تنبيهات المقام \ 1 ـ الجهر موضع الاخفات والتمام موضع القصر 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2912


الأمر الأوّل

قد ذكرنا في آخر بحث البراءة والاشتغال أنّ حديث لا تعاد لا يختص بالناسي، بل يعمّ الجاهل القاصر أيضاً ولذلك قلنا بعدم وجوب الاعادة أو القضاء عند انكشاف الخلاف، خلافاً لشيخنا الاُستاذ (قدس سره) حيث قد استظهر اختصاصه بالناسي فلا يعمّ الجاهل (1). وقد ذكرنا هناك أنّ ما ذكره (قدس سره) في وجه ذلك غير تام، وتمام الكلام في بحث البراءة والاشتغال إن شاء الله تعالى.
وأمّا الجاهل المقصر فقد تسالم الأصحاب قديماً وحديثاً على عدم صحة عباداته، واستحقاقه العقاب على ترك الواقع ومخالفته، ووجوب الاعادة والقضاء عليه عند انكشاف الخلاف وظهوره، ولكن استثني من ذلك مسألتان.
الاُولى: مسألة الجهر والخفت.

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 3: 528.

ــ[464]ــ

الثانية: مسألة القصر والتمام، حيث ذهب المشهور إلى صحة الصلاة جهراً في موضع الاخفات وبالعكس، وصحة الصلاة تماماً في موضع القصر، وكذلك القصر في موضع التمام للمقيم عشرة أيام ـ لا مطلقاً ـ على المختار، كل ذلك في فرض الجهل ولو عن تقصير، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى: أنّ المشهور قد التزموا في تلك الموارد باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع وتركه، فمن صلّى جهراً في موضع الاخفات أو بالعكس، أو صلّى تماماً في موضع القصر استحقّ العقاب على ترك الواقع، مع الحكم بصحة ما أتى به.
ومن هنا وقع الاشكال في الجمع بين هاتين الناحيتين وأ نّه كيف يمكن الحكم بصحة المأتي به خارجاً وأ نّه مجزئ عن الواقع وعدم وجوب الاعادة مع بقاء الوقت، والحكم باستحقاق العقاب.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ المسألتين بحسب الفتاوى والنصوص ممّا لا إشكال فيهما أصلاً.
أمّا بحسب الفتاوى فقد تسالم الأصحاب عليهما.
وأمّا بحسب النصوص فقد وردت فيهما نصوص صحيحة قد دلّت على ذلك، وإنّما الكلام والاشكال في الجمع بين الناحيتين المزبورتين في مقام الثبوت والواقع، وقد تفصي عن ذلك بوجهين:
الأوّل : ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) (1) من الالتزام بالترتب في المقام، بتقريب أنّ الواجب على المكلف ابتداءً هو الصلاة جهراً مثلاً، وعلى تقدير تركه وعصيان أمره فالواجب هو الصلاة إخفاتاً أو بالعكس، أو أنّ الواجب عليه ابتداءً هو الصلاة قصراً، وعلى تقدير تركه فالواجب هو

ـــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغطاء: 27.

ــ[465]ــ

الصلاة تماماً، وبذلك دفع الاشكال المزبور وأ نّه لا منافاة عندئذ بين الحكم بصحة العبادة المأتي بها جهراً أو إخفاتاً وأ نّها مجزئة عن الواقع، وصحة العقاب على ترك الآخر.
وقد أورد عليه شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدس سره) بقوله: إنّا لا نعقل الترتب (1)، واكتفى بذلك ولم يبيّن وجهه.
وأورد عليه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (2) بأنّ قوله هذا مناقض لما ذهب إليه في تعارض الخبرين بناءً على السببية من الالتزام بالترتب هناك.
وإليك نص كلامه: إنّ الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة وعدم تساقطهما ليس لأجل شمول العموم اللفظي لأحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع، لأنّ ذلك غير ممكن كما تقدّم وجهه في بيان الشبهة... لكن لمّا كان امتـثال التكليف بالعمل بكل واحد منهما كسائر التكاليف الشرعية والعرفية مشروطاً بالقدرة، والمفروض أنّ كل واحد منهما مقدور في حال ترك الآخر وغير مقدور مع إيجاد الآخر، فكل منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه ويتعين فعله، ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلة وجوب الامتثال والعمل بكل منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة، وهذا ممّا يحكم به بداهة العقل، كما في كل واجبين اجتمعا على المكلف ولا مانع من تعيين كل منهما على المكلف بمقتضى دليله إلاّ تعيّن الآخر عليه كذلك.
والسرّ في ذلك: أ نّا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل،

ـــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2: 524.
(2) أجود التقريرات 2: 57.

ــ[466]ــ

لم يكن وجوب كل واحد منهما ثابتاً بمجرّد الامكان، ولزم كون وجوب كل منهما مشروطاً بعدم وجود الآخر، وهذا خلاف ما فرضنا من عدم تقييد كل منهما في مقام الامتثال بأزيد من الامكان، سواء كان وجوب كل منهما بأمر أو كان بأمر واحد يشمل الواجبين، وليس التخيير في القسم الأوّل لاستعمال الأمر في التخيير. والحاصل أ نّه إذا أمر الشارع بشيء واحد استقلّ العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقلي والشرعي، وإذا أمر بشيئين واتفق امتناع ايجادهما في الخارج استقلّ بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه، لأ نّها ممكنة فيقبح تركها، لكن هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببية، بأن يكون قيام الخبر على وجوب شيء واقعاً سبباً شرعياً لوجوبه ظاهراً على المكلف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببية فيه لاعمال الآخر كما في كل واجبين متزاحمين(1).
أقول : ما أورده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من المناقضة بين كلام الشيخ (قدس سره) في المقام، وما ذكره في بحث التعادل والترجيح متين جداً، فان كلامه هناك الذي نقلناه بألفاظه هنا ظاهر بل صريح في التزامه بالترتب، إذ لا معنى له إلاّ الالتزام بوجوب أحد الواجبين المتزاحمين عند ترك الآخر، بأن يرفع اليد عن إطلاق كل واحد منهما عند الاتيان بالآخر، لا عن أصله إذا كانا متساويين، وعن إطلاق واحد منهما إذا كان أحدهما أهم من الآخر.
ومن الواضح جداً أ نّه لا فرق في القول بالترتب بين أن يكون من طرف واحد كما تقدّم الكلام فيه مفصلاً، وأن يكون من الطرفين كما إذا كان كلاهما متساويين، فانّه عند ذلك بما أنّ المكلف لا يقدر على الجمع بينهما في الخارج فلا مانع من أن يكون الأمر بكل منهما مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر فهما ـ الترتب

ـــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2: 761.

