صحيحة زرارة الثانية 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4366


ومن جملة ما استدلّ به للاستصحاب صحيحة ثانية لزرارة «قال قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني، فعلّمت أثره إلى أن اُصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصليت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال (عليه السلام): تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أ نّه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته؟ قال (عليه السلام): تغسله وتعيد، قلت: فان ظننت أ نّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً فصلّيت فرأيت فيه؟ قال (عليه السلام): تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لِمَ ذلك؟ قال (عليه السلام): لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً، قلت: فانّي قد علمت أ نّه قد أصابه ولم أدرِ أين هو فأغسله؟ قال (عليه السلام): تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أ نّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل عليَّ إن شككت في أ نّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال (عليه السلام): لا، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسـك، قلت: إن رأيتـه في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال (عليه السلام): تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، وإن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأ نّك لا تدري لعلّه شيء اُوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 1: 421 / ح 1335، الوسائل 3: 466 و 477 و 482 / أبواب النجاسات ب 37 و 41 و 44 ح 1.

ــ[59]ــ

 ويقع الكلام أوّلاً في فقه الحديث ثمّ في وجه الاستدلال به للاستصحاب فنقول: أمّا فقه الحديث، فهو أنّ زرارة سأل الإمام (عليه السلام) أسئلة عديدة عن أحكام متعددة.

 السؤال الأوّل: عن حكم الاتيان بالصلاة مع النجاسة نسياناً مع العلم بالنجاسة أوّلاً، فأجاب (عليه السلام) بوجوب إعادة الصلاة ووجوب الغسل. وهذا الحكم قد ورد في روايات اُخر(1) أيضاً، وعلل في بعضها بأنّ الناسي تهاون في التطهير دون الجاهل. وكيف كان لا إشكال في الحكم المذكور.

 السؤال الثاني: عن العلم الاجمالي بنجاسة الثوب والصلاة معها، فأجاب (عليه السلام) بوجوب الاعادة وعدم الفرق بين العلم الاجمالي بالنجاسـة والعلم التفصيلي بها.

 السؤال الثالث: عن الظن بالنجاسة والصلاة معها، فأجاب (عليه السلام) بوجوب الغسل وعدم وجوب الاعادة، لكونه على يقين من الطهارة فشك وليس ينبغي نقض اليقين بالشك، وهذا مبني على أن يكون المراد من الشك عدم اليقين الشامل للظن المفروض في السؤال، كما سنذكره في أواخر الاستصحاب(2) إن شاء الله تعالى، وإلاّ لم ينطبق على المورد.

 السؤال الرابع: عن كيفية التطهير مع العلم الاجمالي بالنجاسة، فأجاب (عليه السلام) بوجوب تطهير الناحية التي علم إجمالاً بنجاستها حتى يحصل له اليقين بالطهارة.

 السؤال الخامس: عن وجوب الفحص وعدمه مع الشك في الاصابة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في الوسائل 3: 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 5.

(2) في التنبيه الرابع عشر، ص 268.

ــ[60]ــ

فأجاب (عليه السلام) بعدم وجوبه بل بعدم وجوب النظر كما هو المذكور في السؤال فضلاً عن الفحص، فانّه يحتاج إلى مؤونة زائدة عن مجرد النظر، وملخّص الجواب أ نّه ليس عليك تكليف بالفحص والنظر إلاّ أن تريد إذهاب الشك ولو من جهة عدم الوقوع في الحرج والمشقة إذا ظهر كونه نجساً وملاقاته أشياء اُخر، فلك النظر ولكنّه لا يجب عليك.

 السؤال السادس: عن رؤية النجاسة وهو في الصلاة، فأجاب (عليه السلام) بأنّ هذه الرؤية إن كانت بعد العلم الاجمالي بالنجاسة والشك في موضعها قبل الصلاة، وجبت الاعادة، وإن كانت الرؤية غير مسبوقة بالعلم فرأى النجاسة وهو في الصلاة ولم يدرِ أكانت النجاسة قبل الصلاة أم حدثت في الأثناء، فلا تجب عليه الاعادة، بل يغسلها ويبني على الصلاة إذا لم يلزم ما يوجب البطلان، كالاستدبار مثلاً. وعلل الحكم بعدم وجوب الاعادة باحتمال حدوث النجاسة في الأثناء، فلا ينبغي نقض اليقين بالشك، وهذا الحكم ـ أي حكم رؤية النجاسة في أثناء الصلاة ـ له صورتان:

 الصورة الاُولى: رؤية النجاسة في الأثناء مع العلم بكونها قبل الصلاة.

