2 ـ جريان الترتب في واجبين أحدهما موسّع والآخر مضيّق 

الكتاب : محاضرات في اُصول الفقه - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2822

 

الأمر الثاني

أنّ الترتب كما يجري بين الواجبين المضيقين أحدهما أهم من الآخر كما سبق، فهل يجري بين الواجبين أحدهما موسّع والآخر مضيق أم لا ؟
قد اختار شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (2) جريانه فيهما، ببيان أنّ الواجب المهم إذا كان موسعاً له أفراد كثيرة، وكان بعض أفراده مزاحماً للأهم دون بعضها الآخر، فبناءً على ما ذكرناه من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف من جهة

ـــــــــــ
(2) أجود التقريرات 2: 97.

ــ[490]ــ

اقتضاء نفس التكليف ذلك، فلا محالة يتقيد المأمور به بالحصة الخاصة وهي الحصة المقدورة، فيخرج غير المقدور من الأفراد عن إطلاقه، وعليه فلا محالة يتوقف شمول الاطلاق للفرد المزاحم على القول بامكان الترتب وجوازه، فان قلنا به يدخل في الاطلاق عند عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه، وإلاّ فهو خارج عنه مطلقاً. نعم، يمكن الحكم بصحته حينئذ من جهة اشتماله على الملاك.
وأمّا بناءً على ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنّما هو من ناحية حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فلا نحتاج في الحكم بصحة الفرد المزاحم إلى القول بالترتب والالتزام به، بل يمكن القول بها ولو قلنا باستحالة الترتب، والوجه في ذلك: هو أنّ الطبيعة المأمور بها بما أ نّها مقدورة للمكلف ولو بالقدرة على بعض أفرادها كما هو المفروض، فلا مانع من تعلق الأمر بها على إطلاقها.
وعليه فيصحّ الاتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة، إذ الانطباق قهري والإجزاء عقلي.
أقول : الكلام في ذلك مرّة يقع من ناحية أنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هل هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز أو اقتضاء نفس التكليف ذلك، ومرّة اُخرى يقع من ناحية أنّ المهم إذا كان موسّعاً وكان بعض أفراده مزاحماً بالأهم، أيمكن إثبات صحته بالترتب أم لا ؟
أمّا الكلام في الناحية الاُولى: فقد ذكرنا أنّ القدرة لم تؤخذ في متعلق التكليف أصلاً، لا من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، ولا من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك، وإنّما هي معتبرة في ظرف الامتثال والاطاعة، ضرورة أنّ العقل لا يحكم بأزيد من اعتبـارها في تلك المرحلة، وقد تقدّم

ــ[491]ــ

الكلام (1) في ذلك بصورة مفصّلة، وقد أوضحنا هناك بطلان ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من وجوه فلاحظ.
وأمّا الكلام في الناحية الثانية: فجريان الترتب فيه يبتني على وجهة نظر شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، وبما أنّ تقييد المهم في المقام بخصوص الفرد المزاحم محال، فاطلاقه بالاضافة إليه أيضاً محال، وعليه فلا يمكن الحكم بصحته من جهة الاطلاق، فلا محالة تبتني صحته على القول بالترتب مع قطع النظر عن كفاية الملاك، غاية الأمر أنّ الترتب هنا إنّما هو في إطلاق الواجب المهم، بمعنى أنّ إطلاقه مترتب على ترك الواجب الأهم، وهذا بخلاف الترتب في غير المقام، فان هناك أصل الخطاب بالمهم مترتب على ترك امتـثال الخطاب بالأهم لا إطـلاقه، وعلى كل حال فالترتب في المقام مبتن على مسلكه (قدس سره).
ولكن قد ذكرنا غير مرّة أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد، فاستحالة أحدهما في مورد لا يستلزم استحالة الآخر، وعليه فلا يتوقف الحكم بصحته على القول بجواز الترتب، ضرورة أ نّه عندئذ يمكن الاتيان به بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة.
وعلى الجملة: فجريان الترتب فيما إذا كان الواجب المهم موسـعاً والأهم مضيقاً يرتكز على أحد أمرين:
الأوّل : دعوى اقتضاء نفس التكليف اعتبار القدرة في متعلقه وأ نّه يوجب تقييده بحصة خاصة وهي الحصة المقدورة.
الثاني : دعوى أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق.

ـــــــــــــــــــــ
(1) في ص 356.

ــ[492]ــ

ولكن قد عرفت فساد كلتا الدعويين في غير موضع. هذا مضافاً إلى أنّ الدعوى الاُولى ـ على تقدير تسليمها في نفسها ـ لا توجب تقييد المتعلـق بخصوص تلك الحصة، كما تقدّم الكلام في ذلك بشكل واضح (1) فلا نعيد.
فالصحيح في المقام أن يقال كما ذكرناه سابقاً: إنّ هذه الصورة ـ أعني بها ما إذا كان المهم موسعاً والأهم مضيقاً ـ خارجة عن كبرى مسألة التزاحم لتمكن المكلف فيها على الفرض من الجمع بين التكليفين في مقام الامتثال، ومعه لا مزاحمة بينهما أصلاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى: أنّ البحث عن إمكان ترتب أحد الحكمين على عدم الاتيان بمتعلق الحكم الآخر واستحالة ذلك، إنّما هو في فرض التزاحم بينهما، وإلاّ فلم يكن للبحث عنه موضوع أصلاً، كما هو واضح.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنّ الصورة المزبورة خارجة عن موضوع بحث الترتب، فان موضوع بحثه هو ما إذا لم يمكن إثبات صحة المهم إلاّ بناءً على القول بالترتب، وفي المقام يمكن إثبات صحته بدون الالتزام به، بل ولو قلنا باستحالته كما عرفت غير مرّة.
 ـــــــــــ
(1) في ص 351.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net