ــ[467]ــ

من طرف واحد، ومن الطرفين ـ يشتركان في ملاك إمكان الترتب واستحالته، فان ملاك الامكان هو أنّ اجتماع الأمرين كذلك في زمان واحد لا يستلزم طلب الجمع، وملاك الاستحالة هو أنّ اجتماعهما كذلك يستلزم طلبه، والمفروض أنّ الأمرين مجتمعان في زمان واحد، لما عرفت من أنّ الأمر ثابت حالتي وجود متعلقه وعدمه فلا يسقط بمجرّد تركه، كما أ نّه لايسقط بصرف الاشتغال بالآخر. نعم، يسقط بعد الاتيان به، لفرض أنّ وجوب كل منهما مشروط بعدم الاتيان بالآخر، فلا محالة لا وجوب بعد الاتيان به، وعلى كل حال فهو (قدس سره) قد التزم بالترتب في تعارض الخبرين بناءً على السببية غافلاً عن كون هذا ترتباً مستحيلاً في نظره.
ومن هنا قلنا إنّ مسألة إمكان الترتب مسألة ارتكازية وجدانية، ولا مناص من الالتزام بها، ولذا قد يلتزم بها المنكر لها بشكل آخر وببيان ثان غافلاً عن كونه ترتباً، مع أ نّه هو في الواقع وبحسب التحليل.
وأمّا شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) فقد أورد على ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) في المسألة ـ صحّة الجهر في موضع الاخفات وبالعكس جهلاً ـ من ناحية اُخرى، ونحن وإن تعرضنا المسألة في آخر بحث البراءة والاشتغال ودفعنا الاشكال عنها من دون حاجة إلى الالتزام بالترتب فيها، إلاّ أنّ الكلام هنا يقع في الوجوه التي ذكرها شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في وجه عدم جريان الترتب فيها، وأ نّها ليست من صغريات كبرى مسألة الترتب، بيانها:
الأوّل : أنّ محل الكلام في جريان الترتب وعدم جريانه إنّما هو فيما إذا كان

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2: 91.

ــ[468]ــ

التضاد بين متعلقي الحكمين اتفاقياً، والوجه في ذلك: هو أنّ التضاد بين المتعلقين إنّما يوجب التزاحم بين الحكمـين فيما إذا كان من باب الاتفاق كالصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد وإنقاذ الغريقين وما شاكلهما بالاضافة إلى من لا يقدر على الجمع بينهما في عالم الوجود، ولذا لا تزاحم ولا تضاد بينهما بالاضافة إلى من يقدر على الجمع بينهما فيه. وأمّا إذا كان التضاد بينهما دائمياً بحيث لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الوجود أصلاً كالقيام والجلوس والسواد والبياض وما شابههما، فلا يمكن جعل الحكمين لهما معاً، لأنّ ذلك لغو صرف فلا يصدر من الحكيم.
نعم، يمكن جعلهما على نحو التخيير إلاّ أ نّه خارج عن محل الكلام، وعليه فلا محالة يدخلان في باب التعارض، لتنافيهما بحسب مقام الجعل.
وعلى هذا الأساس فحيث إنّ التضاد بين الجهر والاخفات دائمي فلا محالة كان دليل وجوب كل منهما معارضاً لدليل وجوب الآخر، فبذلك يخرجان عن باب التزاحم الذي هو الموضوع لبحث الترتب.
ويمكن المناقشة فيما أفاده (قدس سره) وذلك لأنّ ما ذكره من أنّ التضاد بين المتعلقين إذا كان دائمياً فيدخلان في باب التعارض، وإن كان متيناً جداً، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع عن جريان بحث الترتب فيهما إمكاناً واستحالة، فانّ ملاك إمكانه هو أنّ تعلق الأمرين بالضدّين على نحو الترتب لا يرجع إلى طلب الجمع بينهما في الخارج، وملاك استحالته هو أنّ ذلك يرجع إلى طلب الجمع بينهما فيه، ومن الواضح جدّاً أ نّه لا يفرق في ذلك بين أن يكون التضاد بينهما اتفاقياً أو دائمياً، ضرورة أنّ مرجع ذلك إن كان إلى طلب الجمع فهو محال على كلا التقديرين من دون فرق بينهما أصلاً، وإن لم يكن إلى طلب الجمع فهو جائز كذلك، إذ على هذا كما يجوز تعلق الأمر بالصلاة والازالة مثلاً على نحو الترتب، كذلك

ــ[469]ــ

يجوز تعلق الأمر بالقيام والقعود مثلاً على هذا النحو.
وعلى الجملة : فالمحال إنّما هو طلب الجمع، فكما يستحيل طلب الجمع بين القيام والقعود خارجاً، فكذلك يستحيل طلب الجمع بين الصلاة والازالة، وأمّا طلبهما على نحو الترتب الذي هو مناقض لطلب الجمع ومعاند له فلا مانع منه أصلاً.
فالنتيجة من ذلك: هي أنّ الترتب كما يجري بين الخطابين في مقام الفعلية والمزاحمة بتقييد فعلية خطاب المهم بعصيان خطاب الأهم وترك متعلقه، كذلك يجري بينهما في مقام الجعل والمعارضة بتقييد جعل أحد الحكمين المتعارضين بعصيان الحكم الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه على نحو القضية الحقيقية، وفي مسألتنا هذه لا مانع من جعل وجوب الجهر في موضع الخفت وبالعكس على نحو الترتب، بأن يكون الواجب على المكلف ابتداءً هو الاخفات مثلاً، وعلى تقدير عصيانه وتركه جهلاً يكون الواجب عليه هو الجهر أو بالعكس، وكذا الحال في موضع القصر والتمام، فانّ المجعول ابتداءً على المسافر هو وجوب القصر، وعلى تقدير تركه وعدم الاتيان به جهلاً يكون المجعول عليه هو وجوب التمام، ولا مانع من أن يؤخذ في موضوع أحد الخطابين عصيان الخطاب الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه في مقام الجعل أصلاً.
نعم، الترتب في مقام الجعل في هاتين المسألتين يمتاز عن الترتب في مقام الفعلية والامتثال في نقطتين:
الاُولى : أنّ المأخوذ في موضوع الخطابين فيهما عدم الاتيان بالآخر في حال الجهل لا مطلقاً، ولذا لو لم يأت المكلف بالصلاة جهراً في صورة العلم والعمد أو الصلاة قصراً فلم تجب عليه الصلاة إخفاتاً أو الصلاة تماماً بالترتب، فيختصّ القول بالترتب فيهما بحال الجهل.