 والصورة الثانية: هي الصورة الاُولى مع الشك في كونها قبل الصلاة واحتمال عروضها في الأثناء.

 أمّا الصورة الثانية فهي التي ذكرت في الرواية وحكم الإمام (عليه السلام) بعدم وجوب الاعادة فيها.

 وأمّا الصورة الاُولى، فهي غير مذكورة في صريح الرواية، لأنّ المذكور فيها حكم العلم بالنجاسة قبل الصلاة مع الشك في موضعها، وحكم رؤية النجاسة في الأثناء مع الشك في كونها قبل الصلاة. وأمّا رؤية النجاسة في الأثناء مع العلم بكونها قبل الصلاة، فغير مذكورة فيها من حيث المنطوق، ولذا اختلفت

 
 

ــ[61]ــ

كلماتهم في حكمها، وذكر الشيخ(1) (قدس سره) أنّ الحكم بعدم وجوب الاعادة ـ فيما لو علم بالنجاسة بعد إتمام الصلاة ـ يدل على عدم وجوب الاعادة فيما لو رآها في الأثناء بطريق أولى، لأ نّه لو لم تجب الاعادة مع وقوع جميع أجزاء الصلاة مع النجاسة، فعدم وجوب الاعادة مع وقوع بعضها مع النجاسة أولى.

 والتحقيق عدم صحة الاعتماد على الأولوية المذكورة، لأنّ وجوب الاعادة حكم تعبدي لا يعلم ملاكه حتى يتمسك بالأولوية، فلعلّه كانت خصوصية تقتضي عدم وجوب الاعادة فيما لو وقع جميع أجزاء الصلاة مع النجاسة وعلم بها بعد الصلاة، وكانت تلك الخصوصية مفقودة فيما لو رآها في الأثناء، بل التحقيق أنّ الصورة المذكورة وإن كانت غير مذكورة في صريح الرواية، إلاّ أ نّها تدل على حكمها وهو وجوب الاعادة دلالةً قويّةً، لأنّ الإمام (عليه السلام) علل عدم وجوب الاعادة في الصورة الثانية وهي صورة رؤية النجاسة في الأثناء مع الشك في كونها قبل الصلاة، باحتمال عروض النجاسة في الأثناء، وقال (عليه السلام): «لعلّه شيء اُوقع عليك» فيدل على وجوب الاعادة مع العلم بكونها قبل الصلاة، وكذا قوله (عليه السلام) بعد التعليل المذكور: «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» فانّ ظاهره أنّ عدم وجوب الاعادة إنّما هو للشك في كونها قبل الصلاة، فيدل على وجوب الاعادة مع العلم بكونها قبل الصلاة.

 أمّا وجه الاستدلال، فهو أنّ قوله (عليه السلام): «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» يدل على حجية الاستصحاب، بل أوضح دلالةً من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ فرائد الاُصول 2: 566.

ــ[62]ــ

الصحيحة الاُولى لاشتماله على كلمة لا ينبغي، والتصريح بالتعليل في قوله (عليه السلام): «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك» وهو صريح فيما ذكرناه(1) من أنّ التعليل بأمر إرتكازي، وهذا بخلاف الصحيحة الاُولى، فانّه لم يصرح فيها بالتعليل، غايته أنّ التعليل كان أظهر المحتملات.

 ثمّ إنّ قوله (عليه السلام): «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» مذكور في موردين من الصحيحة: الأوّل بعد الجواب عن السؤال الثالث، والثاني بعد الجواب عن السؤال الأخير.

 أمّا المورد الثاني فلا إشكال في دلالته على حجية الاستصحاب.

 وأمّا المورد الأوّل فقد استشكل في دلالته على حجية الاستصحاب بأنّ الإمام (عليه السلام) علل عدم وجوب الاعادة بعدم نقض اليقين بالشك، مع أنّ الاعادة لو كانت واجبة لما كانت نقضاً لليقين بالشك بل نقضاً لليقين باليقين، للعلم بوقوع الصلاة مع النجاسة، فهذا التعليل لا ينطبق على المورد، ولذا حمل الرواية بعضهم على قاعدة اليقين، وذكر أنّ التمسك بها للاستصحاب غير ظاهر كما في الكفاية(2).

 وهذا الكلام بمكان من العجب من قائله، لأنّ قاعدة اليقين قوامها بأمرين: الأوّل اليقين السابق والثاني الشك الساري بمعنى سريان الشك إلى ظرف المتيقن، كما إذا علمنا يوم الجمعة بعدالة زيد يوم الخميس، ثمّ شككنا في عدالته يوم الخميس لاحتمال كون علمنا السابق جهلاً مركباً، وكلا الأمرين مفقود في المقام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 21.

