيجة: عدم إمكان القول بالترتب.
والجواب عن هذا الوجه على ضوء ما بيّناه واضح، وتفصيل ذلك: أنّ ما ذكر من أنّ العصيان إذا كان شرطاً متأخراً، أو كان الشرط عنواناً انتزاعياً من العصيان المتأخر في ظرفه فهو يستلزم طلب الجمع بين الضدّين، لفرض اجتماع الأمرين في زمان واحد، فيردّه:
أوّلاً : أنّ العصيان ليس بوجوده المتأخر ولا بعنوانه الانتزاعي شرطاً، بأن يكون الأمر بالمهم فعلياً لمن يعصي في زمان متأخر، لما سنبيّن إن شاء الله من أنّ العصيان شرط بوجوده الخارجي، وعليه فما لم يتحقق العصيان في الخارج لم يصر الأمر بالمهم فعلياً.
وثانياً : قد تقدّم أنّ اجتماع الأمرين في زمان واحد على نحو الترتب لايستلزم طلب الجمع، بل هو في طرف النقيض مع طلب الجمع ومعانده رأساً، والأصل في ذلك: ما سبق من أنّ طلب الجمع بين الضدّين إنّما يلزم على أحد التقادير المتقدمة، وقد مضى الكلام فيها بشكل واضح فلا حاجة إلى الاعادة وقلنا إنّ

ــ[456]ــ

ما نحن فيه ليس من شيء من تلك التقادير.
وممّا يشهد على ما ذكرنا: أ نّه إذا فرض فعلان في حد ذاتهما ممكني الجمع كقراءة القرآن والدخول في المسجد مثلاً، فمع ترتب الأمر بأحدهما على عدم الاتيان بالآخر لا يقعان على صفة المطلوبية عند جمع المكلف بينهما خارجاً، بداهة أنّ مطلوبية أحدهما إذا كانت مقـيدة بعدم الاتـيان بالآخر، فيستحيل وقوعهما معاً في الخارج على صفة المطلوبية. وهذا برهان قطعي على عدم مطلوبية الجمع.
ودعوى : أنّ عدم وقوعهما على صفة المطلوبية معاً هنا إنّما هو من جهة عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، فلو تمكن من ذلك فلا محالة يقعان على صفة المطلوبية، مدفوعة : بأنّ وقوعهما على هذه الصفة مع فرض بقاء تقييد الأمر بالمهم بعدم الاتيان بالأهم وعصيان أمره في هذا الحال غير معقول، بل الاتيان بالمهم عندئذ بقصد الأمر تشريع ومحرّم. وأمّا مع فرض ارتفاع التقييد في هذا الحال كما هو الصحيح ـ لأنّ التقييد من جهة المزاحمة بين التكليفين وعدم تمكن المكلف من الجمع بين متعلقيهما في مقام الامتثال، وأمّا مع فرض عدم المزاحمة وتمكن المكلف من الجمع بينهما في تلك المرحلة فلا تقييد في البين، ولا حكم للعقل به، لأ نّه إنّما يحكم به في صورة المزاحمة لا مطلقاً ـ فهو خارج عن محل الكلام، فانّ محل الكلام هو ما إذا لم يتمكن المكلف من الجمع بينهما، فانّه يوجب تقييد الواجب المهم بعدم الاتيان بالأهم بحكم العقل، وفي هذا الفرض لا يمكن وقوعهما على صفة المطلوبية كما سبق.
وأمّا ما ذكر من أنّ العصيان إذا كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن فلا يمكن فرض اجتماع الأمرين ـ الأمر بالأهم والأمر بالمهم ـ في زمان واحد، فهو يبتني على نقطة فاسدة وهي توهم أنّ العصيان مهما تحقق