ــ[470]ــ

الثانية : أنّ وقوع الترتب في مقام الجعل يحتاج إلى دليل، فلا يكفي إمكانه لوقوعه، وهذا بخلاف الترتب في مقام التزاحم والامتثال، فان إمكانه يُغني عن إقامة الدليل على وقوعه فيكون الوقوع على طبق القاعدة، لما عرفت سابقاً من أ نّه بناءً على إمكان الترتب كما هو المفروض، فالسـاقط إنّما هو إطلاق خطاب المهم دون أصله، لأنّ سقوط أصله بلا موجب وسبب، إذ الموجب له إنّما هو وقوع التزاحم بينه وبين خطاب الأهم، والمفروض أنّ التزاحم يرتفع برفع اليد عن إطلاق خطاب المهم. وعليه فلا بدّ من الاقتصار على ما يرتفع به التزاحم المزبور، وأمّا الزائد عليه فيستحيل سقوطه.
وعلى هذا يترتب بقاء خطاب المهم في ظرف عصيان خطاب الأهم وعدم الاتيان بمتعلقه، وهذا معنى أنّ وقوعه لا يحتاج إلى دليل، بل نفس ما دلّ على وجوب المهم كاف.
ولكن للشيخ الكبير (قدس سره) أن يدعي أنّ الدليل قد دلّ على وقوعه في المسألتين المزبورتين، وهو الروايات الصحاح الدالة على صحة الجهر في موضع الخفت وبالعكس، وصحة التمام في موضع القصر، وعليه فيتم ما أفاده (قدس سره) ثبوتاً وإثباتاً، ولا يرد عليه ما أورده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) فانّه لم يدّع الترتب في مقام التزاحم والفعلية ليرد عليه ما أورده، بل هو يدّعي الترتب في مقام الجعل، وقد عرفت أ نّه بمكان من الوضوح، غاية الأمر أنّ وقوعه يحتاج إلى دليل، وقد عرفت الدليل عليه ـ وهو الروايات المزبورة ـ فإذن يتمّ ما أفاده.
الثاني : ما أفـاده (قدس سره) من أنّ مورد بحث الترتب هو ما إذا كان خطاب المهم مترتباً على عصيان الخطاب بالأهم وترك متعلقه، ومن الواضح أنّ هذا إنّما يعقل فيما إذا لم يكن المهم ضروري الوجود في الخارج عند عصيان

ــ[471]ــ

الأهم وعدم الاتيان به، وإلاّ فلا يعقل تعلق الأمر به في هذا الحال، ضرورة استحالة تعلق الطلب بما هو ضروري الوجود في الخارج، كما أ نّه يستحيل تعلقه بما هو ممتنع الوجود فيه، وبذلك يظهر أنّ مورد البحث في المسألة إنّما هو في الضدّين اللذين لهما ثالث كالصلاة والازالة مثلاً، والقيام والقعود والسواد والبياض وما شاكلهما، فان وجود أحدهما لا يكون ضرورياً عند عصيان الآخر وتركه. وأمّا الضدّان اللذان لا ثالث لهما كالحركة والسكون وما شابههما، فلا يعقل جريان الترتب فيهما، لأنّ وجود أحدهما عند عصيان الآخر وتركه ضروري، فلا يكون قابلاً لأن يتعلق به الخطاب الترتبي، بداهة أنّ طلبه عندئذ يكون من قبيل طلب الحاصل.
وعلى الجملة: فإذا كان وجود الشيء ضرورياً على تقدير ترك الآخر كوجود الحركة مثلاً على تقدير ترك السكون أو بالعكس، لاستحال تعلق الأمر به على هذا التقدير، لأنّ قبل تحقق ذلك التقدير يستحيل كون الأمر المتعلق به فعلياً، لاستحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه وتحققه، وبعد تحققه يكون طلبه طلباً لايجاد الموجود وهو محال.
فقد تحصّل : أنّ طلب أحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما على تقدير ترك الآخر، طلب لما هو مفروض الوجود في الخارج وهو مستحيل، كما أ نّه يستحيل طلب الشيء على فرض وجوده أو عدمه فيه على ما سبق.
وبعد ذلك نقول : إنّ الجهر والاخفات في القراءة بما أ نّهما من الضدّين اللذين لا ثالث لهما، وكذا القصر والتمام، فانّ المكلف في حال القراءة لا يخلو من الجهر أو الاخفات، وكذا في حال الصلاة لا يخلو من القصر أو التمام، ولا ثالث في البين، فلا يعقل جريان الترتب فيهما، لفرض أنّ وجود أحدهما على تقدير ترك الآخر ضروري، وعليه فيستحيل تعلق الأمر بأحدهما في ظرف ترك

ــ[472]ــ

الآخر، لأ نّه طلب الحاصل، فلا يمكن أن يقال: إنّ الاخفات مأمور به على تقدير ترك الجهر أو بالعكس، أو التمام مأمور به على تقدير ترك القصر.
فالنتيجة من ذلك: هي أنّ هاتين المسألتين خارجتان عن موضوع الترتب رأساً.
وغير خفي أنّ ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من الكبرى، وهي اختصاص القول بجواز الترتب بما إذا كان للواجبين المتضادين ثالث، في غاية المتانة والصحة، والوجه فيه: ما عرفت في ضمن كلامه من أنّ وجود أحدهما إذا كان ضرورياً عند ترك الآخر فلا يعقل تعلق الأمر به في هذا الحال، إلاّ أنّ تلك الكبرى لا تنطبق على المسألتين المزبورتين وأ نّهما ليستا من صغرياتها ومصاديقها، وذلك لأنّ جعل محل الكلام في المسألتين من الضدّين اللذين لا ثالث لهما غير مطابق للواقع، ومبني على تخيل أنّ المأمور به هو نفس الجهر والاخفات في هذه المسألة، والقصر والتمام في تلك المسألة.
وعليه فالمكلف في حال القراءة لا محالة لا يخلو من الجهر أو الاخفات، كما أ نّه في حال الصلاة لا يخلو من القصر أو التمام. ولكنّه غفلة عن الواقع، وذلك لأنّ المأمور به في المسألة الاُولى إنّما هو القراءة الجهرية أو الاخفاتية، وفي المسألة الثانية إنّما هو الصلاة قصراً أو الصلاة تماماً، ومن الواضح جداً أ نّهما من الضدّين اللذين لهما ثالث، ضرورة أنّ القراءة الجهرية ليست ضرورية الوجود عند ترك القراءة الاخفاتية أو بالعكس، كما أنّ الصلاة تماماً ليست ضرورية الوجود عند ترك الصلاة قصراً، إذ المكلف عند ترك القراءة جهراً يمكن أن يأتي بها إخفاتاً ويمكن أن لا يأتي بها أصلاً، كما أ نّه عند ترك الصلاة قصراً يمكن أن يأتي بالصلاة تماماً ويمكن أن لا يأتي بها أبداً، وعلى هذا فلا مانع من تعلق الأمر بهما على نحو الترتب، بأن يكون الأمر باحداهما مشروطاً