(2) كفاية الاُصول: 393.

ــ[63]ــ

 أمّا الشك ففقدانه واضح، لأنّ المفروض هو العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة، فليس هنا شك.

 وأمّا اليقين فإن كان المراد منه اليقين بطهارة الثوب قبل عروض الظن بالنجاسة، فهو باق بحاله ولم يتبدل بالشك، فانّ المكلف في فرض السؤال يعلم بطهارة ثوبه قبل عروض هذا الظن. وإن كان المراد هو اليقين بعد الظن المذكور، بأن كان قد ظنّ بالنجاسة فنظر ولم يجدها فتيقن بالطهارة، فهذا اليقين غير مذكور في الحديث الشريف، ومجرد النظر وعدم الوجدان لا يدل على أ نّه تيقن بالطهارة، فالصحيحة أجنبية عن قاعدة اليقين وظاهرة في الاستصحاب، غاية الأمر أ نّه إن أمكننا التطبيق على المورد فهو، وإلاّ فلا نفهم كيفية التطبيق على المورد، وهو غير قادح في الاستدلال بها.

 وقيل في وجه التطبيق كما في الكفاية: أنّ شرط الصلاة هو إحراز الطهارة لا الطهارة الواقعية، ومقتضى إحراز الطهارة بالاستصحاب عدم وجوب الاعادة ولو انكشف بعد الصلاة وقوعها مع النجاسة(1).

 وتحقيق المقام يقتضي التكلم في ترتب الثمرة على النزاع المعروف بينهم من أنّ الطهارة شرط في الصلاة، أو أنّ النجاسة مانعة عنها، فقال بعضهم بالأوّل وبعضهم بالثاني، وبعضهم جمع بينهما فقال بشرطية الطهارة ومانعية النجاسة. أمّا القول الأخير فلا يمكن الالتزام به، لما تقدّم في بحث اجتماع الأمر والنهي(2) من أ نّه يستحيل جعل الشيء شرطاً وضدّه مانعاً ولا سيما في ضدّين لا ثالث لهما، فلا يمكن جعل الطمأنينة شرطاً والحركة مانعاً، والقيام شرطاً والقعود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 393 و 394.

(2) محاضرات في اُصول الفقه 4: 9 ـ 13.

ــ[64]ــ

مانعاً وهكذا، فيدور الأمر بين القولين الآخرين.

 فنقول: لا إشكال في أنّ الغافل خارج عن محل الكلام على كلا التقديرين، لعدم الاشكال في صحة صلاة الغافل عن نجاسة الثوب مثلاً على كلا القولين، ولم نجد من استشكل في صحة صلاة الغافل من القائلين بشرطية الطهارة، ولا من القائلين بمانعية النجاسة. ولا إشكال أيضاً في أنّ النجاسة الواقعية مع عدم إحرازها ليست مانعة عن الصلاة، فمن صلّى مع القطع الوجداني بطهارة ثوبه أو مع الطهارة الظاهرية لأجل التعبد الشرعي بالأمارة كاخبار ذي اليد والبينة أو الاُصول العملية كأصالة الطهارة والاستصحاب فانكشف بعد الصلاة وقوعها مع النجاسة، لا إشكال في عدم وجوب الاعادة، للنصوص الواردة في المقام، ومن جملتها هذه الصحيحة، ولم أجد من التزم بالاعادة في هذه الصور لا من القائلين بالشرطية ولا من القائلين بالمانعية.

 فتلخص مما ذكرنا: أنّ المانع على القول بالمانعـية هو النجاسة المحرزة لا النجاسة الواقعية، وإلاّ تلزم الاعادة في الصور المذكورة، ولم يلتزم بها القائلون بالمانعية. وعلى القول بالشرطية ليس الشرط هي الطهارة الواقعية ـ وإلاّ تلزم الاعادة في الصور المذكورة ـ ولا إحراز الطهارة، فانّه من تيقن بنجاسة ثوبه وصلّى معه للاضطرار لبرد ونحوه ثمّ انكشفت بعد الصلاة طهارة ثوبه فلا إشكال في عدم وجوب الاعادة عليه ولو انكشف عدم تضرره بالبرد لو لم يلبس الثوب المذكور، مع أ نّه لم يحرز الطهارة حين الاتيان بالصلاة، وكذا لو لم يكن عنده إلاّ ثوب واحد متنجس فانّه محل الخلاف بينهم، فالمشهور أ نّه يجب عليه الاتيان بالصلاة عرياناً. وقالت جماعة منهم صاحب العروة(1) بوجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 81 / فصل في الصلاة في النجس، المسألة 4 [ 280 ].