ــ[457]ــ

ووجد في الخارج فهو مسقط للأمر، ولكن الشأن ليس كذلك، والوجه فيه: هو أ نّا إذا حلّلنا مسألة سقوط الأمر تحليلاً علمياً نرى أنّ الموجب لسقوطه أمران لا ثالث لهما:
الأوّل : امتثاله والاتيان بمتعلقه في الخارج، هذا باعتبار أنّ ذلك موجب لحصول الغرض منه، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الأمر معلول للغرض الداعي له حدوثاً وبقاءً، فمع تحقق الغرض في الخارج لا يعقل بقاء الأمر، وإلاّ لزم بقاء الأمر بلا غرض، وهو كبقاء المعلول بلا علة محال. فالنتيجة: أنّ الامتثال والاتيان بمتعلقه خارجاً إنّما يوجب سقوط الأمر باعتبار حصول الغرض بذلك وانتهاء أمد اقتضائه بوجود مقتضاه ـ المأمور به ـ في الخارج، لا أنّ الامتثال في نفسه يقتضي سقوط الأمر وعدمه، بداهة أنّ الامتثال معلول للأمر فلا يعقل أن يكون معدماً له، لاستحالة أن يكون وجود المعلول خارجاً علة لعدم وجود علته، ووجود المقتضى ـ بالفتح ـ علة لعدم مقتضيه.
وعلى الجملة: فامتثال الأمر والاتيان بمتعلقه خارجاً بما أ نّه يوجب حصول الغرض يكون مسقطاً له لا محالة، فانّ أمد اقتضائه لايجاد متعلقه خارجاً ينتهي بوجوده وتحققه في الخارج، وبعده لا اقتضاء له أبداً.
الثاني : امتناع الامتثال وعدم تمكن المكلف منه، فانّه يوجب سقوط الأمر لا محالة، لقبح توجيه التكليف نحو العاجز. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون عدم تمكن المكلف من ناحية ضيق الوقت أو من ناحية مانع آخر.
فالنتيجة قد أصبحت: أنّ الأمر بما أ نّه تابع للغرض الداعي له حدوثاً وبقاءً، فمع تحقق هذا الغرض ووجوده لا يعقل بقاء الأمر، وإلاّ لزم بقاء المعلول بلا علة، كما أ نّه مع امتناع حصول هذا الغرض في الخارج من جهة عدم تمكن المكلف من تحصيله، لعجزه عن الامتثال والاتيان بالمأمور به لا يعقل بقاء

ــ[458]ــ

الأمر. وأمّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا يعقل سقوط الأمر، بداهة أ نّه لا يسقط بلا سبب وموجب.
وأمّا العصيان بما هو عصيان فلا يعقل أن يكون مسقطاً للأمر، وذلك لما تقدّم من أنّ ثبوت الأمر في حال العصيان والامتثال أمر ضروري لا مناص من الالتزام به، وإلاّ فلا معنى للامتثال والعصيان، ضرورة أنّ الأمر لو سقط في حال الامتثال أو العصيان فلا أمر عندئذ ليمتثله المكلف أو يعصيه.
نعم، لو استمرّ العصيان إلى زمان لا يتمكن المكلف بعده من الامتثال لسقط الأمر لا محالة، ولكن لا من جهة العصيان بما هو، بل من جهة عدم قدرة المكلف عليه وعدم تمكنه منه، كما أنّ الامتثال إذا استمرّ إلى آخر جزء من الواجب لسقط الأمر من جهة حصول الغرض به.
وسرّ ذلك: هو ما عرفت من أ نّه لا موجب لسقوط التكليف إلاّ أحد الأمرين المزبورين، أعني بهما عجز المكلف عن امتثاله، وحصول الغرض منه.
وأمّا إذا كان المكلف متمكناً من الامتثال، ولكنّه عصى ولم يأت به في الآن الأوّل، فمن الواضح أنّ مجرد تركه في ذلك الآن وعدم الاتيان به فيه لا يوجب سقوطه مع تمكنه منه في الآن الثاني.
وعلى ضوء هذا يترتب أنّ التكليف بالأهم في محل الكلام لا يسقط بعصيانه في الآن الأوّل مع تمكن المكلف من امتثاله في الآن الثاني، والوجه في ذلك: هو أ نّه لا موجب لسقوط الأمر بالأهم في المقام ما عدا عجز المكلف عن امتثاله والاتيان بمتعلقه، والمفروض أنّ المكلف غير عاجز عنه، ضرورة أنّ فعل الشيء لا يصير ممتنعاً حال تركه، وكذا تركه حال فعله، إذ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا يوجب العجز وسلب القدرة عن الطرف بالبداهة، وعلى ذلك فالأهم مقدور للمكلف حال تركه كما كان مقدوراً حال فعله، وكذا هو مقدور