ــ[473]ــ

بعصيان الأمر بالاُخرى وعدم الاتيان بمتعلقه.
نعم، لا واسطة بين الجهر والاخفات في ظرف وجود القراءة، كما أ نّه لا واسطة بين القصر والتمام في فرض وجود الصلاة، فانّ الصلاة إذا تحققت فلا محالة لا تخلو من كونها قصراً أو تماماً ولا ثالث لهما، كما أنّ القراءة إذا تحققت فلا تخلو من كونها جهرية أو إخفاتية. ولكن هذا ليس من محل الكلام في شيء ضرورة أنّ المأمور به كما عرفت ليس هو الجهر أو الاخفات بما هو، والقصر أو التمام كذلك، بل المأمور به هو القراءة الجهرية والقراءة الاخفاتية، والصلاة قصراً والصلاة تماماً، وقد عرفت أنّ بينهما واسطة فلا يكون وجود إحداهما ضرورياً عند ترك الاُخرى.
بل يمكن أن يقال: إنّ ما ذكره (قدس سره) لو تمّ فانّما يتم بالاضافة إلى مسألة الجهر والخفت، وأمّا بالنسبة إلى الاتمام والتقصير فالواسطة موجودة، فان معنى التقصير هو الاتيان بالتسليمة في الركعة الثانية، ومعنى الاتمام هو التسليم في الركعة الرابعة، ويمكن المكلف ترك كلا الأمرين كما هو واضح.
وقد تحصّل من ذلك: أنّ المسألتين داخلتان في موضوع بحث الترتب. فما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من أ نّهما من الضدّين اللذين ليس لهما ثالث مبني على غفلته عما ذكرناه، وتخيل أنّ المأمور به هو نفس الجهر والاخفات.
الثالث : ما ذكره (قدس سره) من أنّ الخطاب المترتب على عصيان خطاب آخر إنّما يكون فعلياً عند تحقق أمرين:
الأوّل : تنجز الخطاب المترتب عليه من ناحية وصوله إلى المكلف صغرىً وكبرىً. وقد ذكرنا في محلّه أنّ التكليف ما لم يصل إلى المكلف بحسب الصغرى والكبرى لا يكون محرّكاً له وموجباً لاستحقاق العقاب على مخالفته (1).

ـــــــــــــــــــــ
(1) راجع مصباح الاُصول 2: 76.

ــ[474]ــ

الثاني : عصيانه الذي هو الموضوع للخطاب المترتب. وقد ذكرنا غير مرّة أنّ فعلية الحكم بفعلية موضوعه، ويستحيل أن يكون الحكم فعلياً بدون فعلية موضوعه وتحققه في الخارج، وحيث إنّ المفروض فيما نحن فيه توقف صحة الصلاة مع القراءة الجهرية مثلاً على الجهل بوجوب الاخفات، فلا يمكن تحقق العصيان للتكليف بالاخفات ووجوبه ليتحقق موضوع وجوب الجهر، لأنّ التكليف الواقعي لا يتنجز مع الجهل به، وبدون التنجز لا يتحقق العصيان الذي اُخذ في موضوع وجوب الجهر.
وعلى هذا، فلا يتحقق شيء من الأمرين المزبورين، وبدون ذلك يستحيل فعلية الخطاب المترتب، فإذا استحالت فعليته استحال جعله أيضاً، لما ذكرناه من أنّ الغرض من جعل التكليف ـ سواء أكان وجوبياً أم تحريمياً ـ إنّما هو إيجاد الداعي للمكلف نحو الفعل أو الترك، ومن الواضح أ نّه إنّما يكون داعياً فيما إذا أمكن إحرازه صغرىً وكبرىً، وأمّا إذا لم يمكن إحرازه كذلك فيستحيل أن يكون داعياً.
ومن هنا قد ذكرنا في بحث البراءة (1) أنّ التكليف إذا لم يصل إلى المكلف صغرىً فلا يكون محرّكاً له بمجرّد وصوله كبرى، كما إذا علم بحرمة شرب الخمر مثلاً في الشريعة المقدسة، ولكن لم يعلم أنّ هذا المائع المعيّن خمر، فلا يكون مثل هذا العلم داعياً إلى ترك شرب هذا المائع، وكذا الحال فيما إذا كان التكليف واصلاً صغرىً، ولكنّه لم يصل كبرىً، كما إذا علم أنّ هذا المائع المعيّن خمر، ولكن لم يعلم حرمة شربه، فلا يكون مجرّد العلم بكونه خمراً مؤثراً في تركه.
ومن ذلك قلنا إنّه لا فرق في جريان البراءة بين الشبهات الحكمية والموضوعية،

ـــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2: 76.

ــ[475]ــ

فكما أ نّها تجري في الاُولى فكذلك تجري في الثانية، لأنّ ملاك الجريان فيهما واحد ـ وهو عدم العلم بالتكليف الفعلي ـ غاية الأمر أنّ جريانها في الاُولى مشروط بالفحص فلا تجري قبله، دون الثانية، وفي المقام بما أ نّه لا يمكن إحراز موضوع الخطاب المترتب ـ وهو عصيان الخطاب المترتب عليه ـ فلا يمكن جعله لأ نّه لغو فلا يصدر من الحكيم.
ثمّ أورد على نفسه: بأنّ المفروض في محل الكلام هو أنّ الجهل بالخطاب المترتب عليه ناشئ عن التقصير، فلا يكون مانعاً عن تنجز الخطاب المزبور، وحصول عصيانه الذي اُخذ في موضوع الخطاب المترتب، فانّ المانع عن ذلك إنّما هو الجهل عن قصور.
وأجاب عنه : بأنّ الخطاب الواقعي لا يكون منجّزاً وقابلاً للدعوة في ظرف الجهل، من دون فرق فيه بين كون الجهـل عن قصـور أو عن تقصير، وأمّا استحقاق العقاب فانّما هو على مخالفة الواقع في ظرف وجوب الاحتياط أو التعلم، والوجه فيه: ما ذكرناه في محلّه (1) من أنّ وجوب الاحتياط أو التعلم إنّما هو من باب تتميم الجعل الأوّل، فالعقاب على مخالفة الواقع هو بعينه العقاب على مخالفة إيجاب الاحتياط أو التعلّم وبالعكس. وعلى هذا يترتب أنّ استحقاق العقاب على تقدير مخالفة الحكم الواقعي في موارد وجوب الاحتياط أو التعلم لا يصحح إحراز العصيان، فانّ إحرازه يتوقف على وصول الحكم الواقعي بنفسه بالوجـدان أو بطريق معتبر من أمارة أو أصل محرز، ومن الواضح أ نّه ما لم يحرز العصيان لا وجداناً ولا تعبداً لا يكون الحكم المترتب عليه محرزاً أيضاً.
وبتعبير آخر : أنّ تعلق الأمر بالضدّين على نحو الترتب يبتني على أخذ

ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 3: 561.