ــ[65]ــ

الصلاة مع الثوب المتنجس، فعلى قول الجماعة لو صلّى مع الثوب ثمّ انكشفت طهارته، لا إشكال في صحة صلاته حتى مع انكشاف عدم انحصار الثوب فيه، مع أ نّه لم يحرز الطهارة حين الاتيان بالصلاة، بل الشرط هو الجامع الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية المحرزة بالقطع الوجداني أو بالأمارات والاُصول، فعلى القول بالشرطية الشرط هي الطهارة بالمعنى الأعم، لا خصوص الطهارة الواقعية ولا خصوص الطهارة المحرزة على ما ذكره صاحب الكفاية وأطال الكلام في الاستشكال عليه والجـواب عنه، وعلى القول بالمانعـية المانع هو خصوص النجاسة المحرزة، فاذن لا ثمرة بين القولين، لأنّ الغافل تصح صلاته مع النجاسة على القولين، والملتفت إذا أحرز الطهارة بأحد الوجوه المتقدمة ثمّ انكشف وقوع الصلاة مع النجاسة، تصح صلاته أيضاً على القولين، والملتفت غير المحرز للطهارة ولو بالأصل تبطل صلاته مع انكشاف وقوعها مع النجاسة على القولين.

 وربّما يتخيل ظهور الثمرة فيما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين فصلّى صلاتين في كل من الثوبين ثمّ انكشفت نجاسة كلا الثوبين، فانّه على القول بشرطية الطهارة يلزم بطلان كلتا الصلاتين، لوقوعهما مع النجاسة الواقعية مع عدم إحراز الطهارة ولو بالأصل، لتساقط الأصل في الطرفين للمعارضة، للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما. وكذا على القول بأنّ المانع هو النجاسة الواقعية. وأمّا على القول بأنّ المانع هو إحراز النجاسة، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين، لعدم إحراز نجاسة كلا الثوبين قبل الصلاة.

 والتحقيق عدم تمامية الثمرة المذكورة، لما ذكرنا في بحث العلم الاجمالي(1) من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 413.

ــ[66]ــ

أنّ العلم الاجمالي مانع عن جريان الأصل في كل طرف بخصوصه لأجل المعارضة، ولا مانع من جريان الأصل في أحد الطرفين أو الأطراف لا بقيد الخصوصية إذا كان له أثر عملي كما في المقام.

 فنقول: بعد العلم بنجاسة أحد الثوبين مع احتمال نجاسة الآخر إنّ أحد الثوبين نجس قطعاً، وأمّا الآخر فالأصل طهارته، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين في المثال.

 وكذا لو علمنا ببطلان إحدى الظهرين بعد الفراغ منهما مع احتمال بطلان الاُخرى، فالعلم الاجمالي ببطلان إحداهما مانع من جريان قاعدة الفراغ في خصوص كل من الظهر والعصر، ولا مانع من جريانها في إحداهما لا بعينها، فنقول: إحداهما باطلة قطعاً وأمّا الاُخرى فقاعدة الفراغ قاضية بصحتها، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين، فيأتي بصلاة واحدة بلا تعيين أ نّها الظهر أو العصر، وكذا في غيرهما ممّا توافقت الصلاتان من حيث الركعة، كما إذا أتى بقضاء صلاتين من الصبح مثلاً ثمّ علم إجمالاً ببطلان إحداهما مع احتمال بطلان الاُخرى، فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في إحداهما لا بعينها.

 فاذن لا ثمرة بين القول بشرطية الطهارة والقول بمانعية النجاسة، وإن كان الصحيح هو الأوّل، نظراً إلى الاعتبار الشرعي المستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «لا صلاة إلاّ بطهور ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمّا البول فانّه لا بدّ من غسله»(1) فانّ المراد بالطهور ما يطهر به، كما أنّ الوقود ما يوقد به، فالمراد به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1: 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.

ــ[67]ــ

الماء والتراب، كما ورد أنّ الماء أحد الطهورين(1)، فتدل الصحيحة على اشتراط الصلاة بالطهارة من الخبث أيضاً، لما في ذيلها من التفصيل بين موضع البول وموضع الغائط.

 إذا عرفت ذلك فنقول: ذكر الشيخ(2) (قدس سره) في وجه تطبيق التعليل في الصحيحة على المورد، أ نّه مبني على دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء، فعدم وجوب الاعادة للإجزاء المستفاد من الأمر الظاهري وهو حرمة نقض اليقين بالشك المعبّر عنها بالاستصحاب.