ــ[459]ــ

حال فعل المهم.
والأصل في هذا هو أنّ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر أو ترجيح فعل المهم في المقام على فعل الأهم باختيار المكلف وإرادته، فلا يعقل أن يكون ذلك موجباً لامتناع الطرف الآخر، وإلاّ لم يكن الشيء من الأوّل مقدوراً، وهذا خلف.
ونتيجة ذلك : هي أنّ الأمر بالأهم ثابت حال عصيانه وحال الاتيان بالمهم، غاية الأمر ثبوته في هذا الحال على وجهة نظرنا بالاطلاق، حيث قد ذكرنا غير مرّة أنّ الاهمال في الواقع غير معقول، فمتعلق الحكم في الواقع إمّا هو ملحوظ على وجه الاطلاق بالاضافة إلى جميع الخصوصيات حتّى الخصوصيات الثانوية، وإمّا هو ملحوظ على وجه التقييد بشيء منها ولا ثالث لهما. وعليه فإذا استحال أحدهما وجب الآخر، وحيث إنّ في المقام التقييد بالوجود والعدم محال، فالاطلاق واجب، وعلى وجهة نظر شيخنا الاُستاذ (قدس سره)(1) من جهة انحفاظ المؤثر في ظرف تأثيره واقتضائه هدم عصيانه.
وعلى هذا فالأمر بالأهم لا يسقط في ظرف عصيانه، فإذن يجتمع الأمران في زمان واحد ـ وهو زمان عصيان الأهم ـ أمّا الأمر بالمهم فلتحقق شرطه، وأمّا الأمر بالأهم فلعدم سقوطه بالعصيان.
نعم، لو كان الواجب الأهم آنياً لسقط الأمر به بالعصيان في الآن الأوّل، ولكن لا من ناحية أنّ العصيان مسقط له، بل من ناحية عدم تمكن المكلف من امتثاله والاتيان بمتعلقه خارجاً في الآن الثاني، لانتفائه بانتفاء موضوعه في ذلك الآن، وبعده لا يبقى مجال وموضوع للامتثال، وقد تقدّم ذلك سابقاً بشكل

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2: 72.

ــ[460]ــ

واضح، وقلنا هناك إنّ هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فانّ ما كان محلاً للكلام هنا هو ما لا يمكن إثبات الأمر بالمهم إلاّ بناءً على القول بالترتب، ومع الإغماض عنه يستحيل إثبات الأمر به، وفي هذا الفرض لا مانع من ذلك، فانّ المانع منه هو فعلية الأمر بالأهم، وبعد سقوطه عن الفعلية لا مانع من فعلية الأمر بالمهم أصلاً، وحيث إنّ المفروض هنا سقوط الأمر بالأهم في الآن الثاني بسقوط موضوعه ـ وهو القدرة ـ فلا محذور في تعلق الأمر بالمهم في ذلك الآن أصلاً.
نعم، إذا كان الواجب المهم أيضاً آنياً، فيدخل في محل النزاع ولا يمكن إثبات الأمر به عندئذ إلاّ بناءً على القول بالترتب كما سبق.
ومن هذا القبيل ما إذا كان الواجب الأهم مضيّقاً على نحو لو عصاه المكلف في جزء من وقته لفاته، ولا يتمكن بعده من الاتيان به وامتثاله لسقوطه بسقوط موضوعه، ضرورة أ نّه بعد مضي مقدار من الزمان الذي لا يتمكن المكلف بعده من الاتيان به يسقط أمره، لأجل امتناع تحصيل ملاكه وغرضه، لا لأجل مجرد عدم الفعل في الآن الأوّل وعصيانه فيه، ومثال ذلك هو ما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الصوم مثلاً ووجوب واجب آخر، فإذا ترك الصوم في جزء من الزمان فهو لا يتمكن من امتثال أمره بعد ذلك فيسقط وجوبه لا محالة.
ولعلّ المنكر للترتب تخيّل أوّلاً أنّ محل النزاع خصوص هذا الفرض، وتخيّل ثانياً أنّ سقوط الأمر فيه مستند إلى العصيان في الآن الأوّل لا إلى شيء آخر، وثالثاً أنّ الأمر غير ثابت في حال العصيان، فها هنا دعاوى ثلاث:
الاُولى: أنّ محل البحث في مسألة الترتب إنّما هو في أمثال هذا الفرض.
الثانية: أنّ سقوط الأمر فيه مستند إلى عدم الفعل في الآن الأوّل وعصيان

 
 