ــ[476]ــ

عصيان الأمر المترتب عليه في موضوع الأمر المترتب، وهذا في محل الكلام غير معقول، فلا يمكن أخذ عصيان الأمر بالاخفات مثلاً في موضوع الأمر بالجهر، والوجه في ذلك: هو أنّ المكلف بالقراءة الاخفاتية لا يخلو من أن يكون عالماً بوجوب الاخفات عليه، أو يكون جاهلاً به ولا ثالث لهما. أمّا الفرض الأوّل فهو خارج عن محل الكلام، إذ المفروض فيه توقف صحة الجهر على الجهل بوجوب الاخفات، فلا يقع صحيحاً في صورة العلم بوجوبه بالضرورة. وأمّا على الفرض الثاني فعصيان وجوب الاخفات وإن كان متحققاً في الواقع، إلاّ أ نّه يستحيل جعله موضوعاً لوجوب الجهر في ظرف الجهل، لاستحالة جعل حكم على موضوع لا يمكن إحرازه أصلاً، فانّ المكلف إذا علم بعصيانه وجوب الاخفات ينقلب الموضوع فيصير الواجب عليه عندئذ هو الاخفات دون الجهر، وإذا كان جاهلاً به فلا يصل، وعليه فكيف يمكن أخذه في موضوع وجوب الجهر.
وإن شئت فقل : إنّ فعلية الخطاب المترتب تتوقف على توفير شروط:
الأوّل: أن يكون الخطاب المترتب عليه فعلياً ومنجّزاً.
الثاني: كون المكلف عاصياً له وغير آت به في الخارج.
الثالث: كونه عالماً بعصيانه، فعند توفر هذه الشروط الثلاثة يمكن القول بالترتب وبفعلية الخطاب المترتب، وإلاّ فلا يمكن القول به أبداً، فالموارد التي تجري فيها أصالة البراءة عن التكليف المجهول كما في الشبهات البدوية، تنتفي فيها الشروط الثلاثة معاً، ضرورة أ نّه مع جريان البراءة لا يتنجز التكليف الواقعي، ومع عدم تنجزه فلا عصيان فضلاً عن العلم به. وعليه فلا يمكن القول بالخطاب الترتبي في تلك الموارد، كما أ نّه في الموارد التي لا تجري فيها أصالة البراءة من جهة وصول التكليف الواقعي بطريقه وذلك كموارد الشبهات

ــ[477]ــ

قبل الفحص، والموارد التي اهتمّ الشارع بها، يمتنع جعل خطاب مترتب على عصيان التكليف الواقعي في تلك الموارد، فانّ التكليف الواقعي فيها وإن كان فعلياً ومنجّزاً إلاّ أنّ مجرد ذلك لا يجدي في صحة الخطاب بنحو الترتب، لانتفاء الشرطين الأخيرين فيها، أعني بهما تحقق العصيان، والعلم به.
والوجه فيه : ما عرفت من أنّ العصيان في تلك الموارد حقيقة إنّما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريقي ـ وهو وجوب الاحتياط أو التعلم ـ الواصل عند المصادفة للواقع دون الخطاب الواقعي المجهول، وكما أنّ في موارد العلم الاجمالي التي كان التكليف فيها معـلوماً إجمالاً وواصلاً به، وفعليته وعصيانه كانا متحققين واقعاً على تقدير تحقق المخالفة ومصادفة الاحتمال للواقع، فمع ذلك لا يمكن الالتزام بالترتب فيها، وجعل خطاب مترتب على عصيان التكليف الواقعي، وذلك لأنّ الشرط الأخير الذي اعتبر في صحة الخطاب الترتبي ـ أعني به العلم بتحقق العصيان الموجب لوصول الخطاب المترتب وتنجزه على المكلف ـ منتف في هذا الفرض.
والحاصل: أنّ المكلف إن لم يكن محرزاً للعصيان المترتب عليه خطاب آخر لم يتنجز عليه ذلك الخطاب، لعدم إحراز موضوعه ـ وهو العصيان ـ وإن كان محرزاً له فجعل الخطاب المترتب في مورده وإن كان صحيحاً ولا مانع منه أصلاً، إلاّ أ نّه خلاف مفروض الكلام في المقام، فانّ مفروض الكلام هو جعل خطاب آخر مترتباً على العصيان الواقعي للخطاب الأوّل في ظرف جهل المكلف به لا مطلقاً، ومن الواضح أنّ كل خطاب يستحيل وصوله إلى المكلف صغرىً أو كبرىً يستحيل جعله من المولى الحكيم.
وعلى ذلك يتفرع استحالة أخذ النسيان في موضوع خطاب، فانّ المكلف إن التفت إلى نسيانه انقلب الموضوع وخرج عن عنوان الناسي، وإن لم يلتفت

ــ[478]ــ

إليه لم يحرز التكليف المترتب عليه، فلا يمكن جعل مثل هذا التكليف الذي لا يعقل وصوله إلى المكلف أبداً. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) في المقام مع شيء من التوضيح.
أقول : ما ذكره (قدس سره) ينحل إلى عدّة نقاط:
الاُولى : أنّ فعلية الخطاب المترتب على عصيان الخطاب الآخر ترتكز على ركائز ثـلاث: 1 ـ فعلية ذلك الخطاب وتنجزه. 2 ـ عصيانه. 3 ـ العلم بعصيانه، وإلاّ فتستحيل فعلية الخطاب المترتب على ذلك.
وعلى ضوء تلك النقطة تترتب اُمور:
الأوّل: عدم إمكان جريان الترتب في محل الكلام وفي مسألة القصر والتمام، لعدم توفر الركيزة الثانية والثالثة فيهما ـ وهما تحقق العصيان في الواقع والعلم به ـ والعصيان وإن كان متحققاً في كلتا المسألتين، إلاّ أ نّه حقيقةً إنّما هو بالاضافة إلى الخطاب الطريقي الواصل عند المصادفة مع الواقع ـ وهو وجوب التعلم ـ لا على مخالفة الخطاب الواقعي المجهول.
الثاني: عدم إمكان جريانه في الشبهات البدوية التي تجري فيها أصالة البراءة عن التكليف المجهول، لعدم توفر شيء من الركائز المزبورة في تلك الشبهات كما هو واضح.
الثالث: أ نّه لا يمكن جعل خطاب مترتب على عصيان خطاب آخر في موارد الشبهات قبل الفحص، أو الموارد المهمة التي يجب الاحتياط فيها، لانتفاء الركيزة الثانية والثالثة فيهما ـ أعني بهما تحقق العصيان، والعلم به ـ وذلك لما عرفت من أنّ العصيان حقيقة إنّما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريقي الواصل عند مطابقته للواقع، دون الخطاب الواقعي المجهول.