 وأورد عليه في الكفاية(3) بأنّ التعليل في الصحيحة إنّما هو بوجود الأمر الظاهري لا بدلالته على الإجزاء، اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ دلالته على الإجزاء كان مفروغاً عنه بين الإمام (عليه السلام) والراوي، فعلل (عليه السلام) عدم وجوب الاعادة بوجود الأمر الظاهري، بل التعليل مبني على أنّ الشرط هو إحراز الطهارة ولو بالأصل، لا خصوص الطهارة الواقعية.

 وقال المحقق النائيني(4) (قدس سره): يصح تطبيق التعليل على المورد بكل من الوجـهين، أي الاجـزاء، وكون الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية.

 أقول: كل ذلك لا يخلو من الاشكال، لأنّ معنى دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء، هو كون الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية والاختلاف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3: 388 / أبواب التيمم ب 25 ح 3 (باختلاف يسير).

(2) [ ذكر (قدس سره) ذلك بعنوان التخيُّل وردّه، فرائد الاُصول 2: 566 ].

(3) كفاية الاُصول: 395.

(4) أجود التقريرات 4: 40 ـ 45، فوائد الاُصول 4: 341 ـ 351.

ــ[68]ــ

بينهما في مجرد التعبير، وذلك لأنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري مقتض للإجـزاء عن الأمر ما دام الشك موجوداً بلا إشكال، وأمّا بعد زوال الشك وكشف الخلاف فلا معنى للإجزاء عن الأمر الظاهري، لأنّ الأمر الظاهري حينئذ منتف بانتفاء موضوعه وهو الشك، فليس هنا أمر ظاهري حتى نقول بالإجزاء عنه أو بعدمه، فان قلنا بالإجزاء عن الأمر الواقعي فمعناه كون الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، لأ نّه لو كان الشرط هو الواقعي فقط، لا يعقل الإجزاء عنه بشيء آخر، فمن صلّى إلى جهة لقيام البيّنة على أ نّها هي القبلة، ثمّ انكشف بعد الصلاة كون القبلة في جهة اُخرى، فمعنى إجزاء هذه الصلاة ـ التي أتى بها إلى غير جهة القبلة عن الصلاة إلى جهة القبلة ـ كون الشرط هو الأعم من القبلة الواقعية والظاهرية الثابتة بالبيّنة، لأ نّه لا معنى للقول بأنّ الشرط هو القبلة الواقعية وتجزي عنها جهة اُخرى.

 فظهر أنّ إشكال صاحب الكفاية على الشيخ (قدس سره) والعدول عن الجواب بالإجزاء إلى الجواب بكون الشرط هو الأعم، ليس على ما ينبغي، وكذا ظهر عدم صحة ما ذكره المحقق النائيني من أنّ التعليل يصح على كلا الوجهين، فانّه ليس هنا إلاّ وجه واحد ذو تعبيرين.

 وملخص الجواب عن الاشكال المذكور: أنّ التعليل المذكور ناظر إلى وجود الأمر الظاهري حال الصلاة لا ما بعد الصلاة ، بعد كون الإجزاء مفروغاً عنه عند الراوي، فالتعليل ناظر إلى الصغرى بعد كون الكبرى مسلّمة من الخارج.

 فحاصل التعليل ـ بعد سؤال الراوي عن علّة عدم وجوب الاعادة في هذه الصورة مع وجوب الاعادة في الصورتين السابقتين ـ أنّ المصلي في هذه الصورة محرز للطهارة الظاهرية حال الصلاة، لكونه متيقناً بها فشك، ولا يجوز

ــ[69]ــ

نقض اليقين بالشك، بخلاف الصورتين السابقتين للعلم التفصيلي بالنجاسة في إحداهما والاجمالي في الاُخرى، فتنجّز عليه التكليف، ولم يستند إلى أمر ظاهري، فتجب عليه الاعادة، ودلالة الأمر الظاهري على الإجزاء في باب الطهارة مما لا إشكال فيه ولا خلاف، فمراد الشيخ (قدس سره) من دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء هي الدلالة في باب الطهارة لا مطلقاً ولا يرد عليه شيء.

 فتحصّل من جميع ما ذكرنا في المقام: صحة الاستدلال بهذه الصحيحة أيضاً على حجية الاستصحاب، ويجري فيها جميع ما ذكرنا في الصحيحة الاُولى من عدم الفرق بين الشك في المقتضي والشك في الرافع، وبيان الفرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية وغيره مما تقدّم الكلام فيه.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net