ــ[461]ــ

الأمر فيه، لا إلى شيء آخر.
الثالثة: أنّ الأمر ساقط في حال العصيان.
ولكن جميع هذه الدعاوى باطلة.
أمّا الدعوى الاُولى : فالأمر على عكسها ـ أعني به أنّ هذا الفرض وما يشبهه خارج عن محل الكلام في المقام ـ والوجه في ذلك: هو ما عرفت من أنّ محل الكلام هو ما إذا لم يمكن إثبات الأمر بالمهم إلاّ بناءً على القول بالترتب، وفي هذا الفرض يمكن إثبات الأمر به مع قطع النظر عنه، إذ المانع عن تعلق الأمر به هو فعلية الأمر بالأهم، وبعد سقوطه عن الفعلية لا مانع من تعلقه به أصلاً، وبما أنّ المفروض هنا سقوطه في الآن الثاني، فلا مانع من تعلق الأمر بالمهم فيه، لما تقدّم من أنّ صحة تعلق الأمر به بعد سقوط الأمر عن الأهم من الواضحات الأوّلية، وليس من محل النزاع في شيء.
وقد تحصّل من ذلك: أنّ الواجب الأهم إذ كان موقتاً على نحو يكون وقته مساوياً لفعله، فهو خارج عن محل البحث، لسقوط وجوبه في الآن الثاني بمجرد تركه خارجاً وعدم الاتيان به في الآن الأوّل.
وأمّا الدعوى الثانية : فلما عرفت من أنّ العصيان بنفسه لا يمكن أن يكون مسقطاً للأمر، وقد سبق أنّ المسقط له أحد الأمرين المزبورين ولا ثالث لهما هما: 1 ـ امتثاله الموجب لحصول الغرض والملاك الداعي له. 2 ـ وعجز المكلف عنه الموجب لامتناع حصوله. وأمّا مجرد ترك امتثاله في الآن الأوّل وعصيانه فيه مع تمكنه منه في الآن الثاني فلا يوجب سقوطه، ضرورة أنّ سقوطه عندئذ من دون موجب وعلة وهو محال.
وأمّا الدعوى الثالثة : فلما تقدّم من أنّ الأمر ثابت في حال العصيان،

ــ[462]ــ

ضرورة أ نّه لو لم يكن ثابتاً في آن العصيان فلا معنى لمخالفة المكلف وعصيانه إيّاه، فانّه لا أمر في هذا الآن ليعصيه، وقد سبق أنّ ثبوته بالاطلاق على وجهة نظرنا ومن جهة اقتضائه هدم عصيانه على وجهة نظر شيخنا الاُستاذ (قدس سره).
وقد تحصّل من مجموع ما ذكرناه هنا عدّة اُمور:
الأوّل : أنّ الواجب الأهم إذا كان آنياً أو كان على نحو يسقط أمره بمجرد عدم إتيانه في الآن الأوّل وعصيانه فيه بسقوط موضوعه ـ وهو القدرة ـ وكان الواجب المهم تدريجياً، فهو خارج عن محل البحث، لعدم توقف إثبات الأمر بالمهم على القول بالترتب كما مرّ.
الثاني : أنّ العصيان بأيّ نحو فرض لا يعقل أن يكون مسقطاً للأمر، نعم قد يوجب سقوطه من جهة سقوط موضوعه وعدم تمكن المكلف من امتثاله بعده.
الثالث : أنّ المسقط للأمر بقانون أ نّه تابع للغرض والملاك الداعي له حدوثاً وبقاءً إنّما هو أحد الأمرين المتقدمين، حصول الملاك والغرض في الخارج بالامتثال، وامتناع حصوله وتحققه فيه لعجز المكلف عنه.
الرابع : أنّ الامتثال لا يقتضي بذاته سقوط الأمر، بل اقتضاؤه ذلك باعتبار حصول غرضه وانتهاء أمد اقتضائه بوجود مقتضاه في الخارج.
الخامس : أنّ الشرط لفعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، بمعنى أ نّه ما لم يتحقق في الخارج لم يصر الأمر بالمهم فعلياً.
السادس : أنّ الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن اجتمعا على هذا في زمان واحد، إلاّ أنّ مقتضاهما ليس هو طلب الجمع بين متعلقيهما بل هو طلب التفريق

ــ[463]ــ

بينهما، كما حققناه بصورة مفصلة.
فالنتيجة على ضوء هذه الاُمور: هي بطلان الدليل المزبور وأ نّه لا مجال له أبداً.
إلى هنا قد تبين بطلان جميع أدلة استحالة الترتب وأ نّه لا يمكن تصديق شيء منها.
هذا تمام كلامنا في بحث الترتب جوازاً وامتناعاً، إمكاناً واستحالة.

بقي الكلام في أُمور :




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net