ــ[479]ــ

الرابع: عدم إمكان جريانه في موارد العلم الاجمالي، لعدم توفر الركيزة الثالثة في تلك الموارد، وإن كانت الركيزة الاُولى والثانية متوفرتين فيها، فانّ التكليف المعلوم بالاجمال واصل إلى المكلف بالعلم الاجمالي، وعصيانه متحقق على تقدير تحقق المصادفة للواقع، وذلك لأنّ العلم بتحقق العصيان الموجب لوصول التكليف المترتب وتنجزه على المكلف منتف في هذا الفرض.
الثانية : أنّ العقاب فيما نحن فيه وفي الشبهات قبل الفحص وفي الموارد المهمة، إنّما يكون على مخالفة الوجوب الطريقي كوجوب التعلم أو الاحتياط المستلزمة لمخالفة الواقع، ومن هنا قلنا إنّ العصيان حقيقة إنّما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريقي الواصل عند المصادفة مع الواقع، دون الخطاب الواقعي المجهول.
الثالثة : أ نّه لا يمكن أخذ النسيان بشيء في موضوع حكم، لاستحالة كونه واصلاً إلى المكلف، وذلك لأنّ المكلف إن التفت إلى نسيانه خرج عن موضوع الناسي وصار ذاكراً، وإن لم يلتفت إليه لم يحرز التكليف المترتب عليه، فلا يمكن جعل مثل هذا الحكم الذي لا يمكن وصوله إلى المكلف صغرىً وكبرىً أبداً.
ولنأخذ بدراسة هذه النقاط:
أمّا النقطة الاُولى : فبناءً على ما أفاده (قدس سره) من أنّ المأخوذ في موضوع الخطاب المترتب هو عصيان الخطاب المترتب عليه، فهي في غاية الصحة والمتانة، ضرورة أ نّه على أساس تلك النقطة لا يمكن القول بالترتب في شيء من الموارد المزبورة كما عرفت. أمّا فيما نحن فيه وما شاكله فلانتفاء الركيزة الثالثة ـ وهي إحراز عصيان الخطاب المترتب عليه ـ لوضوح أنّ الأمر بالقراءة الجهرية إذا كان مشروطاً بعصيان الأمر بالقراءة الاخفاتية وبالعكس، ومع

ــ[480]ــ

ذلك كانت صحة كل واحدة منهما مشروطة بحال الجهل بوجوب الاُخرى، لم يمكن إحراز ذلك العصيان بما هو مأخوذ في الموضوع، وإلاّ لانقلب الموضوع. وأمّا في الموارد الثلاثة الأخيرة فأيضاً الأمر كذلك من جهة انتفاء تلك الركيزة فيها بعينها.
نعم، ما أفاده (قدس سره) من انتفاء الركيزة الثانية فيما عدا المورد الأخير، بدعوى أنّ استحقاق العقاب على عصيان الخطاب الطريقي الواصل عند المصادفة للواقع، لا على التكليف الواقعي المجهول، لا يمكن المساعدة عليه، لما سنبيّن في النقطة الآتية إن شاء الله تعالى. ولكن الالتزام بتلك النقطة، وهي لزوم تقييد فعلية الخطاب المترتب بعنوان عصيان الخطاب المترتب عليه، بلا ملزم وسبب، بل الأمر على خلاف ذلك. فهاهنا دعويان:
الاُولى: أ نّه لا ملزم للتقييد بخصوص العصيان.
الثانية: أ نّه لا بدّ من الالتزام بالتقييد بغيره.
أمّا الدعوى الاُولى : فلأنّ صحة القول بجواز الترتب لا تتوقف على ذلك أصلاً، فانّ الترتب كما يمكن تصحيحه بتقييد الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم، كذلك يمكن تقييده بعدم الاتيان بمتعلقه، فلا فرق بينهما من هذه الجهة أصلاً. إذن الالتزام بكون الشرط هو خصوص الأوّل دون الثاني بلا موجب وسبب، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى: أنّ صحة الترتب ـ أي تعلق الأمر بالمهم على نحو الترتب ـ لم ترد في آية أو رواية، ليقال إنّ الموضوع المأخوذ فيها هو عصيان الأمر بالأهم لا ترك متعلقه في الخارج.
وعلى هذا، فلا مانع من أن يكون الأمر بالقراءة الاخفاتية مثلاً مترتباً على

 
 

ــ[481]ــ

ترك القراءة الجهرية وبالعكس، والأمر بالصلاة تماماً مترتباً على ترك الصلاة قصراً، فانّ الترك قابل للاحراز من دون لزوم محذور انقلاب الموضوع.
فالنتيجة: أ نّه لا مانع من الالتزام بالترتب في هاتين المسألتين، فانّ المانع منه ليس إلاّ توهم أنّ الشرط خصوص العصيان، ولكن قد عرفت بطلانه وأنّ إمكان الترتب لا يتوقف على ذلك، فانّ مناط إمكانه هو عدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، ومن الواضح أ نّه لا يفرق في ذلك بين أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم أو بترك متعلقه في الخارج.
وأمّا الدعوى الثانية : فلأنّ الملاك الرئيسي لامكان الترتب وجوازه هو أنّ الواجب المهم في ظرف عدم الاتيان بالواجب الأهم وتركه في الخارج مقدور للمكلف عقلاً وشرعاً، فإذا كان مقدوراً في هذا الحال فلا يكون تعلق الأمر به على هذا التقدير قبيحاً، فانّ القبيح إنّما هو التكليف بالمحال وبغير المقدور، وهذا ليس من التكليف بغير المقدور.
ونتيجة ذلك: هي أنّ شرط تعلق الأمر بالمهم هو عدم الاتيان بالأهم وتركه خارجاً لا عصيانه، ضرورة أنّ إمكان الترتب ينبثق من هذا الاشتراط، سواء أكان ترك الأهم معصية أم لم يكن، وسواء أعلم المكلف بانطباق عنوان العصيان عليه أم لم يعلم، فانّ كل ذلك لا دخل له في إمكان الأمر بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم أصلاً، ولذا لو فرضنا في مورد لم يكن ترك الأهم معصية لعدم كون الأمر وجوبياً، لم يكن مانع من الالتزام بالترتب فيه.
ومن هنا قلنا بجريان الترتب في الأوامر الاستحبابية وعدم اختصاصه بالأوامر الالزامية.
وعلى الجملة : فتعلق الأمر بالمهم على الاطلاق في مقابل الأمر بالأهم

ــ[482]ــ

قبيح، لاستلزام ذلك طلب الجمع، وكذا تعلقه به في حال الاتيان بالأهم قبيح، لعين المحذور المزبور. وأمّا تعلقه به في حال عدم الاتيان به وترك امتثاله في الخارج فلا قبح فيه، ولازم ذلك هو كون الشرط لتعلق الأمر بالمهم ترك الأهم واقعاً وعدم الاتيان به خارجاً، كان تركه معصية أم لم يكن، كان المكلف محرزاً لانطباق عنوان المعصية عليه أم لم يحرز.
وأمّا العصيان بما هو مع قطع النظر عن تركه وعدم الاتيان به واقعاً، فلا يصلح أن يكون شرطاً له ومصححاً لتعلقه به، وأمّا مع انضمامه به فهو كالحجر في جنب الانسان، فانّ المصحح له واقعاً إنّما هو تركه خارجاً، بداهة أ نّه أساس إمكان الترتب ونقطة دائرة إمكانه، لما عرفت من استحالة تعلق الأمر به في غير تلك الحال.
وأمّا ما تكرر في كلماتنا من أنّ فعلية الأمر بالمهم مشروطة بعصيان الأمر بالأهم، فمن جهة أ نّه عنوان يمكن الاشارة به إلى ما هو شرط في الواقع ـ وهو ترك الأهم ـ غالباً، لا من ناحية أ نّه شرط واقعاً وله موضوعية في المقام. إذن فما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) هنا لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى صحيح أبداً.
وعلى هذا الأساس لا مانع من الالتزام بالترتب في هاتين المسألتين ودفع الاشكال المتقدم به، غاية الأمر أنّ الترتب فيهما حيث إنّه على خلاف القاعدة فيحتاج وقوعه إلى دليل، والدليل موجود هنا وهو الروايات الصحيحة الواردة فيهما (1)، وذلك لا ينافي دفع الاشكال بشكل آخر كما سيأتي بيانه إن شاء الله

ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 6: 86 / أبواب القراءة ب 26، الوسائل 8: 505 / أبواب صلاة المسافر ب 17.

ــ[483]ــ

تعالى. وعلى ضوء ما حققناه قد تبيّن أ نّه لا أصل للركيزة الثانية والثالثة ـ وهما عصيان الأمر بالأهم، والعلم بعصيانه ـ ولا دخل لهما في صحة الترتب أصلاً.
نعم، الذي ترتكز عليه صحة الترتب وجوازه هو ترك الاتيان بما تعلق الخطاب المترتب عليه به بما هو ترك، وإحراز ذلك الترك في الخارج.
وعلى هذا الأساس لا بدّ من التفصيل بين الموارد الثلاثة المتقدمة ـ أعني بها الشبهات البدوية والشبهات قبل الفحص، والموارد المهمة، وموارد العلم الاجمالي ـ بالالتزام بجريان الترتب فيما عدا الاُولى، وعدم جريانه فيها، فهاهنا دعويان:
الاُولى: عدم جريان الترتب في موارد الشبهات البدوية.
الثانية: جريانه فيما عداها.
أمّا الدعوى الاُولى: فهي في غاية الصحة والمتانة، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ التكليف الواقعي في الشبهات البدوية على تقدير ثبوته غير صالح لأن يكون مزاحماً لحكم من الأحكام، ومع هذا الحال لا موضوع للبحث عن الترتب.
وأمّا الدعوى الثانية: فلأنّ التكليف الواقعي في جميع تلك الموارد من جهة وصوله إلى المكلف بطريقه أو بعلم إجمالي صالح لأن يكون مزاحماً لتكليف آخر مضاد له، وعليه فلا مانع من الالتزام بالترتب فيها باعتبار أنّ التكليف الواقعي بعد تنجزه لا محالة يقتضي لزوم الاتيان بتلك المشتبهات في موارد الشبهات الوجوبية ووجوب الاجتناب عنها في موارد الشبهات التحريمية، وعندئذ لو كان هناك واجب آخر يزاحم لزوم الاتيان بها أو وجوب الاجتناب عنها، فلا مانع من الالتزام بوجوبه عند ترك ذلك، وهذا واضح.
وأمّا النقطة الثانية : فلا يمكن القول بها، والوجه في ذلك: هو أنّ العقاب

ــ[484]ــ

ليس على مخالفة الوجوب الطريقي الواصل المصادف للواقع، ضرورة أنّ مخالفة الوجوب الطريقي بما هو لا توجب العقاب، وفي صورة المصادفة للواقع ليس العقاب على مخالفته، بل إنّما هو على مخالفة الواقع، فانّه بعد تنجزه بوجوب الاحتياط أو التعلم فلا محالة توجب مخالفته استحقاق العقاب.
وعلى الجملة: فوجوب الاحتياط أو التعلم ليس وجوباً نفسياً على الفرض، لتستلزم مخالفته العقوبة، بل هو وجوب طريقي شأنه إحراز الواقع وتنجزه، وبعده لا محالة يكون العقاب على مخالفة الواقع بما هو لا على مخالفته، وضم مخالفته إلى مخالفة الواقع بالاضافة إلى استحقاق العقاب كالحجر في جنب الانسان، ضرورة أ نّه لا دخل له في العقاب أصلاً.
نعم، ما أفاده (قدس سره) من أنّ العقاب لا يمكن أن يكون على الواقع المجهول بما هو متين، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب أن لا يمكن العقاب عليه بعد إحرازه وتنجزه من جهة وجوب الاحتياط أو التعلم أيضاً. فما أفاده (قدس سره) هنا لا يلائم مذهبه من أنّ وجوب التعلم والاحتياط طريقي لا نفسي.
وأمّا النقطة الثالثة : وهي استحالة أخذ النسيان في موضوع الحكم، فهي في غاية الجودة والاستقامة، وقد تعرّضنا لها في الدورة السابقة في آخر بحث البراءة والاشتغال بصورة مفصّلة فلا حاجة إلى الاعادة هنا، ويأتي الكلام فيها في محلّها إن شاء الله تعالى(1).
الوجه الثاني : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نص كلامه:
قلت: إنّما حكم بالصحة لأجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء

ـــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2: 533.

ــ[485]ــ

في نفسها مهمة في حد ذاتها، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر، وإنّما لم يؤمر بها لأجل أ نّه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتم. وأمّا الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فانّها بلا فائدة، إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلاً مع تمكنه من التعلم فقد قصّر ولو علم بعده وقد وسع الوقت. فانقدح أ نّه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام، ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الاخفات، وإن كان الوقت باقياً.
إن قلت: على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت الواجب فعلاً، وما هو سـبب لتفويت الواجب كذلك حرام، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.
قلت: ليس سبباً لذلك، غايته أ نّه يكون مضاداً له، وقد حققنا في محلّه أنّ الضد وعدم ضدّه متلازمان ليس بينهما توقف أصلاً.
لا يقال: على هذا فلو صلّى تماماً أو صلّى إخفاتاً في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما لكانت صلاته صحيحة وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.
فانّه يقـال: لا بأس بالقـول به لو دلّ دليل على أ نّها تكون مشـتملة على المصلحة ولو مع العلم، لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل، ولا بعد أصلاً في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به كما لا يخفى (1).

ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول: 378.

ــ[486]ــ

أقول : ملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ الحكم بصحة الصلاة جهراً في موضع الاخفات وبالعكس، وصحة الصلاة تماماً في موضع القصر يبتني على أساس اشتمالهما على المصلحة الملزمة في نفسها، وبعد استيفائها لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة الاُخرى التي هي أهم من المصلحة الاُولى، لتضاد المصلحتين وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج. ثمّ إنّ اشتمالهما على تلك المصلحة الملزمة يختص بحالة الجهل بوجوب الواجب الواقعي، وأمّا في صورة العلم به فلا مصلحة لهما أبداً، ولا بعد في ذلك، ضرورة أنّ الأشياء تختلف من حيث وجدانها المصلحة أو عدم وجدانها لها باختلاف الحالات والأزمان، وهذا واضح.
ويتفرّع على ذلك عدم وجوب الاعادة ولو مع بقاء الوقت وتمكن المكلف منها، لعدم مشروعيتها بعد استيفاء المصلحة المزبورة في ضمن الصلاة تماماً والصلاة جهراً مثلاً، وقد حققنا في محلّه أنّ عدم الضد ليس مقدمة للضد الآخر ليكون فعله منهياً عنه فيكون فاسداً. وأمّا الحكم باستحقاقه العقوبة مع تمكنه من الاعادة في الوقت فمن ناحية تقصيره، وعدم فائدة الاعادة.
وقد أجبنا عن ذلك في آخر بحث البراءة والاشتغال وملخصه: أنّ المضادة بين الأفعال الخارجية وإن كانت معقولة وواقعة في الخارج بالبداهة، كالمضادة بين القيام والقعود والحركة والسكون وما شاكلهما، وأمّا المضادة بين الملاكات الواقعية القائمة بالأفعال الخارجية بما هي مع قطع النظر عن التضاد بين تلك الأفعال ففي غاية البعد، بل تكاد تلحق بالمحال، ضرورة أ نّه لا يعقل التضاد بين المصلحتين مع إمكان الجمع بين الفعلين، فإذا فرضنا أنّ في كل من صلاتي الجهر والاخفات مصلحة تامة، أو في كل من صلاتي التمام والقصر مصلحة كذلك، وكان المكلف متمكناً من الجمع بينهما خارجاً، فلا نعقل التضاد بين المصلحتين بحيث لايتمكن المكلف من الجمع بينهما خارجاً واسـتيفائهما معاً. فما أفاده

ــ[487]ــ

(قدس سره) من التضاد بين المصلحتين وعدم إمكان استيفائهما معاً لا نعقل له معنىً محصلاً أصلاً.
أضف إلى ذلك: أنّ المصلحتين المفروضتين القائمة إحداهما بطبيعي الصلاة والاُخرى بخصوص القصر أو الاخفات مثلاً لا تخلوان من أن تكونا ارتباطيتين أو تكونا استقلاليتين ولا ثالث لهما.
فعلى الأوّل لا يمكن الحكم بصحة الصلاة تماماً في موضع القصر والصلاة جهراً في موضع الخفت وبالعكس، لفرض أنّ المصلحتين ارتباطيتان، ومع عدم حصول المصلحة الثانية لا يكفي حصول الاُولى.
وعلى الثاني يلزم تعدد الواجب بأن يكون القصر مثلاً أو الجهر أو الاخفات واجباً في واجب، وهو طبيعي الصلاة مع قطع النظر عن أيّة خصوصية من هذه الخصوصيات، باعتبار كونها مشتملة على مصلحة إلزامية في حال الجهل بتلك الخصوصيات، ولازم ذلك هو تعدد العقاب عند ترك الصلاة على الاطلاق وعدم الاتيان بها أبداً، لا تماماً ولا قصراً لا جهراً ولا إخفاتاً، وهو خلاف الضرورة كما لا يخفى.
فالصحيح هو ما ذكرناه في محلّه وحاصله: أ نّه لا يمكن المساعدة على ما هو المشهور بين الأصحاب من الجمع بين الحكم بصحة الجهر في موضع الخفت وبالعكس وصحة التمام في موضع القصر، وبين الحكم باستحقاق العقاب على ترك الواجب الواقعي.
والوجه في ذلك: هو أنّ الجاهل بوجوب القصر والاخفات مثلاً لو صلّى قصراً أو اخفاتاً وتحقق منه قصد القربة في حال الاتيان به، فلا يخلو الأمر من أن يحكم بفساد صلاته هذه ووجوب الاعادة عليه عند انكشاف الحال وارتفاع الجهل، أو يحكم بصحتها وعدم وجوب الاعادة عليه ولا ثالث في البين.

ــ[488]ــ

أمّا على الأوّل، فلا شبهة في أن مقتضاه هو أنّ الصلاة تماماً أو جهراً هو الواجب على المكلف تعييناً في الواقع عند جهل المكلف بالحال، وعلى هذا فلا معنى لاستحقاق العقاب على ترك القصر أو الاخفات، ضرورة أنّ القصر أو الاخفات لا يكون واجباً في هذا الحال على الفرض، ليستحقّ العقاب على تركه، ودعوى الاجماع عليه في هذا الفرض من الغرائب كما لا يخفى. على أنّ استحقاق العقاب ليس من الأحكام الشرعية ليمكن دعوى الاجماع عليه. هذا مع أنّ كلمات كثير من الأصحاب خالية عن ذلك.
وأمّا على الثاني، فلا شبهة في أنّ الحكم في الواقع حينئذ يكون هو التخيير بين الجهر والاخـفات والقصر والتمام، ولازم ذلك أن يكـون الاتـيان بالقصر أو الاخفات مجزئاً كما هو شأن كل واجب تخييري، وعلى هذا فلا موضوع لاستحقاق العقاب بعد الاتيان بأحد طرفي التخيير، وإن لم يكن المكلف حال العمل ملتفتاً إليه، ضرورة أنّ الالتفات إليه ليس من أحد شرائط صحة الاتيان بأحد طرفيه.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه أمران:
الأوّل : أ نّه يمكن دفع الاشكال المزبور عن المسألتين المتقدمتين بوجهين:
أحدهما: الالتزام بالترتب في مقام الجعل، وقد عرفت أ نّه لا مانع منه أصلاً، غاية الأمر أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، وقد دلّ الدليل على وقوعه فيهما.
ثانيهما: ما ذكرناه لحدّ الآن من أ نّه لا موجب لاستحقاق العقاب أصلاً كما عرفت.
الثاني : أنّ نقطة الامتياز بين هذين الجوابين هي أنّ الجواب الأوّل ناظر إلى

ــ[489]ــ

أ نّه لا مانع من الجمع بين الأمرين المزبورين، أعني بهما صحة التمام في موضع القصر والجهر في موضع الخفت أو بالعكس، واستحقاق العقاب على مخالفة الواقع، فانّه بناءً على القول بصحة الترتب فيهما لا إشكال في الالتزام بالجمع بين هذين الأمرين، بل هو لازم ضروري للقول بالترتب، كما عرفت الكلام فيه بصورة مفصلة. والجواب الثاني ناظر إلى أ نّه مع الحكم بصحة التمام في موضـع القصر والجهر في موضع الخفت وبالعكـس كما هو صريح صحيحة زرارة (1)، لا يمكن الحكم باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع، لما عرفت من أ نّه مع قطع النظر عن الترتب فالحكم بالصحـة يبتني على أحد التقديرين المتقدمين هما: كون التمام أو الجهر مثلاً واجباً تعيينياً في ظرف الجهل، وكونه أحد فردي الواجب التخييري. وعلى كلا التقديرين لا مجال لاستحقاق العقاب أصلاً. هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.
 ــــــــــ
(1) المتقدمة في ص 482.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net